الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صرخات ضمير وطني

صرخات ضمير وطني

كاظم الموسوي

من تابع الشعارات التي رفعتها الجماهير في بداية التظاهرات في المدن والساحات العراقية لاحظ أنها صرخات ضمير وطني، صَبَر وتحمل الكثير من أجل الوطن والشعب، ولكن السلطات والأفراد ومن رغب أن يكون في واجهة المشهد السياسي في العملية السياسية التي جاءت بعد غزو واحتلال العراق عام 2003 أو بعد ما حصل فيها من متغيرات، لم تبذل جهدا لتوفي بالحدود الدنيا من المتطلبات الضرورية للشعب، من أمن وأمان وخدمات أساسية ورئيسية، في بلد ثري في كل المستويات والأصعدة، ماديا وبشريا، وتركت لخطط المستعمر الامبريالي سهولة التنفيذ عمليا رغم موجات المقاومة الشعبية والرفض الوطني لها. وأثبتت الأحداث والوقائع تمكّن الامبريالية من النجاح في تمرير أجزاء واسعة من مشاريعها العدوانية، وأهمها عندها نهب الثروات وإشغال الشعب العراقي في صراعات أهلية بين رموز أو بعض فئات مكوناته، وإغراء بعضها وقابلية أخرى للتخادم معه وتشكيل طبقته التي تعبر عنه صراحة وعلى مختلف الصعد، أو تعمل بديلا عنه في التخريب والتدمير اليومي الحاصل في العراق، تاركين أغلبية الشعب، بكل مكوناته، في حالة لا تحسد عليها، وليس بعيدا عنها تسليم مدن كاملة لتنظيمات إرهابية والتفرج على نتائجها. الأمر الذي بلغت فيه الأوضاع إلى ما فجر التظاهرات الواسعة في أغلب المدن والساحات العامة فيها، خاصة ساحة التحرير ببغداد.
بعد تجارب كثيرة لشعوب التحرر الوطني في العالم، تبدأ الثورات الشعبية الكبيرة من شرر متموجة من التظاهر والاعتصام، إلى العصيان والمواجهات، إلى الانتفاضة السلمية أو العنفية، وصولا إلى الانتفاضة المسلحة وانحياز القوى المسلحة إلى الشعب وتحقيق الثورة والانتصار. وإذا كانت صورة التظاهرات في العراق وخلال الأسابيع الماضية بدأت هكذا في احتجاجات سلمية لساعات محددة، وفي ظروف مناخية ليست يسيرة في كل الأحوال، ورفعت شعارات معبرة ومطلبية في أغلبها وبعناوين واضحة ولغة بسيطة، وحتى بأخطاء إملائية أو نحوية، ولكنها تعبير عن البدايات، الإرهاصات، ودقات جرس إنذار، أو القول .. لا عذر بعد لمن أُنذر؟
الشعارات المرفوعة أو التي رُددت تكاد تكون متقاربة أو متشابهة في أغلب التظاهرات، أو المشتركة فيها، أكدت على مطالب أساسية مشروعة، أعلنت الرئاسات الثلاث وأعضاء البرلمان مباشرة تأييدها وإصدار حزم إصلاحات، وإجراءات كثيرة ولكنها لحد اليوم بقيت أشبه بكلمات معسولة أو شعارات لامتصاص الغضب، والالتفاف على روح الاحتجاج، وتبقى في انتظار التطبيق العملي وتوفير المتطلبات بآجال قريبة، وتواريخ محددة، تكشف مصداقية الإجراءات وروح التفكير بها. وسبقتها المرجعية الدينية في الإشارة إليها ودعمها. وهي في كل الأحوال متطلبات ضرورية لا يمكن السكوت عليها أو التغاضي عنها.
طبعا أغلب الشعارات عبرت عن وعي القوى الوطنية الشعبية وبلوغه درجة الغليان، ورغم ذلك ظلت إلى حد الآن في ارتفاع أبعد من الخدمات المعدومة، والنقص الفادح فيها. وقد رفع رجل مقعد وهو في عربته الطبية لوحة تقول: اليوم مظاهرة، غدا ـ عصيان، وبعدها ـ انتفاضة. وتكررت هذه اللوحة في أغلب التظاهرات. وكذلك لافتة تقول: للصبر حدود. وكانت الصرخات تؤكد على ضرورة توفير الخدمات الأساسية، الكهرباء والماء والدواء. وهي كما تبدو قضايا بسيطة جدا إلا أن الفساد الرهيب الذي مارسه المسؤولون عنها أضعف توفيرها وقلل منها أو توقف عنها. وهذا في العراق، مهما كانت ظروفه وأوضاعه الاقتصادية، وتأثره بالأزمة الاقتصادية التي قادتها الإدارة الأميركية ونفذتها أدواتها في المنطقة، لا سيما في خفض أسعار النفط، المصدر الرئيس لميزانية أغلب البلدان، ومنها العراق بالذات. فكانت صورة الشعارات حول الكهرباء والماء خصوصا في رفع نعوش والكتابة عليها جماهير المدينة المعينة ينعون لكم الفقيد الكهرباء أو الماء وبقية الخدمات. كما حوّل المتظاهرون بعض الأغاني الشعبية المعروفة إلى شعارات مطلبية ونقد سياسي صريح للإدارات السياسية العاملة أو الراغبة في الوقوف في الواجهة السياسية. ومثلا أغنية عمي يا بياع الورد، تحولت: (عمي يا بياع النفط… وين النفط… وين (أين)، صار الوضع موخوش وضع … والريحة فاحت، فاحت. وين الغذاء… وين النفط… وين الكهرباء…. الحصة راحت… راحت). وكذلك: فوك داعش والبلاء.. انوب ماكو كهرباء. (فوق داعش والبلاء.. ياتي انعدام الكهرباء). ووصفت شعارات كثيرة الفساد والمفسدين، باللصوص و”الحرامية”، ولا سيما من الذين يدّعون الحديث باسم الدين والتدين السياسي. وحذرت التظاهرات من غضب الشعب، ونفاد الصبر، واللف والدوران وتهريب الفاسدين والسكوت عن الجرائم التي ارتكبت أو تمرير منظمي أو مجرمي التخريب والتدمير والتبذير، وبالتالي ما أوصل العراق إلى ما عليه الآن. حيث انتهت الحجج والذرائع، وتعقدت صورة المشهد السياسي والاقتصادي، وبدأت تتسابق جهات كثيرة للاستفادة أيضا من ما يطلق عليه الآن بحزم الإصلاح أو المطالبة بالمحاسبة والمحاكمة والتنكر لأدوار مسجلة ومثبتة وحقائق لم تعد مخفية او سرية، لا سيما وأرض البلد موزعة عمليا والصراعات داخلها قائمة والمشاريع والمخططات تحرث في مجاريها في رسم خريطة جديدة لأرض الواقع الحالي، واستغلال ظروف العراق أيضا.
تتطلب الشعارات التي رفعت وما عبرت عنه، العمل على تنفيذها بوقت سريع ملائم لها، لإثبات صدق النوايا وأساليب المعالجة الصحيحة والإخلاص والإنقاذ الوطني. وبالتأكيد لا تبقى في تلك الحدود إذا لم تتحقق أو تنجز أغلبها في الأوقات القريبة، وكذلك العمل على موازاتها مع تهديدات الإرهاب والاحتلال العملي لمحافظات كاملة، ومناورات استعمارية ورجعية تعمل هي الأخرى على إعاقة الإصلاح والتغيير، إضافة إلى التدخلات والتداخلات الكثيرة، المشرئبة برؤوسها في أكثر من زاوية في البلاد.
تظل مسألة لا بد من الانتباه لها تتعلق بوسائل الإعلام وما تبثه وما تنشره، وحرية التعبير والالتزام بالمهنية والموضوعية في الحدث العراقي، إذ إن جهات كثيرة، خارجية أغلبها ولها امتداداتها طبعا، تلعب أدوارا خطيرة في تشويه معاني الاحتجاج والحراك الشعبي، وتستثمره فرصة لانتشارها على حساب المصالح الوطنية والإرادة الشعبية. وتكشف عن نواياها السوداء التي تتربص بالعراق وشعبه ودوره ومواقفه الوطنية والقومية.

إلى الأعلى