السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. عندما يشعر الطلاب بالأمان

رحاب .. عندما يشعر الطلاب بالأمان

هناك اتجاهان في التربية؛ يتبنى الأول أسلوبا تقليديا يعتمد على العصا لمن عصى، فهو يعاقب ويرهب ويهدد ويتوعد، يوبخ وينتقد، ويصرخ، ويسيء الظن بالطالب، باعتباره كائنا بليدا، يميل إلى الدعة والراحة. وبهذا الأسلوب تعلم العديد من الناس في أوطاننا، فيأتي الأب بطفله إلى المدرسة ويقابله مدير المدرسة والمعلمون بوجوه مكفهرة مستعرضين سطوتهم وقوتهم لقهر الشر والجهل في نفس الطفل. وهناك بالمقابل أسلوب آخر يعتمد على التفتيش عن أفضل ما لدى المتعلمين من بقايا التكريم، ومن سمات السمو والرقي وإثارة كوامن الذكاء والإبداع والاحتفاء بالمواهب وإظهارها، ومن خلال هذا الأسلوب الترغيبي، تظهر عبقرية المتعلمين. ومن خلال هذا الأسلوب استطاعت أمم أن تنهض وترتقي وترتاد مجاهل الكون وتكتشف كنوز المعارف، وتبتكر الحاسوب وتنفخ في الاقتصاد من روحها فتنعشه، ويصبح الناس في تلك البلدان مبدعين ومخترعين ومنجين وعلماء ومواطنين صالحين.
يعتمد الأسلوب الأول على سوء الظن المسبق بالطالب، وأنه كائن فطر على التمرد، والإخلاد إلى الدعة والراحة والتخفف من التكاليف وإهمال الواجبات. فهذا الأسلوب يتعامل مع الطفل من مدخل فجور النفس وغلوائها وشرها وبالتالي يمارس هذا الاتجاه القمع والترهيب والوعيد والعقاب اللفظي والبدني، وتطبيق الضوابط الصارمة وشحن عقل الطفل بتعليمات الكبار ومعاييرهم ونفخه بكل ما تعارف الناس عليه. وتكون نتيجة ذلك خروج أجيال كثيرة شبه أميين لا تتوفر لديهم مقومات المواطنة الصالحة التي تقوم على دعائم المفهوم الإيجابي للذات والثقة بالنفس، وتقدير الذات، والتحفيز الذاتي، والاعتماد على النفس، والضبط الذاتي، واستشعار الواجب، وحب الوطن، وتبجيل العمل، بدلا من تفقد أخطاء الآخرين، والنبش في عيوب المؤسسات والأفراد. تنتظر مخرجات هذا الاتجاه في طوابير الباحثين عن عمل. وتقبل بأي عمل، وتتجاهل متطلبات ذلك العمل، تفكر في أنانية، وتخاف من التجريب خشية الوقوع في الخطأ، وتخشى مجاهل المستقبل حتى لا تقع في المحظور، تمشي على استحياء، وتفتقد إلى الثقة بالذات، وبالتالي فهي لا تمنح الثقة لأحد لأنها لا تثق بنفسها أصلا. يعتمد المعلمون المطبقون لهذا الاتجاه على افتراض الغباء في الطالب، وبالتالي فهو يخوضون حرب وهمية مع كائن جاهل من وجهة نظرهم يستخدمون العقاب كخيار استراتيجي لتربية هذا الطالب وحمله على الطاعة والحفظ واستظهار المعلومات وممارسة التطبيقات والتدريبات والواجبات بحرفية. ويحتفي هذا الأسلوب بالطالب الذي يحصل على أعلى الدرجات في الاختبارات. يتسم المتفقون في هذا الأسلوب غالبا بالكبرياء وتصنيف الناس إلى أذكياء وأغبياء، خاملين ونشطين، إيجابيون وسلبيون، وهم على هذا النحو يخلقون مسطرة قاسية يقيسون عليها كل شيء في الحياة.
بينما يعتمد الأسلوب الثاني على حسن الظن بالطالب باعتباره أسمى كائن خلقه الله ونفخ فيه من روحه وأعطاه كل المقومات والطاقات لكي ينمو ويسمو ويبدع ويكون سعيدا ويسعد بلده ومجتمعه. يمنح هذا الأسلوب الأمان للطفل، ويحسن الظن به، ويبحث عن أفضل وأزكى القدرات والسمات والقيم لديه. ويتجلى دور المعلم المتبني لهذا الأسلوب في ابتكار الأساليب التربوية التي تحقق التوافق والألفة بينه وبين طلابه ثم يبدأ في تطبيق أساليب إبداعية للتعرف على قدرات كل طالب وتصميم أساليب واستراتيجيات تعتمد على الدافعية وإثارة المتعة والفضول للاكتشاف والتجريب. وبالصبر والحكمة والإخلاص يستطيع المعلم الوصول إلى حقل قدرات الطالب اللامحدودة، ويفتح لها الطريق لكي تخرج في أمان على شكل طاقات إبداعية وابتكارات وتفكير إيجابي، والبحث عن النتائج بدلا من البحث عن السلبيات.
يدرك المعلمون المطبقون لهذا الأسلوب أهمية توفير البيئة المدرسية الآمنة التي تمنح الأمان والتقدير والاحترام لكل طفل ولكل طالب بدون قيود أو شروط، ويؤمن المعلمون المنتمون لهذا الاتجاه أن كل طالب متميز بشكل أو آخر، وأن دورهم يكمن في الأخذ بيد كل طفل مهما كان ضعيفا أو خائفا أو مترددا حتى يصل إلى مستوى الأمان النفسي والبدني الذي يتيح له أن يتعلم ويجرب ويكتشف ويحاول بلا خوف أو تردد أو ارتباك.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى