الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ماذا دار في القمة السرية بموسكو؟!

ماذا دار في القمة السرية بموسكو؟!

محمد عبد الصادق

وصفت وسائل الإعلام الروسية القمة التي جمعت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكلٍّ من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وملك الأردن عبدالله الثاني وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بالإضافة إلى عدد من المسؤولين العرب رفيعي المستوى (لم تذكر الصحف أسماءهم ولا جنسياتهم) بـالقمة “السرية”, وسواء كان تواجد القادة العرب في موسكو صدفة غير مقصودة, أو كانت الزيارة معدًّا لها سلفًا, وبتنسيق مسبق ليتواجد القادة الثلاثة في نفس التوقيت للاجتماع مع الجانب الروسي, فالأهم من ذلك الملفات التي تم فتحها خلال القمة والنتائج التي أسفرت عنها هذه اللقاءات الجديدة من نوعها؛ من حيث الشكل والطريقة التي تم الإعلان عنها, فباستثناء زيارة السيسي لموسكو التي سبق الإعلان عنها خلال زيارة رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيف للقاهرة لحضور افتتاح توسعة قناة السويس الجديدة, لم نعرف بأمر اجتماع القادة العرب في موسكو إلاّ قبل ساعات من التئام القمة.
ومن خلال ما ترشح من معلومات عقب انتهاء القمة؛ وضح أن الأزمة السورية ومكافحة إرهاب تنظيم داعش؛ كانا الملفين الأكثر إلحاحًا على جدول أعمال القمة، مرورًا بالقضية الفلسطينية والوضع في العراق واليمن, ووضح أن القمة لم تتطرق من قريب أو بعيد للعلاقات الإيرانية ـ العربية ولا للاتفاق النووي الإيراني مع الغرب, ولا الدور الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن لعدم اقتناع الزعماء العرب الثلاثة بخطورة إيران على الأوضاع في المنطقة, فضلًا عن الطبيعة المدنية لقادة الدول العربية المشاركة في القمة, والذين لهم مواقف متشابهة من الجماعات والتنظيمات المتطرفة, ويرفضون وجود نشاط أو بيئة حاضنة للإسلام السياسي بجميع أنواعه في بلادهم.
وأوضحت صحيفة “برافدا” الروسية أن بوتين حاول خلال القمة تحويل انتباه القادة العرب من الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد إلى القضاء على “الخلافة الإسلامية” المزعومة التي يرفع لواءها تنظيم “داعش” الإرهابي من خلال وجوده في سوريا والعراق وليبيا واليمن وأجزاء من شبه جزيرة سيناء, وحاول بوتين إقناع القادة العرب برؤيته المتعلقة بتكوين تحالف عالمي واسع لمواجهة تنظيم “داعش”, والذي يعتبره الروس خطرًا يهدد العالم شرقه وغربه.
وأكد بوتين موقفه الداعم لسوريا والرئيس بشار الأسد, وطالب في حضور الزعماء العرب, بضم سوريا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب والتصدي لمساعي التنظيمات الراديكالية وعلى رأسها “داعش”, وقال بوتين في المؤتمر الصحفي الذي عقده برفقة الرئيس المصري عقب انتهاء القمة: “لدينا مواقف متطابقة فيما يخص ضرورة تكثيف الجهود لمكافحة الإرهاب الدولي, وهي مهمة تزداد أهميتها نظرًا للمساعي العدوانية التي تبديها التنظيمات الراديكالية”.
وكان موقف السيسي حذرًا إلى حد كبير من الأزمة السورية, نظرًا لحساسية الموقف المصري الذي يرتبط بعلاقات قوية بدول عربية تناصب “النظام” السوري العداء، وترى أنه لا مكان للأسد في أي تسوية قادمة للأزمة السورية. وأشار السيسي في كلمته بالمؤتمر الصحفي الذي جمعه ببوتين عقب القمة إلى ضرورة تحقيق تسوية سياسية للأزمة السورية وفق وثيقة جنيف ولم يحدد نوع الوثيقة (جنيف الأولى أم الثانية), ودعا لتكثيف التشاور والتعاون مع الجانب الروسي لإيجاد حلول جذرية للأزمات في المنطقة العربية بشكل يضمن وحدة وسلامة أراضي دولها، واستعادة أمنها واستقرارها، دون أن يفصح عن موقفه من الرئيس السوري بشار الأسد.
والعداء بين روسيا والتنظيمات المتطرفة وعلى رأسها “داعش” له أسباب حقيقية وجذور عميقة, تعود لأيام الاتحاد السوفييتي السابق وحربه الطويلة مع الجماعات المتشددة في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي, ثم الحرب الشيشانية بين عامي 1994و1996م, والتي انتهت بتوقيع معاهدة سلام بين الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين والقادة الشيشان, بعد معارك شرسة قتل فيها الآلاف من الطرفين وخلفت دمارًا هائلًا للمدن والقرى الحدودية بين الجانبين، وكان من نتيجتها إعلان استقلال شبه رسمي لجمهورية الشيشان.
وفي عهد بوتين استمر نشاط الجماعات الراديكالية المتطرفة داخل الحدود الروسية، ونفذت هجمات عديدة ضد محطات المترو والمرافق العامة في العاصمة والمدن الروسية, وبعد نشوب الحرب في سوريا, انضم مئات الشباب الروسي المسلم خصوصًا من الشيشان وداغستان وبعض الفتيات؛ للقتال في صفوف “داعش”, حتى أن السفير الروسي في دمشق أنشأ غرفة عمليات, وخطًّا ساخنًا لمساعدة أهالي هؤلاء الشباب في الوصول لأية معلومات عن أبنائهم المنضمين للقتال مع “داعش” في سوريا والعراق, وتحظى هذه القضية باهتمام أجهزة الأمن والمؤسسات الاجتماعية الروسية التي تريد معرفة سر افتتان هؤلاء الشباب بالتنظيمات الإرهابية, وكيف نجحت تلك التنظيمات في تجنيد أكثر من 1700 شاب روسي للقتال في صفوفها في 2014م.
ويقود الرئيس بوتين بنفسه جهود الحكومة الروسية لمواجهة التنظيمات والأفكار المتشددة, والتي يرى بعض خبراء الاجتماع الروس أن سببها انسداد الأفق أمام الشباب خاصة في شمال القوقاز الروسي؛ حيث البطالة تصل إلى 80%, وعجز الدولة عن توفير البيئة والإمكانيات الملائمة لتعبير هؤلاء الشباب عن أنفسهم بحرية, والمشاركة في صياغة مستقبل مجتمعاتهم سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا, بجانب انتشار الفقر في كثير من المناطق الروسية، وتراجع المستوى الاقتصادي لقطاع كبير من المجتمع الروسي جراء تراجع أسعار النفط وانهيار العملة الروسية (في دولة يمثل النفط الخام نسبة 65% من عوائد صادراتها), فضلًا عن تفشي الفساد وازدياد الهوة بين الأغنياء والفقراء في بلد عاش 70 عامًا في ظل نظام اشتراكي صارم يساوي بين الطبقات في الحقوق والواجبات أيام الاتحاد السوفييتي قبل تفككه على يد جورباتشوف في 1990م.
الرؤية الروسية لظاهرة انضمام الشباب لـ”داعش” تتطابق إلى حد كبير مع التحليلات والعبارات التي يرددها علماء النفس والاجتماع العرب عند الحديث عن ظاهرة التطرف والإرهاب في الدول العربية, لا سيما ما يتعلق بمعاناة الشباب من التهميش وانسداد الأفق وانعدام الفرص، والدعوة المتكررة إلى تمكين الشباب من أجل المساهمة في بناء مجتمعاتهم, بدلًا من الهروب إلى العنف والتطرف, والاستثمار في صناعة الأمل والمستقبل, بدلًا من الذهاب للانتحار والموت. ولعل هذا يفسر حرص الرئيس الروسي على تمتين علاقات روسيا بالدول العربية التي تقف معه بخندق واحد في مواجهة التطرف والإرهاب.

إلى الأعلى