الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / محنة الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط

محنة الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط

أ.د. محمد الدعمي

أستبني افتراضيتي الأساس لهذه المقالة على ما تناقلته بعض وسائل الإعلام الأميركية من رصد وتقارير عن أنشطة وأحوال الأقليات المسيحية المستقرة في الولايات المتحدة والقادمة أصلًا من دول الشرق الأوسط، كالأقليتين الآشورية والكلدانية. وملخصها هو عد هذه الأقليات الولايات المتحدة “أرض الميعاد” على منوال عد الأقليات اليهودية عبر الشرق الأوسط إسرائيل “أرضًا لميعاد” شعب الله المختار، حسب تقليدهم نصف الديني ونصف الأسطوري العتيق.
وأصل محنة الأقليات المسيحية يرجع إلى ليلة سقوط الإمبراطورية العثمانية (الرجل المريض) التي تركت الإقليم الشاسع بين البحر المتوسط وإيران “خواء قوة”، ليستلمه كل من السيد سايكس (وزير خارجية بريطانيا) والسيد بيكو (وزير خارجية فرنسا) حقبة ذاك، مقطعين أوصال هذا الإقليم المترامي والمتنوع الأعراق، بنفس الطريقة التي تقطع بها أوصال الذبائح قبل تجهيزها للتسويق. وتأسيسًا على مصلحتي هاتين الإمبراطوريتين تأسست دول الشرق الأوسط القائمة اليوم على أطلال النظام العثماني الزائل.
وإذا كانت “إسرائيل” واحدة من معطيات هذا التغير التاريخي الجذري، بفضل ما يسمى بـ”وعد بالفور”، حيث اتجهت الأقليات اليهودية العراقية والمصرية والسورية، من بين سواها للاستقرار في فلسطين، فإن الأقليات المسيحية لم تحظَ بكيان سياسي خاص بها كي تندفع إليه، كما فعل العبرانيون.
فجأة، وجدت هذه الأقليات الإثنية والدينية القديمة نفسها طي دول قامت على أنقاض الدولة العثمانية الميتة، ومنها العراق ولبنان وسوريا والأردن، أي الدول التي اصطنعتها اتفاقية “سايكس بيكو” لتدمج في “زي موحد”، سمي “النظام العربي المشترك” في محاولة بريطانية لتلبية وعودها إلى الشريف حسين بعد أن نكثت بها، بتأسيس مملكة عربية له ولأبنائه عبر المشرق العربي.
وهكذا استيقظت قيادات المسيحية صباح ذات يوم لتجد نفسها وقد دمجت في بنى شعوب ذات أغلبيات سكانية مسلمة، بمعنى أنها وجدت نفسها “مغتربة” في العراق وبلاد الشام، أي سوريا والأردن، الأمر الذي حدا بها إلى التفكير بمستقبلها وبإمكانيات إيجاد “مهادات” اجتماعية تتيح لها حرية الدين وممارسة العادات والتقاليد القومية، ليس كأقليات “مجهرية” تحظى بنظرة شبه دونية من قبل الأغلبيات العربية والمسلمة، نظرًا لأن مصالح الإمبراطوريتين البائدتين البريطانية والفرنسية لم تستجب لتطلعات هذه الأقليات.
وإذا كانت الأقليات الموسوية قد وجدت ضالتها في إسرائيل، فإن قيادات الأقليات المسيحية (رجال كنيسة وأثرياء) قد وجدت ضالتها في أميركا الشمالية، في الولايات المتحدة خاصة. وهكذا انطلقت هجراتها التدريجية غربًا إلى الولايات المتحدة، بحثًا عن بيئات اجتماعية لا تخصها بنظرة دونية بسبب أعراقها ودياناتها. وبحسب عملية نقل سكاني تدريجي تمت النقلة شبه الكاملة لهذه الأقليات دون أن تشعر بها حكومات الدول المعنية في الشرق الأوسط.
وباعتبار عد هذه الأقليات أميركا مكافئًا لإسرائيل بالنسبة للأقليات العبرية، أرضًا للميعاد، راح المهاجرون النصارى من دول الشرق الأوسط الفتية يعدون لحظة أن تطأ أقدامهم “العالم الجديد”، شيئًا من ولادة جديدة. لذا يلاحظ أمثالي من المتابعين والنقاد الاجتماعيين أن هؤلاء المهاجرين يعمدون إلى تغيير أسمائهم العربية الأصل إلى أسماء إنجليزية أو آرية أو دينية مسيحية. وهكذا يتحول يوسف إلى “جوزيف” وكامل إلى “كيني” وجميلة إلى “جريس” وزهرة إلى “روز” وسعاد إلى “ميري”، وهلم جرا. بل إن عملية تغيير الأسماء الأولى سرعان ما امتدت إلى أسماء العوائل، إذ تحول النجار إلى “كاربنتر”، والحداد إلى “سميث” والفلاح إلى “فارمر”، وهكذا اعتمادًا على قوة وعمق الشرخ النفسي الذي تستشعره الأسرة المسيحية المهاجرة إلى “العالم الجديد”.
وهكذا تم تدوير الشرخ النفسي الأصل، ليعاد إنتاجه من العراق مثلًا إلى أميركا، متناسلًا ومتكاثرًا على نحو لا نهائي.

إلى الأعلى