الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ذات زمن .. لا يلقى فيه الميت كفنا

ذات زمن .. لا يلقى فيه الميت كفنا

علي عقلة عرسان

حمل الشخص المرهقُ طفليه النائمين، على كتفيه، بليل الليل الأسود من كحل العين، وسار يطرز أسرار الأسرار بحرف نهار، بشوق يلقف قرص الشمس، ليصنع بعض نهار.. ومشت خلفه زوجه، تضم رضيعًا إلى الصدر الجافِ، تمسك بيدٍ بعض الزاد، وبيدٍ طفلة سمراء اللون، بظفيرتين، وعينين دامعتين. ساروا ليلًا أليل، أطول، يطول، وأطول.. قطعوا مفازات الرعب، مفازةً بعد مفازة، بين ضفاف الوطن الموت وقصف الحاجة.. إعياءً كانوا، نفدَ الزادُ، وسجى الليل، وطال الليل، وطال، وطال، وصار الرعب وسادة.
همست سمراء اللون: “تعبتُ”، وقال الطفل الراعف فوق الكتف اليمنى للشخص الأب: “أبوي.. أريدُ الأرضَ”.. ومن في الأرض يطيق الأرض؟! ضج الدمع بعين الأم، الأب.. ولكن.. لات حين مناصٍ طلب الطفل، وسير الليل، تعبِ الليل، وجوع الليل، وخوف يملأ جوف الليل.
في الفجر الحالك، وصل الأشخاص الستة حوضَ الميناء.. رهوًا كان الماء، نديًا كان هواءُ البحر.. وفوق الماء بهاء.. سفينة نوح كانت ترسو فوق الماء، مثل نهار تُشرق، مثل رجاء بكرٍ، يصخب في كل الأرجاء.. والمركب ذو اللون العشبي، سفينة نوح العصر، بدا للمعروقين سماءً ذات بهاء، عرشًا يطفو فوق الماءِ، نجاةً من قهرٍ قد طالَ، وظلمٍ أعمى صال وجال، ورعبٍ ذي هول الأهوال..
حطَّ الشخص الأب ذويه فوق رصيف المينا، حلَّ حزامًا تحت ثيابه، قدَّم للرُّبان، لنوح العصر، فروضَ الطاعة، صُرَّة مال كانت “ثمن البيت، الحقل، الشجر، العمر، الوطن الـ.. الـ. تمتم، قال: أنصعد، بعد الأمر، بإذن الله، إلى ذا المركب؟! لم يسمع صوت الرّبان، كان يعدّ المال، وينظر يمنة يسرى، ينظر في الأوراق الخُضر، ويفحص، يفحص، يفحص.
بقي الشخص سُكوتًا، لونَ الخُضْرَين الراكد فوق الصخر على الميناء.. فاض الإعياء.. كمَدَ الوجه الصابر، صار الوجع الجامدُ مثل بقايا كَبِدٍ جفَّ من الإعياء. ما قال الرجل المالك عرش الماء، نوح العصر، كلامًا.. ما نظر نحو الركْب المتعب نظرة عطفٍ، ما أشرق في وجهه نور يرضي توق القلب إلى شيء من يسرٍ، من أمن، من وعدٍ ما.
مرَّ الوقت، تلاه الوقت.. قاسٍ جدًّا مرَّ الوقت..
أنهى الرُّبان مهمة عَدِّ المال، وقال بصوت الزاجر، صوت القدر القاهرِ: اركب.
ابتسم الكَمْدُ، فرِحَ الوجعُ بعين الطفل الجائع، ضحكت سمراء الوجه، وندَّ الدمعُ من العيني، عين الزوج وعين الزوجة.. صدرت عنها آهٌ حَرّى، مثل نشيش الماء على مقلاة.. آهٌ ليست كالآهِ المُرّة، آهِ العادة، المعتادة، آهِ الحسرة.. كانت آهًا من أعماق القلب، وسرّ عبادة.. قالت: شكرًا يا الله، شكرًا شكرًا يا الله.. زال الهمُّ.. ركبنا المركب. اجلس يا رجَّال، تعال، تعبتَ كثيرًا.. اجلس، اجلس.. فكَّ الله الأسرَ، ركبنا البحرَ، ركبنا المركب نحو الفرج الأكبر، وجب الشكر.. لله الشكر، نجونا، ونجى الأطفال بفضل الله.
قالت سمراء الوجه: وصلنا يا أماه؟! فافترَّ الثغرُ الناشف عما يشبه بسمة، قالت ذات الوجه الشاحب: لا.. لا يا سمراء، بدأنا الرحلة. قولي شكرًا يا الله.
وضعتْ سمراء الكفَّ الأعجف بجنب الكفِّ الأعجف، أبحر وجه في الأجواء بفيض رجاء، قالت: شكرًا يا الله، شكرًا شكرًا يا الله.
سطعتْ شمس اليوم الأول، ماجتْ نارُ الشمس، أصابتْ يافوخَ الطفل الغض بضربة شمس، فاضت روحٌ تحت الشمس، وغاب الفرح الآتي، بكت الزوة، وبكى الزوج.
غابت شمس اليوم الأول، والرُّبان يعدّ المال، يكدِّس فوجًا من أجسادِ رجالٍ فوق المركب، غصَّ المركب بالأشخاص، وبالآمال، وبالكلمات، وبالآهات. أرواحٌ فوق الماء تصيح تعبنا، هيا أبحر يا رُبان.. يا رُبان المركب أبحر، صرنا الصبر، وصرنا أكثر. صلصل صوت الربان كصوت الرعد: “سكوتًا”، لا صوت يمجُّ الحرف بهذا المركب، لا للشكوى، لا للآه.. إنا نصنع فجر حياة. إني الرُّبان أقول لكم، من باب أمان الله، وأمن الناس، وأمن المركب: “نبحر لما يأتي أمرٌ بالإبحار”.. هناك رجال تعمل، كلٌّ يعمل وفق أمان البحر، أمان الناس، أمان المركب. لا أسمع صوتًا بعد الآن، فكل يسكت، كلٌّ يخرس، أو فلينزل.. هذا باب البحر وسيعٌ، هيا فليبحر من لا يحتاج إلى المركب، من لا يحتاج إلى الرُّبان، وكلَّ أمان!؟
سكتَ الناس، ومرَّ الليلُ الأليلُ.. جاءت شمس اليوم الثاني أقسى من شمس اليوم الأول.. ماتت أنثى، كانت تخشى الموتَ بحيٍّ في الشّهباء، حلب، نتيجة قنصٍ، أو صاروخٍ، أو برميلٍ أعمى، أو زحفِ وباء.. ماتت علياء، من نقص غذاءٍ، نقصِ دواءٍ، نقصِ أمان، نقص رجاء، ماتت أيضًا من إعياد، ماتت علياء، وفوق الماء هسيس دعاء.. ارحم خلقك يا الله، سبحان الله.
صاح الرّبان: سنبحرُ بعد غياب الشمسِ، بعد عناء اليوم، عناء الأمسِ، سنبحر.. جاء الأمر، أمان الرحلة مثل سطوع الشمس، ولن نتأخر. هيا، هيا، كلٌّ يأخذ وضعًا يبقي فيه خلال الرحلة، كونوا الحذر بذاته، لا تجوال ولا ضوضاء. صاح البعض من الأحياء: أيا رُبان هنا أمواتٌ، لا أكفان، ولا إقبارٌ، ولا أضرحة للأموات.. هذا وضعٌ قد نفهمه ضمن المركب، لكن لا إضرار بنا الأحياء .. لا أمكنةَ للأموات حِذا الأحياء بهذا المركب. مات الطفلُ غداة الأمسِ، وحضنُ ذويه كان الرّمس، وماتت في المركب علياء، ويلْفُقُ عند البعض مصابٌ ثالث.. ماذ نفعل بالأموات من الأحباب من الأصحاب، أيا ربان المركب، والصيف يضاعف كل وباء؟! جاء الصوت الزاجر، مثل قضاء الله على الأحياء: بعد الإبحار سنلقي الطفل ونلقي علياء بجوف الماء.. البحر ضريحٌ أوسع.. لا أكفان، ولا أحضان، ولا أموات مع الأحياء بهذا المركب، الحي يفوق الميت عناية.. هذا أمر الله، أطيعوا أمر الله.
صمتَ الحشدُ، وفاضت روح الشخص الثالث.. بلغ الخوف، الحزن، مداه.
غابت شمس اليوم الثاني، شفقٌ لا أحلى في الغرب، زرقة لون الماء تحول رمادًا، لون البحر يصير ظلامًا، عين الناس بعين البحر، وعين البحر بعين النجم، وغيم غطي وجه النجم ووجه الماء.. فصار المشهد نثر هباء. همس الشخص الأب لزوجه: لا أرتاح لهذا الليل، ليل يحمل طعم الويل.. لا أرتاح لهذا الليل.. لا أرتاح لهذا المركب. قالت صنوق الحزن رجاء :”أمِّن بالله، هذا خير من ذبح الشاة، كما شفناه.. هذا أفضل من رعب الموت بكل دقيقة وقت، كل قذيفة حقدٍ.. هذا، إن شاء اللهُ، نجاة.
صمت الكون، ودارت عنفات المركب، مثل ذراع العَنْكَب.. سبح المركب عبر الماء.. الموج صراخٌ فجٌّ يضرب وجه الناس بكفِّ الماء، والغيمٌ سماء تحت سماء، والناس وجوه شحبٌ، كل الناس رجاء.
جاء الصوت الآمر، مثل الرعد القاصف، قاهر.. صوت الرُّبان: ألقوا الطفل بجوف الماء.. ذهولٌ هبَّ، وهبّ رجالٌ، صرخت أمٌّ، وبكت دمعًا فوق الماء، شخر الماء، ابتلع البحر الجثة. مرَّ الوقت بطيئًا جدًّا، قال الصوت الآمر: ألقوا علياء في الماء.. هبَّ رجالٌ، هزوا علياء الشهباء، “هيلا.. هوب”، غضب الموج، زأر الماء.. غابت في الماء العلياء.. ومر الوقت، ومرَّ الوقت.. نسي الرُّبان الميت الثالث.. صاح الناس، ببعض سؤال يخشى الرعد الآمر، صوت القاهر، حاكم أمر الناس: أيا الرٌّبان، هل نلقي الثالث في الماء؟! زأر الماء.. نسي الربان الصوت الآتي من حضن المركب، راح يدقق في الأجواء ويقرأ طِلَّسم الأنواء. ألقى الناس الجثة، صار المركب للأحياء، ولمن أنهكه الإعياء.. لبعض قذيف الماء، هجوم البحر على الأحياء، بقذف الماء.
قصفُ الرعد تميّزَ هذا الوقت، ببرق أشعل غيم الجو، أضاء وجوه الناس، وأرسل صوتًا هزَّ قلوب الناس.. فاضت شلالات الماء على الأحياد، .. يا للأحياء ويا للماء.. مطرٌ يدفق فوق الماء، وزحف هجوم الموج يصب الماء على الأحياء.. صار المركب حوض سباحة، يغطس أكثر، يرقص أكثر، يرجف أكثر، يبطئ أكثر، يغرق أكثر. صاح الرُّبان بصوت فيه الرعب: “فقدتُ أمان المركب”، يغرق هذا المركب.. فليقفز في الماء السباح، بطوق نجاة إن أمكن، هنالك طوق نجاة.. فلعلَّ الحِمل يخفُّ، ويطفو المركب. جَمُد الناس، لبعض الوقت غدا الأحياء بلا أنفاس.. ذهول عمَّ فضاء الكون، وصار الكل ذهولًا: أبكم، أعمى، أطرش.. من ذا يقفز؟! من ذا يفْغَر جوف الماء، ويغرق قبل الآخر؟! شدق الماء نيوب القرش، وجوف الماء قبور تترى.. من ذا يقفز في أشداق القرش، ليصبح وجبة حوت البحر الجائع.. من ذا، من ذا..؟! عاد الوعي قليلًا، صرخت أصوات ملء الكون، بكت سمراء الطفلة، كل نساء المركب غِضن بقلب الماء وفاض الماء.. كلٌّ يصرخ يا رباه، أنقذ خلقك يا رباه، “ما لنا غيرك يا الله…”.. طلبنا العيش وأمن العيش، فجاء الموت وجاء الخوف.. فارحم خلقك يا الله.
شدَّ الشخص حزام أمانٍ، أملك نفسه طوق نجاة، شدَّ الطفل إلى كتفيه، وأردف سمراء وراءه، صاحت زوجُه: لا.. لا تقفز، بعض المركب أبقى.. بعض الماء وفاة، بعض الماء حياة.. لا .. لا تفعل يا.. غابت حشرجة الصوت الدامع تحت الماء، ران الماء، مات رجاء الشخص بموت رجاء.. صار الماء دموعًا، حزنًا، يغسل وجه الماء.. شدَّ الشخص قواه ليسبح، لينقذ طفلًا، ينقذ طفلة، ينقذ بعض بقايا أهله.. قاوم زحفَ الموج، هجوم الموج، ولطم الموج.. أبحر يسعى، نحو بلاد غير بلاده، نحو فؤادٍ غير فؤاده.. أبحر ينشد أرضًا أخرى، غير تراب الشام اللاهب، ترب بلاده.. أرض الشام غدت نبَّاذَة، تنبذ كل بنيها، تسحق كل بنيها، تقتل كل بنيها.. كانت أرض الشام بلاده، كانت أرض سلام، أرض إخاءٍ، أرض رخاء، أرض عبادة.. صارت، صارت، صارت..؟! خمدَ الصوت، ركدَ الشخص، وأكمل كل الكون مراده، قول شفاهٍ كانت تكتب بعض شهادة:.. قال الكون الشخص، الشخص الكون: صارت بعض زفير جهنم، بعض وقود النار، هسيس النار، وبعض حريق يشعل نيرانًا وقادة.. يا الله صار البحر بلاده.. يا للبحر، ويا للبحر.. شغوف بالإنسان البحر، شغوف بالأحياء وبالأموات، وخدْن الموت البحر.. صار البحر بلاد الموت.. بلا أكفان للإنسان، بلا أضرحة في الأوطان، بلا آيات من قرآن.. صار البحر أمانَ الموت، بلاد فناء، أرض أمانْ. فيا للإنسان الإنسان، يا للإنسان السوري بهذا الزمن النحس البخس، زمن الوحش الإنسان، وطن الشيطان الظمآن.. حيث الموت أمان، والبحر ضريح رحب، وحيث الدفن بلا أكفان.. يا للإنسان.. الإنسان.. في وطن كان، وكان، وكان.. وكان من أحلى الأوطان.. وطن يعلو فيه ضجيج الموت، ويعلو فيه نشيد الأمل النشوان..

إلى الأعلى