الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف .. في المذكرات الأدبية

أصداف .. في المذكرات الأدبية

وليد الزبيدي

أعتقد أن كتاب “الطريق إلى جريكو” الذي كتبه المبدع اليوناني جازنتاكي من بين أفضل كتب المذكرات التي قرأتها، ربما لأنه الكتاب الذي رافقني في سفري وإقامتي في بريطانيا بداية ثمانينات القرن الماضي إلى جانب ديوان الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، وربما لأنني كنت أجد فيه من تفاصيل حياتية شاملة لم أعثر على مثيل لها في كتب أدبية كثيرة أخرى، وربما لأن الترجمة كانت عبارة عن قطعة أدبية جميلة وثرة بحق، أو قد تكون جميع هذه الأسباب قد أكمل بعضها الآخر في هذه الرحلة الناضجة الممتعة.
في كتب مذكرات السياسيين تجد حقائق مرتبطة بأحداث عاشها العالم أو البلد والمنطقة، ومن بين سطورها تعود الذاكرة بالقارئ إلى حقبة تزخر بحروب أو معارك وربما سلام وبناء، لكن أكثر كتب مذكرات السياسيين المثيرة للاهتمام تلك التي تكثر فيها العواصف السياسية والخلافات وعمليات التجسس ومحاولات الانقلاب في هذا البلد أو ذاك، ويحرص القادة في دول العالم على تسطير الوقائع التي تحاول تخليدهم ضمن الصفحات البيضاء ويتهربون قدر الإمكان من تلك التي ترسم صفحات رمادية أو قاتمة وربما أكثر من ذلك، وهذا يقع ضمن رغبة الجميع بتخليد أنفسهم ضمن أحداث تذهب بتلك المسارات بعيدا عن صور ووقائع أخرى تقف في الضفة المعاكسة للخير والسلم والبناء.
يلجأ الكثير من الأدباء وبالأخص كتاب القصص القصيرة والروايات إلى بث نتف أو فصول كاملة من سيرتهم الذاتية بين الأحداث في القصص القصيرة، وأكثر من ذلك في الروايات، حيث تكون مساحات السرد أوسع وإمكانية استخدام الرموز والأسماء المستعارة والشخصيات الأخرى. ويجد القارئ في الكثير من الأعمال الروائية سيرة شخصية لرجل أو سيدة، وفي الواقع قد تكون هذه السيرة الجامعة لأحداث ووقائع للكاتب أو الكاتبة نفسها، وفي هذه المساحات قد يجد الكاتب متنفسا وحرية أوسع وأكبر، فهو يقول ما يريد أن يبعث برسائل، لكنه غير ملزم بالتوقف عند هذه الحافة أو تلك المحطة، وتمنحه الكتابة الأدبية مساحة مضافة من التعبير عن الأفكار والآراء التي عاشها أو تمنى في حقبة معينة من حياته أن يعيشها.
على خلاف ذلك فإن السياسي لن يجد مثل هذه النافذة للبوح بما يريد القول، ولا يستطيع تغليف خطاب سياسي برموز وأحداث تعبر عن مكنوناته ورغباته، كما تتوفر النافذة للقاص والروائي، ثم يصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للشاعر إلا إذا كتب يومياته وسيرته الذاتية، وقد يتنفس الرسام والخزاف في مساحات بسيطة للتعبير عن دواخله، لكنه لا يتمكن من استثماره إبداعه الفني في قول كل ما يريد أو على الأقل نسبة ضئيلة من ذلك.
إن الغور في عالم الطفولة والحنين إلى أيام الدراسة وذكريات الحب الأول، وأصدقاء الطفولة والحارة والمقهى وصولا إلى الحي والمدينة تلازم الكثير من الأدباء والسياسيين في كتابتهم لمذكراتهم، ونصيحة بقراءة كتاب الطريق إلى جريكو لكل من يشرع بكتابة مذكراته، لكي يبقى خالدا ويقرأه المرء لأكثر من مرة وفي أزمنة مختلفة.

إلى الأعلى