الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / قصة مدينتين..

قصة مدينتين..

المدينتان تقعان في دولة واحدة، ولكن على ساحلين مختلفين، وليسا مثل مدينتي تشارلز ديكينز، الروائي الإنجليزي الشهير، والذي وزع مدينتيه “باريس ولندن” على دولتين يفصلهما “المانش”، فرنسا وإنجلترا، تتقاطعان بفواصل الجغرافيا والتاريخ واللغة وطبائع الناس، وصف ديكينز من خلالهما عبر تلك الأسطورة “قصة مدينتين”، متناقضات الثورة والحب وشهوة الانتقام والفوضى التي تخلقها عهود الاستبداد والقهر.
تيانجين وهونج كونج مدينتان صينيتان، جمع بينهما خلال أيام حادثان منفصلان، فقد صحت “تيانجين” وهي من كبريات المدن الصناعية الصينية على وقع انفجارات في مخازن الكيماويات في الرصيف الرئيسي للميناء، انتقلت الانفجارات والحرائق من الميناء إلى عدد من الساحات والمخازن المجاورة حتى وصلت للشوارع والمناطق السكنية المحيطة، استدعى الأمر إخلاء واسعا لآلاف السكان، واستدعاء فرق إغاثة من خارج المدينة، ومسح بيئي دقيق لمستويات التلوث في المدينة والتي وصلت لمعدلات غير مسبوقة بحسب البيانات الحكومية التي تراجعت عنها الجهات الرسمية لاحقا، وأطلقت معها أزواجا من الأرانب والحمام والدجاج، للتدليل على عدم وجود موانع لعودة السكان إلى منازلهم!
تلك المناشدات التي أطلقتها السلطات للعودة إلى المنازل لم تلقَ ترحيبا من السكان المهجرين، وشهدت المدينة عددا من الوقفات الاحتجاجية المطالبة بكشف الحقائق حول الحادث، والإعلان عن الأرقام الحقيقية عن الضحايا والخسائر التي تسببت فيها التفجيرات، الوفيات والمفقودين ونسب التلوث والمتسببين، كل هذه الأمور رأى المحتجون أنها “حقوق”، وجب على السلطة عرضها، وتحت الضغط الشعبي أعلنت السلطات عن بدء التحقيق حول ملابسات الحادث، والتعهد بتقديم تقرير مفصل وشفاف حول التلوث الناجم عن التفجيرات.
وفي إعلان أولي عن الضالعين، تورط عدد من المسؤولين النافذين، اعتقل بعضهم فيما هرب آخرون، وعلى وقع التقارير الصحافية والتي اخترقت حاجز الصمت والتكتم، لمعت في سماء الأحداث أسماء، وكان من اللافت الإعلان عن تورط نجل أحد القيادات الأمنية البارزة في عمليات فساد واسعة في تأسيس عدد الشركات تحت أسماء وهمية ودفع رشاوى للتغاضي عن اشتراطات الأمن والسلامة المطلوب توافرها لتأمين تلك المخازن، وبمرور الوقت ومع تسارع الأحداث، يمتلئ كشف الأسماء بمزيد من أبناء وأقارب مسؤولين نافذين آخرين.
وهنا تأتي التساؤلات، فهذه “اللقطة” لم تكن الأولى، من آن لآخر تظهر على سطح حياتنا حوادث مماثلة، يكتشف الناس بعدها حقائق مفزعة حول دهاليز الحكم والسلطة، للأسف ولا يتم الكشف عنها إلا بعد وقوع “كارثة” يدفع ثمنها أبرياء يقتلون ويشردون، تبتلعهم البحار بعبارات وقطارات الموت، بنزوات وأطماع أولاد الكبار، أو حتى انعدام كفاءتهم في مواقعهم القيادية، والتي تقلدوها بغفلات من الزمن.
تقف أجهزة الرقابة عاجزة أمام ضغوط المسؤولين محبة لأبنائهم وأحلام أبنائهم، فهم بشر غير البشر، تفتح لهم الأبواب مُحكمة الإغلاق، تمهد لهم الطرقات، تذلل لهم العقبات، تنسج حولهم الأساطير والحكايات، تتاح لهم كل الفرص, وغيرهم يعاني، يترك فريسة للإحباط والحاجة. ولكن اللافت أن هؤلاء “الكبار” دائما ما يطرحون رؤى مثالية وكاذبة حول تكافؤ الفرص وكراهية المحاباة، يخرج علينا أحدهم متباهيا بعدم تدخله في شؤون أبنائه، في وقت يتقلد الأبناء أرفع المناصب في أكثر المواقع حيوية.
منا هنا تأتي الهزائم، ومن هنا يأتي اليأس الذي يأكل القلوب ويحطم النفوس، مع غياب العدالة، وتقيد أجهزة الرقابة والمحاسبة أمام “الحيتان” وأبنائهم، يقف بقية الناس في العراء، يشاهدون من هم أدنى منهم في التعليم والثقافة يصعدون إلى قمم النفوذ والسلطة والمال، بنفوذ الآباء وسلطتهم.
تضعنا تحقيقات كارثة “تيانجين” أمام حقائق مفزعة حول فساد متغلغل تغذيه ذمم خربة وضمائر معطوبة تجتاح دولا ونطاقات جغرافية، يراها الناس في معاشهم اليومي، وفي قدور أطعمتهم، تتعالى التحذيرات من انفجارات قد تطول مجتمعات وتعصف باستقرار أمم، ولا مجيب.
بعيدا عن “تيانجين” وفي نفس توقيت التفجيرات، شهدت هونج كونج وقائع أخرى أقل سخونة، ولكنها أكثر ألما، تطارد سلطات المدينة مجموعة من الطلاب بتهم التحريض على التظاهر للمطالبة بمزيد من الإصلاحات السياسية، وتوسيع صلاحيات الحكم الذاتي الممنوحة للمدينة. وهي التظاهرات التي مر عليها أكثر من عام وقابلتها السلطات بحملة اعتقالات ومطاردات غير مسبوقة، انتهت بإعلان منظمي الاحتجاجات التراجع عن الحراك، أمام قساوة المواجهة، وعلى وقع حملات التحريض المستعرة، خشي بسببها الفتية على سلامتهم الشخصية فآثروا الانسحاب، إلا أن هذا الانسحاب لم يشفع لهم، فطاردتهم السلطة على فعل أعلنوا توبتهم عنه، وبقوا مهددين بالملاحقات القضائية، سيفا مسلطا على حرياتهم.
جمع بين المدينتين مظلة سلطوية واحدة، إلا أن الأحلام والتطلعات افترقتا، ما بين فتية آمنوا بالحريات العامة وأملوا في مستقبل أفضل تسوده قيم التشاركية والعدالة والمساواة، تجرعوا بسببها آلام الهزيمة والقهر والخوف، وآخرين ولدوا والفرص معلقة في عقابهم، دونما استحقاق معتبر أو إنجاز دافع، فقط لأنهم “أبناء العاملين”!

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى