الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الجيل الذي لم نفهمه بعد

باختصار : الجيل الذي لم نفهمه بعد

زهير ماجد

الدول المتقدمة لديها جيوش من علماء النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة يقدمون لها الدراسات عن تطور الأجيال، عن تصور لرغبات جيل لم ينم بعد، وعن جيل حاضر في المجتمع يسعى أن يكون مثمرا.
لا أعتقد أن العرب وصلوا إلى هذا التطور، كأن تمارس النقد قبل وقوع الخطأ، كما يقول الصينيون .. فليس أصعب على المجتمعات من أن يكون نظامها غائبا ولا يفكر بمستقبل أبنائه إلا عندما يطلب منه، أو تجتاحه المظاهرات المطلبية فيتحرك للتغيير المستحيل.
أقول ذلك لأني أعتقد أن أصعب الأجيال العربية هو الجيل الحالي، وما سيليه .. فواقع الجيلين مأساوي، يقوم على المقامرة والمغامرة الشخصية، لا سند خلفه ولا من يجاريه من نظام أو سلطة أو شخص أو قوة .. إنه جيل الحيرة النامية في عقله، وهو يرى الفساد يضرب مجتمعه تستفيد منه قلة قليلة، أما هو فلا يأكل حتى الفتات، أو جيل يعاني من حروب داخلية، يريد التطهر منها، فإذا به يسقط على طريق الهروب المضني من وطنه إلى عالم يظنه رحيما، كما يفعل السوريون والأفغان والليبيون الذين يداون مشكلتهم الوطنية بهروب فظيع ينتهي بهم إلى الغرق أو الموت خنقا في شاحنة.
يجب أن نعترف للجيل أن أيام الترف ولَّت، وأن سنوات عجافا تنتظر البلاد والعالم العربي تحديدا، وأن هنالك مؤامرة مفتوحة، أقول مؤامرة بالفم الملآن، وأن المطلوب الآن كمرحلة قاسية هو الدفاع عن الوجود الوطني، بل إعادة كتابة الاستقلال من جديد، فالذين خرجوا من الباب يريدون العودة من الشباك، وضمن مطلب إسرائيلي يريد لمكونات الأمة أن تتبعثر كي يظل نمرها.
لا بد من فهم الجيل كي يمكن التفاهم معه بطريقته، مع أننا نخسره إن بقي في الوطن حيث تأملاته خارجه وحلمه أيضا، وأن خارج الوطن فهو ذهب ولن يعود إلا جثة هامدة.
أن تفهم حال الجيل يتدرج من أوليات الواقع الوطني المعاش .. كلما طال أمد المشاكل والأزمات الداخلية، زاد البحث المضني عن مستقر وزادت أعداد المؤمنين به والمنفذين له. إن بلدا كسوريا كان يعوم على استقرار لا مثيل له وأمن موصوف بأنه الأول عالميا وضمانات اجتماعية قل نظيرها بين الدول، لا يمكن لمواطنه اسستقبال معاناة معاكسة للحالة التي عاشها .. وأما العراقي الذي عاش مرحلة وردية في ظل حزب البعث فكيف له أن يستوعب ما لا يمكن تقبله عقليا واجتماعيا ونفسيا، فتراه على وعد التظاهر باحثا عن أمل ضائع.
إن شروط السلامة الوطنية هو الجيل الحالي والذي سيليه .. كل المصير الوطني معقود عليهما، فهم الجيل الحالي يؤدي إلى فهم الجيل الأصعب وهو المرشح القادم في المجتمع، وهو ما ستقع عليه آمال كبيرة بإعادة بناء مجتمع بكامله بكافة متطلباته، دون أن يعني أن مؤثرات الحالة السائدة لم تصبه في صميم شخصه، حين يرى من هم قبله كيف ترتيب حياتهم اليومية.
لن نكابر في هذه المسألة التي كل الرهان عليها. لا يكفي خوض المعارك العسكرية وإن كانت أولوية لأنها تحسم بقاء الوطن، إلا أن معركة تثبيت جيل على أرضه وترغيب آخر في تجهيز المسرح لما سيلي، لن تكون عملية سهلة على الإطلاق.

إلى الأعلى