الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : تتكرر صورة المهاجر العربي الذي يموت غرقا أو اختناقا !

رأي الوطن : تتكرر صورة المهاجر العربي الذي يموت غرقا أو اختناقا !

قوافل الموت العربية لا تنتهي وهي تبحث عن ملجأ تظن أنه النهاية السعيدة لحياتها. لو كان للبحر فم لنطق بالفواجع الذي تصيب عربًا بعائلاتهم، وهم يبحثون عن مخارج للمصاعب التي تنتظرهم في أوطانهم. فالتفكير بأن أوروبا حل، يدفع اليائسين إلى غمار تجربة مضنية لا تنتهي عادة إلا بالموت غرقًا أو اختناقًا أو أي شكل آخر.
وعلى الرغم من تكرار تجربة الموت الفاجعي، ما زال ثمة من يعيد التجربة، فهنا عشرات غرقوا في بحر بعد حالة التوهان، وهنالك زورق عانى ركابه الأمرين وخصوصًا الأطفال الذين حين تم الوصول إليهم وجدوهم في حالة جفاف كاملة. ولا تنتهي المآسي في البحر، فالليبي هو الآخر مثل السوري مغامر يسعى تحت أمل واهٍ من أجل الهروب من بلاد لم يعد فيها دولة ولا سلطة ولا نظام ولا مؤسسات، بل موت مدرك كل ساعة .. ومثلهما الأفغاني بكل معاناته المستمرة والتاريخية.
سماسرة الموت ما ينفكون يتاجرون بالبشر، يتركونهم عند أول فرصة للضياع في بحر لا قرار له، أو التهريب في شاحنة مغلقة الأبواب عليهم، وقد وجد أكثر من سبعين منهم في حالة اختناق تام بعدما تركت الشاحنة إلى قدرها. أو تلك الشاحنة الثانية والثالثة .. من المؤسف أن البحر مليء بزوارق لا تليق بنقل البشر إلى حيث يريدون التوجه ..
كارثة إنسانية متحركة بات من الصعب وضع حد لها أمام استشراء الربح على حساب الإنسانية. وإذا كانت أوروبا هي مقصد الهاربين من بلادهم، فإن أوروبا بدأت تنوء بالمخيمات التي ينصب جديدها كل يوم حتى أن ألمانيا باتت تعاني من أكثر من 800 ألف مهاجر يطلبون اللجوء إليها، وكذلك حال المجر التي تحولت إلى ممر عشرات الآلاف من اللاجئين، وحال بلجيكا ليس أفضل ولا فرنسا، وقبلها اليونان وتركيا.
في كل يوم إذن يطالعنا هذا الفيض من المآسي التي تعرفها البحار أو الأرياف أو الممرات المخصصة للدخول غير الشرعي .. فأوروبا ستظل هدفًا للمهاجرين بكل أشكال الهجرة التي تعددت مواصفاتها، طالما أن عالمنا العربي وخصوصًا سوريا وليبيا وأفغانستان ستظل تنزف في الداخل، وبات معها البقاء صعبًا إن لم يكن مستحيلًا في ظل حروب تحكم واقع تلك البلدان.
يخسر العرب أجيالًا من الشباب الذي عقدنا عليه آمالًا، فيما يربح الغرب من هجرات شرعية عقولًا عربية وإسلامية ما كان لها أن تتوه خارج بلادها لولا الحالة الصعبة التي تضربها، وكلما طال أمد الأزمات واستفحلت، رأينا ما هو كارثي من أشكال للهروب من الأوطان تلك.
ويبدو أن السماسرة الذين تكاثروا وأثرياء الحروب الذين ينتظرون فرصًا كهذه، لن يبالوا سواء ضاع الناس أو هاجروا أو تألموا أو قتلتهم التجربة التي قتلت قبلهم أطفالًا وشبابًا وشيبًا ونساء. هو عالم معذب لن يتراجع عن ممارسة تجاربه اعتمادًا على الحظ وحده، إيمانًا منه بأنه إن وصل حقق غاياتنه، وإن لم يصل فهذا حقه في الحياة، حتى أن ناجية من كارثة في البحر قالت مهما كانت التجربة في البحر، فهي أفضل من العيش في ظلال الحرب.
أجيال تتوه، عالم عربي يفتش عن خلاص، صورة مأساوية تتكرر ولا من تعنيه .. نعجب لمن يعيش وطنه في حالته الطبيعية ثم يتركه عند أول صعوبة، مع أنه بحاجة إليه في هذه المرحلة بالذات.

إلى الأعلى