الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. هل سيتحول الخريف إلى سياحة داخلية؟

العين الثالثة .. هل سيتحول الخريف إلى سياحة داخلية؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

يطرح تساؤل العنوان في ضوء معطيين مهمين، أحدهما داخلي والآخر خارجي. الأول: الإحصائية الرسمية عن عدد السياح والزوار لخريف ظفار، فقد كشفت ما يدلل على مؤشر التحول الفعلي لخريف ظفار من ثنائية الاستهداف السياحي المحلي والإقليمي إلى سيادة الطابع المحلي، فمن بين قرابة مليون سائح وزائر، منهم (74%) عمانيون؛ أي سياحة داخلية، لكنها سياحة رخيصة وشبه مجانية وربما مجانية، والنسبة المتبقية خليجية وعربية وأجنبية ـ والمجانية أو شبه مجانية سوف يكون لنا مع هذا النوع من السياحة مقال خاص ـ وسوف نجد نفسها النسبة مكررة من خريف 2014، وهذا يؤكد على مسار المؤشر. أما الثاني، فهو يكمن في قدرة دول خليجية كالإمارات وقطر والسعودية في جذب قسم مهم من السياحة العائلية الخليجية، فهل كان هذا على حساب النصيب السياحي السنوي لخريف ظفار؟ أم كان من حصة السياحة الإقليمية والدولية بسبب الحروب والتوترات الإقليمية وما يتعرض له السائح الخليجي من مضايقات أمنية في الغرب؟
في كلتا الحالتين سالفتي الذكر تكون الكرة في ملعبنا؛ لأننا لم نعمل على الحفاظ على حصتنا السياحية من جهة، ولا على زيادتها من جهة ثانية، ونظل دائما نراهن على المناخ والطبيعة الخضراء وحدهما كعوامل جذب سياحية في ظل بنية تحتية يتم تحديثها وتطويرها ببطء شديد، ولا يوحي كل شيء بوجود خطة سياحية تهدف إلى جعل محافظة ظفار أهم الوجهات السياحية للعائلات العربية بما فيها الخليجية. والغرابة ما تتحدث عنه المصادر الرسمية بالزيادة المطردة في عدد سياح وزوار خريف 2015؛ لأن هذه الزيادة لا تعبر عن المحتوى السياحي المستهدف اقتصاديا، وحتى إلا المقبول منه، كما أنها غير ملموسة رغم صحتها. صحيح من الأهمية الكبيرة تشجيع السياحة الداخلية لدواعٍ وطنية واجتماعية، لكن أن يكون ذلك بالتزامن أو التوازي مع جذب السياحية الخليجية العائلية، وهنا ينبغي التشديد على السياحة العائلية، وذلك لشروط التلازم والوجوب المشترك بين المكونات الاجتماعية والفكرية للدول الخليجية الست، ولو صنعنا هذا النوع من السياحة في بلادنا عامة ومحافظة ظفار خاصة فبدون شك سنصنع اقتصادا خريفيا بعائدات مالية كبيرة مما يكون له الأثر الإيجابي في انتعاش تجارتنا في ظل تدني أسعار النفط ، فماذا تريد العائلات الخليجية في فصل الصيف؟ هل فقط المناح المعتدل والرذاذ والضباب .. فقط؟ صحيح هو مطلب أساسي لها لكي تهرب من لهيب درجات الحراة في بلدانها والتي قد تصل إلى أكثر من (50) درجة، لكنه لن يشكل لها مطلبا أساسيا دائما، وإنما مؤقت، فزيارة مرتين أو ثلاثا متتالية قد يصل بها إلى التشبع، وفي حالات كثيرة يصل بها الأمر الضجر بسبب ظواهر الازدحام المروري .. فلا بد أن يكون هناك ما يدعم هذه المقومات السياحية الطبيعية، لو أردنا معرفتها، فعلينا أن نبحث في الأسباب التي تجعل من دول مثل الإمارات والسعودية وقطر مثلا تجذب قسما مهما وملموسا من السياحة الصيفية وتسجل انتعاشا اقتصاديا كبيرا في أيام الطقس الحار التي كانت تشهد ركودا في سنوات سابقة، لا بد من البحث في نجاح صيف جدة في استقطاب ما يزيد عن (1.5) مليون زائر وسائح. ومهرجان صيف قطر ما يزيد عن (100) ألف زائر وسائح أسبوعيا رغم عامل الحر الشديد، وهذا يعني أن الحر لن يشكل عرقلة سياحية، وإنما انطلاقة سياحية وانتعاش تجاري، بدليل نجاح تلك التجارب في الصيف الذي يتزامن مع خريفنا، وهذا يعني كذلك أن تلك الدول قد تمكنت من تغيير وجهة عدد كبير من العائلات الخليجية، فبدلا من السفر لقضاء إجازات الصيف في دول آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، تتجه حاليا لقضائها في دول الخليج، لكن هل هذا يكون على حساب حصتنا السياحية الصيفية؟ التساؤل لا يزال قائما، وكل من يسأل أصحاب الشقق والعمارات الفندقية وبعض الفنادق حول نسبة الأشغال فيها مقارنة بخريف 2014، يجيب دون تردد بوجود انخفاض ملموس .. ولما حاولنا أن نقارن بين إحصائيتي خريف 2015 وخريف 2014، وجدنا فيها تضاربا وعدم دقة، رغم انخفاض أعداد السياح الخليجيين، وبالذات الإماراتيون 2014، فهل استمر المنخفض في انخفاضه أم ارتفع؟ كما أن هناك شعورا اجتماعيا متناميا بانخفاض عدد السياح الخليجيين، وهذا ما يتقاطع مع جدلية التساؤل سالف الذكر. إذن، التساؤل لا يزال قائما، وأهمية التشديد عليه الآن تكمن في قلقنا من المنافسة الإقليمية، وبالذات الخليجية المقبلة في ضوء نجاحها خلال صيف 2015 خاصة بعد ما تم قهر الحر بمهرجانات مغرية للسياحة العائلية، كمهرجان جدة مثلا الذي قد نرى فيه تناغما وانسجاما مع بيئتنا الاجتماعية بحمولتها الفكرية، فهذا المهرجان مثل غيره من مهرجانات المنطقة قد صنعت اقتصادا جديدا سمي باقتصاد الصيف، ويصفه الخبراء بأنه ناجح بنجاح المهرجان، ونجاح المهرجانات تقف وراءه شركات كبيرة، حكومية وخاصة تقدم مختلف أنواع الترفيه للعائلات والعروض الترويجية.
وطرحنا لن يسحب أية نجاحات قديمة أو جديدة، وهي موجودة فعلا، كما أنه لن يقلل من الجهود المخلصة التي تبذل على مختلف الصعد، لكنه يركز هنا على السلبيات التي تعرقل السياحة الخريفية، وقد نجدها في وسائل الوصول إلى ظفار “برا وجوا”، وقد أوضحناها في مقال سابق، ونركز على النمطية الترفيهية للخريف، ونركز على ضعف وبطء تحديث البنية التحتية، ونركز على عشوائية عمليات الدعم اللوجستي التي تقدم للسياح كالمطاعم التي تديرها أيدٍ عاملة آسيوية … إلخ. إننا بعيدون عن المنافسة الإقليمية الحالية، فكيف بالمستقبلية خاصة في ضوء اتجاهات الخليج نحو تنويع بنية اقتصادها في ضوء تدني أسعار النفط، والسياحة أهم مصادرها البديلة، بدليل نجاح اقتصاد الصيف، فهل سيكون لنا رديف لهذا الاقتصاد، كأن يكون لنا اقتصاد الخريف، يدر على خزينة الدولة أموالا ينتفع منها البلاد والعباد؟ إذن، لا بد من إعادة شاملة “شكلا ومضمونا” للموسم السياحي لخريف محافظة ظفار، لكن كيف؟ هناك تتمة قريبا.

إلى الأعلى