الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : مصنع تجميع الحافلات .. وقصته المثيرة

العين .. الثالثة : مصنع تجميع الحافلات .. وقصته المثيرة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

فضلنا الصمت رغم علمنا بكل التفاصيل، بل وأدقها، ومنذ بداية بدايات مفاوضات تأسيس مصنع لتجميع الحافلات (الباصات) بين بلادنا ودولة قطر الشقيقة؛ لأنه لا يهمنا بالدرجة الأولى المحتوى المكاني لمثل هذه الأحداث الاقتصادية العملاقة داخل جغرافيتنا الوطنية، سواء اختيرت صلالة أم المضيبي أم صحار أم مسندم .. الأهم جذب مثل هذه الاستثمارات لبلادنا لخدمة اقتصادنا وتعزيز البعد الاجتماعي أينما كان وفق براجماتية جديدة تلازم مصلحتنا الاقتصادية مع نجاحات دبلوماسيتنا على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ومع تنامي علاقات بلادنا مع دول شقيقة وصديقة، إذ ليس من المعقول إطلاقا الاستمرارية في فصل هذا التلازم، أو أن تكون استفادة بلادنا دون المأمول، وطبيعة المرحلة الراهنة بآفاقها المقبلة، تحتم هذه البراجماتية وجعلها تابعة لنجاحات سياستنا الخارجية.
وقد كنا ننظر لتحويل مشروع مصنع تجميع الحافلات سالف الذكر ـ الهام جدا والاستراتيجي جدا ـ من صلالة بمحافظة ظفار إلى إحدى الولايات خارج محافظة ظفار من منظور البعد الديموغرافي الذي نعلي من شأنه في كل كتاباتنا، ونحمل همه، ونحاول أن نستدعيه في أية تطورات وأحداث اقتصادية وسياسية محلية جديدة، لإيماننا به من حيث مركزيته في ديمومة الاستقرار والأمن في بلادنا، ونعتبره أفضل نموذج يمكن أن يعكس البراجماتية التي نطالب بها. لكن، ترحيله مرة أخرى من هذه الولاية (..) إلى الدقم، قد دفع بنا إلى التعاطي معه بصورة علنية، ومن منظور البعد الديموغرافي نفسه الذي يتقاطع معه بصورة مباشرة مجموعة أبعاد اقتصادية مهمة، فبعد اكتشاف عدم توفر البنية التحتية لهذه الولاية لإقامة المشروع فيها، كان من الأجدر والأنفع رجوعه إلى صلالة التي كانت في الأساس رغبة المستثمر القطري الذي حاول جاهدا إقامته في المنطقة الحرة بصلالة للاستفادة من عدة امتيازات، أبرزها، الامتيازات التي تمنحها المنطقة الحرة والجيواستراتيجي لميناء صلالة المفتوح على البحار العالية، والقريب من أسواق مستهدفة بذاتها من قبل المشروع، وكذلك لوجود مشاريع محلية تتكامل معه، وكذلك مستقبل القطاع اللوجستي في محافظة ظفار .. وكذلك لمستقبل قطاع الشحن من هذه الجزئية الترابية من وطننا. والأهم هنا، كما أوضحنا، البعد الديموغرافي، فالمشروع يوفر في مرحلته الأولى أكثر من (500) عمل بمرتبات آمنة، وطاقته الإنتاجية في هذه المرحلة تراوح ما بين (1800 إلى 2000) حافلة سنويا، والتقنية المتبعة صينية، كما سيقام تدعيما له عدة مصانع مهمة .. كما أنه يشكل خطوة متقدمة لصناعة السيارات، فلماذا تقف قوى داخلية معارضة لإقامته في المنطقة الحرة بصلالة رغم الإلحاح القطري؟ ـ كما أكد لنا ذلك أحدهم قبل عام ـ تساؤل له أبعاد وخلفيات شخصية تقف معرقلة لهذا المشروع، وهي معروفة، وقد حاولت بكل ما أوتيت من نفوذ متعدد الأغراض والأشكال على ترحيله دون أن يكون هناك مبررات موضوعية، وقد نجحت بامتياز، ونجاحها في حينها لم يستفزنا كثيرا؛ لأنه في كلتا الحالتين يخدم البعد الاجتماعي الذي يشغلنا دائما رغم تلك الميزات الاقتصادية والجيواستراتيجية لصلالة، ورغم رغبة الأشقاء أنفسهم، ورغم عدم وجود منطقة حرة في الولاية المسحوب إليها المشروع، والمنطقة الحرة تعد شرطا أساسيا لإقامة المشروع، غير أن الحمولة الاجتماعية للولاية المسحوب إليها المشروع كانت سببا للاعتداد رغم ما قد يمكن أن يقال حولها، فحمولتها الاجتماعية الوطنية الخالصة (161) ألفا و(754) مواطنا، بينما حمولة محافظة ظفار قد تتقارب مع (200) ألف مواطن وفق آخر الإحصائيات الرسمية لنهاية مارس الماضي، فهناك تتقارب في تلك الحمولات الديموغرافية، وبالتالي، فإن ترحيله من صلالة لم يشكل لنا قضية كبيرة في حينها حتى تثار للرأي العام، فالمواطن هو المواطن على امتداد رقعة بلادنا، رغم ما أبداه لنا المصدر الخليجي من علامات استغراب وصدمة من معارضة إقامته في المنطقة الحرة بصلالة ونقله إلى ولاية لا تتوفر فيها المقومات نفسها ولا حتى أدناها، فالمشروع من أهم أهدافه تلبية حاجة قطر الشقيقة من الحافلات وتصديرها للأسواق الإقليمية والعالمية، فهو إذن لا بد أن يقع في منطقة حرة وبالقرب من ميناء مفتوح على البحار العالية وبعيد عن مناطق التوترات والنزاعات، ولم يجدوا أفضل موقع في بلادنا سوى المنطقة الحرة بصلالة، والتساؤل المزعج كثيرا يدور حول حيثيات نقل هذا المشروع بعد أن خصص له فعلا أراضٍ في المنطقة الحرة بصلالة؟
والتدخلات (الفوقية) في مسار هذا المشروع قد جعل من تنميتنا الاجتماعية والاقتصادية تدفع ثمن تأخيره كثيرا، فمنذ التوقيع على هذا المشروع من قبل معالي الوزير المسؤول عن الشئون المالية ومعالي وزير المواصلات القطري في شهر مايو عام 2014، لا يزال على الورق تتجاذبه الترحيلات إلى أن استقرت الآن عند الدقم، وهذا كله على حساب الزمن الذي يمثل هنا الفعل الذي يخدم الظرفية الزمنية الراهنة لبلادنا في ظل تدهور أسعار النفط وتأثيره على إيجاد فرص لجيل الشباب، أكثر من عام مر على هذا المشروع ولم يرَ النور.. فكم فرصة عمل قد فوتناها على شبابنا؟ وكم عائدا ماديا إضافيا ضيعناه وقد يحرك اقتصادنا؟ إذن، من ينبغي أن يتحمل مسؤولية هذا التأخير؟ والمسألة المهمة التي ينبغي إثارتها بصوت مرتفع كذلك، نقل المشروع إلى منطقة الدقم رغم عدم وجود منطقة حرة فيها، وقد يقال إنه سيتم إنشاء منطقة جديدة فيها، فأيهما الأجدر لهذا المشروع، منطقة حرة قائمة بذاتها، وهي صلالة، ومجمدة منذ إنشائها أم إنشاء منطقة حرة جديدة ليست بالكثافة السكانية ـ الحمولة الاجتماعية ـ مقارنة بظفار؟ وهل تركيز المشاريع الكبيرة في منطقة اقتصادية واحدة فيها رؤية استراتيجية صحيحة وفق مختلف السيناريوهات المستقبلية؟ ولماذا التركيز على الدقم إلى مستوى نرى فيه جنوحا غير مبرر خاصة في ظل سحب مشاريع من محافظة ظفار إليها؟ هذا الجنوح يخلق مجموعة اختلالات ديموغرافية في المحافظات، وتمس بجوهر قضية الباحثين عن عمل واستقرار الباحثين في محافظاتهم. من هنا، نرى أن مشروع مصنع تجميع الحافلات العماني القطري ينبغي أن يرجع إلى صلالة ـ كما كانت رغبة الأشقاء القطريين منذ البداية ـ خاصة بعد أن تعذر إقامته في ولاية المتدخلين الأقوياء جدا، فالحمولة الاجتماعية لمحافظة ظفار وتنميتها (الوطنية) تضغط بإلحاح على الحكومة إقامة مثل هذه المشاريع، ويتلاقى هذا الضغط مع رغبة الدوحة في إقامته في مكان هذا المحتوى الديموغرافي والجغرافي، فلماذا تقف العرقلة الشخصية ضد هاتين الرغبتين المشتركتين؟ وهذه العرقلة “الشخصية” نخشى أن تؤثر على عملية جذب الاستثمارات إلى بلادنا وخاصة القطرية، فهناك استثمارات زراعية وسياحية وتجارية قطرية منتظرة .. كما أنها (أي العرقلة) تعرقل تطور مجتمعنا المحلي .. فمن يقف هنا مثيرا ومستفزا المواطن أم المسؤول؟

إلى الأعلى