الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “جغرافية عمان في العصور الإسلامية الوسطى” صورة واضحة لعمان دونتها أقلام الرحالة والمؤرخين

“جغرافية عمان في العصور الإسلامية الوسطى” صورة واضحة لعمان دونتها أقلام الرحالة والمؤرخين

أصدره المنتدى الأدبي للباحث أحمد العزيزي عام 2014

مسقط ـ (العمانية):
تناول كثير من الرحالة العرب جغرافية عمان بالوصف التفصيلي الدقيق، خلال العصور الإسلامية الوسطى وكشفوا عن مادة وفيرة لامتداد الجغرافيا والمدن العمانية بما تتضمنه من مبان عمرانية وزراعة وأودية وجبال وهي مادة تقدم صورة واضحة لعمان دونتها أقلام الرحالة
والمؤرخين.
ويمكن استقراء وصف الرحالة من الكتاب الصادر عن المنتدى الأدبي بوزارة التراث والثقافة عام 2014م، والذي تولت نشره مكتبة (الغبيراء) بولاية بهلاء للباحث أحمد بن عبدالله بن مسعود العزيزي، الذي تقصَّى وصف الرحالة العرب للجغرافيا العمانية، الوارد ذكرها في مؤلفاتهم، وهو جهد يجمع ما تناثر من تلك الأقوال والعبارات.
يتألف الكتاب من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، ويتضمن صوراً نادرة للخرائط الواردة في تلك المؤلفات، ويتناول الباحث في الفصل الأول سردا عن الجغرافيين والمؤرخين العرب الذين كتبوا عن عمان، وعددهم 21 مؤرخا، كابن خُرْدَاذْبُه، واليعقوبي والبلاذري والهمداني والأصطخري والمسعودي وابن حوقل والمقدسي والإدريسي والحموي وابن خلدون وغيرهم، ويتناول الباحث في الفصل الثاني من الكتاب الجغرافيا الطبيعية لعمان، متحدثا عن الأمم البائدة التي سكنت عمان والمعنى اللغوي لاسم عمان، وتعريف الجغرافيين والرحالة العرب لعمان وتحديد موقعها، كما يتحدث عن مناخ عمان كما ورد في تلك الكتب، وتحديد مساحتها وبعض
من الحيوانات والنباتات الوارد ذكرها.
وفي الفصل الثالث يتناول الباحث الجغرافيا البشرية لعمان، فيتحدث عن أهم المدن العمانية الشهيرة، كصحار ومسقط وقلهات ونزوى، وظفار ومرباط، ومدن أخرى عمانية ورد ذكرها في سياق حديثهم وتدويناتهم.
ويتناول الفصل الرابع والأخير من الكتاب الجغرافيا الاقتصادية لعمان، يسرد فيه الخراج والضرائب والعملة المستعملة، والأرطال والموازين، وحرف السكان والمواصلات والتجارة والبحرية، وكل هذه التفاصيل يستنبطها الباحث من مذكرات الرحالة والجغرافيين والمؤرخين الذين كتبوا عن عمان.
يقول الباحث “تكمن أهمية كتب المؤرخين الذين كتبوا عن عمان في العصورالإسلامية الوسطى، أنها تصور مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجوانب الطبيعية في تلك المناطق، مما يجعلها مصدراً مهماً للباحثين للرجوع إليها عند دراسة أي منطقة خلال تلك الفترات التاريخية الماضية”.
ويقول أيضا “من خلال هذه المؤلفات والكتابات عرفنا أن هناك حركة تجارية بين عمان والهند والصين وشرقي افريقيا، كما عرفنا تاريخ بعض المدن العمانية، بل وتعرفنا على جغرافية تلك البلدان، كل ذلك وغيره تكشفه لنا مثل تلك المؤلفات الثمينة، لذلك يجب أن يكون هناك اهتمام من قبل المؤرخين بتحقيق هذه المؤلفات ودراستها وتحليلها”.
ويضيف إن موضوع تاريخ عمان وجغرافيتها في العصور الإسلامية الوسطى، هو موضوع أغفله العديد من المؤرخين، وقد حاولت كشف بعض الحقائق عنه في ثنايا فصول الكتاب.
وفي تحليل الباحث عن أهم المدن العمانية الشهيرة الوارد ذكرها في كتب الرحالة العرب، فهي خمس مدن ساحلية وهي صحار ومسقط وقلهات وظفار ومرباط، وأخرى غير ساحلية ومنها نزوى، أما مدينة صحار الواقعة في محافظة شمال الباطنة وصفها أبو اسحاق ابراهيم بن محمد الاصطخري (ت: 951م) بقوله: “وأما قصبة بلاد عمان فيه صحار، وتقع على البحر، وبها متاجر البحر، وتقصدها المراكب وهي أعمر مدينة بعمان، وأكثرها مالا، ولا تكاد تعرف على ساحل البحر بجميع بلاد الإسلام مدينة أكثر مالا من صحار.
ويصفها شمس الدين المقدسي (ت: 1000م) بقوله “صحار قصبة عمان، ليس على بحر الصين اليوم بلد أجل منه، عامر أهله، حسن طيب نزه، ذو يسار وتجار وفواكه وخيرات” ووصف أسواقها بأنها عجيبة وبلدة طريفة، ممتدة على البحر، ويصف الهندسة المعمارية للمدينة بقوله: “دورهم من الآجر والساج، شاهقة نفيسة، والجامع على البحر، له منارة حسنة طويلة في آخر الأسواق، ولهم آبار عذبة وقناة حلوة، ويعني الأفلاج، وهم في سعة من كل شيء، دهليز الصين وخزانة الشرق ومغوثة اليمن، المصلى وسط النخيل، ومسجد صحار على نصف فرسخ، قد بني أحسن بناء، وهواؤه طيب من القصبة، ومحراب الجامع بلولب يدور، ترساه مرة أصفر ومرة أخضر، وحينا أحمر”.
وكان لمدينة مسقط حظ كبير في كتابات الرحالة، فقد وصفها المسعودي (ت: 957م)، بقوله : أرباب المراكب يستقون الماء من آبار عذبة ـ تقع على مسافة 50 فرسخا ـ ويصف عبدالله بن عبدالعزيز البكري الأندلسي (ت: 1094م) مسقط بقوله: بانها مجمع المراكب التي تخرج من صحار، فيما يحدد الإدريسي (ت: 1169م) المسافة بين صحار ومسقط بـ 450 ميلا.
ويذكر ابن المجاور يوسف بن يعقوب الدمشقي (ت: 1291م) بأن مدينة مسقط كانت منطقة تجميع السلع، حيث إن السفن تحمل منها كل صنوف السلع المختلفة في طريقها إلى بلاد كرمان وسجستان، وكانت تلك السلع تتفرق في بلاد خراسان .. وغيرها.
ونظراً للأهمية التجارية لمدينة قلهات في قديم الزمان، فقد كانت (فرضة عمان)، بمعنى أنها محط سفن عمان، وملتقى السفن القادمة من الهند والصين واليمن والخليج العربي بعد مدينة صحار، حيث يصف الأدريسي (ت: 1169م) مدينتي صور وقلهات بقوله : ومن بلاد عمان مدينتا صور وقلهات، وهما على ضفة البحر، وهما مدينتان صغيرتان لكنهما عامرتان، وشربهما من الآبار، وتشتهر سواحل قلهات وصور بوجود اللؤلؤ، وبين صور وقلهات مرحلة كبيرة.
ويصفها ياقوت الحموي (ت: 1228م) بقوله: “قلهات مدينة بعمان، على ساحل البحر، إليها ترفأ أكثر سفن الهند، وهي الآن فرضة لتلك البلاد، ، عامرة أهلها، وليست بالقديمة في العمارة، وهذا يدل على أنها حديثة البناء، ولا أظنها تمهدت إلى بعد 500 هـ .. الخ”.
ومن بين المدن الداخلية التي ذكرت في كتب الرحالة العرب مدينة نزوى، نظرا لمركزيتها السياسية، ويرى الباحث أن اهتمام الرحالة بها قليل بسبب بعدها عن الساحل، فالبكري (ت: 1094م)، يصفها بقوله: تقع في جبال عمان الداخلية، وهي أكبر من مدينة صحار، وتشتمل على عدة قرى كبار يسمى مجموعها بهذا الاسم، وبنيانهم من الطين، وشربهم من الأنهار والآبار.
ويقول أيضا: يعمل بنزوى صنف من الثياب منمقة بالحرير، جيدة فائقة، لا يعمل في شيء من بلاد العرب مثلها.
وعندما زار ابن بطوطة عمان (ت: 1358م) في عهد السلطان النبهاني أبو محمد بن نبهان، فإنه زار مدينة نزوى، وكتب عنها ووصف أهلها وعاداتهم، يقول ابن بطوطة: “ووصلنا إلى قاعدة هذه البلاد – أي عمان – وهي مدينة نزوى، مدينة في سفح جبل، تحف بها البساتين والأنهار، ولها أسواق حسنة ومساجد، وعادة أهلها أنهم يأكلون في صحون المساجد، ويأتي كل إنسان بما عنده، ويجتمعون للأكل في صحن المسجد، ويأكل معهم الوارد والصادر، ولهم نجد وشجاعة.. الخ.
أما مدينة ظفار فقد ورد ذكرها في كتابات المؤرخين من أمثال ياقوت الحموي وابن سعيد المغربي، مفرقين بينها وبين ظفار التي في اليمن، حيث يقول الحموي: ظفار مدينة على ساحل بحر الهند – بحر العرب – بينها وبين مرباط خمسة فراسخ.. إلخ.
ويضيف الحموي: حدَّث رجل من أهل مرباط أن مرباط بها المرسى، وظفار لا مرسى لها، وقال لي: إن اللبان لا يوجد في الدنيا إلا في جبال ظفار، وهو شجر ينبت في تلك المواقع مسيرة ثلاثة أيام في مثلها .. الخ.
أما ابن بطوطة فيصف مدينة ظفار وصفا لم يسبقه إليه أحد من الرحالة، حيث وصف سكانها وعاداتهم وطعامهم ووصف سلطانها وعاداته وصفاته بقوله: وركبنا البحر من كلو إلى مدينة ظفار، وهي على ساحل البحر الهندي، ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند.
ويضيف ابن بطوطة: وزرع أهلها الذرة، وهم يسقونها من آبار بعيدة الماء، وكيفية سقيهم أنهم يضعون دلوا كبيرا ويجعلون لها حبالا كثيرة.. الخ.
ويضيف أيضا: ولهم قمح يسمونه العلس، وهو في الحقيقة نوع من السلت، والأرز، يجلب إليهم من بلاد الهند، وهو أكثر طعامهم.
ويتحدث ابن بطوطة عن بعض العادات والتقاليد لسكان ظفار بقوله: من عاداتهم أنه إذا وصل مركب من الهند أو غيرها، خرجوا إلى الساحل وصعدوا في صنبوت – يقصد السنبوق وهو المركب الصغير – ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب، أو وكيله، أو للربان، وللكراني، وهو كاتب المركب، ويؤتى لهم ثلاثة أفراس فيركبونها، وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر إلى السلطان، فيسلمون على الوزير وأمير الجند، وتبعث الضيافة لكل من بالمركب ثلاثا، وبعد الثلاث يأكلون بدارالسلطان، وهم يفعلون ذلك استجلابا لأصحاب المركب.
أما مدينة مرباط فيصفها بعضها الرحالة العرب من أمثال ابن سعيد المغربي بأنها بلاد العنبر واللبان، فيما يصف الرحالة أبو الفدا (ت: 1331م) مدينة مرباط بأنها تقع على ساحل خليج ظفار، وينبت بجبالها شجر اللبان.
وفي خلاصة الكتاب يؤكد الباحث أحمد بن عبدالله العزيزي أن كتب الرحالة تعد مرجعاً لدراسة المدن والمناطق التي كتبوا عنها في مؤلفاتهم، وأن كتابات الرحالة والمؤرخين العرب عكست العديد من الحقائق التاريخية والجغرافية، وطبيعة الحياة في عمان في العصور الإسلامية الوسطى، التي لا تزال بحاجة إلى دراسة وتحقيق وتمحيص من قبل الباحثين. يقع الكتاب في 255 صفحة من الحجم المتوسط.

إلى الأعلى