الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في سؤال “الحقيقة”!

في سؤال “الحقيقة”!

جواد البشيتي

إلى آينشتاين يعود الفضل الأكبر في التأسيس الفيزيائي لفكرة “نسبية الحقائق”؛ لكنَّ كثيرًا من الناس ما زالوا يرفضون الاعتراف بفكرة ما على أنَّها “حقيقة” إلاَّ إذا كانت في منزلة “الحقيقة المُطْلَقَة”؛ وهناك، أيضًا، من المتطرِّفين في إنكارهم لوجود “الحقيقة المُطْلَقَة” من يُعبِّر عن موقفه هذا قائلًا: إنَّ “الحقيقة المُطْلَقَة الوحيدة” هي أنْ “لا وجود للحقيقة المُطْلَقَة؛ فكل الحقائق نسبية”.
ولقد أُسيء فَهُم “الحقيقة النسبية” كما أُسيء فَهْم “الحقيقة المُطْلَقَة”؛ وإنِّي لأَنْسِبُ هذه الإساءة وتلك إلى النَّقْص في “جدلية” التفكير والنَّظر إلى الأمور؛ فنحن نميل، في غالبيتنا، إلى فهم الأمور وفق مبدأ “إمَّا.. وإمَّا..”!
إنَّ “نِسْبية الحقائق” تُشَوَّه عند كثيرين بـ”الذَّاتِيَّة”، فيُضْرَب صَفْحًا عن أمْرٍ في منتهى الأهمية هو أنَّ “الموضوعية” هي جوهر وأساس “النِّسْبي” من “الحقائق”.
وخَيْر مثال، على ما أرى، نُوضِّح فيه “النسبية (الموضوعية) للحقيقة” هو الآتي:
جَلَسَ اثنان إلى طاولةٍ، وكان كلاهما في مواجهة الآخر. وَوُضِع على الطاولة إبريق وفنجان، وبما يسمح لكليهما بإجابة السؤال “أَيُّهما موضوع أمام الآخر؟”
أحد الجالِسَيْن أجاب قائلًا إنَّ الإبريق موضوع أمام الفنجان؛ أمَّا الآخر فأجاب قائلًا إنَّ الفنجان هو الموضوع أمام الإبريق؛ فأيَّهما نطق بـ”الحقيقة”؟
كلاهما نَطَق بها؛ لأنَّ الحقيقة “نِسْبية”؛ فالذي أجاب الإجابة الأولى أصاب، ولم يُخْطئ، والذي أجاب الإجابة الثانية أصاب، ولم يُخْطئ.
إنَّه لمثال بسيط؛ لكنْ مُفْعَمٌ بالمعاني؛ ويَحضُّكَ على أنْ تُفكِّر فيه مليًّا، وعلى أنْ تُحْسِن وتجيد التفكير فيه.
هذا التناقض الموضوعي في إجابتيهما لن ينزل بردًا وسلامًا على كثيرٍ من الناس الذين اعتادت أذهانهم أنْ يفهموا “الحقيقة” بما يُوافِق المبدأ “إمَّا.. وإمَّا..”.
وعملًا بهذا المبدأ (غير العملي، وغير العلمي) سيقولون إنَّ تضارُب أو تناقض الإجابتين لا يعني إلاَّ أنَّ كلتيهما لا تمتُّ بصلةً إلى مفهوم “الحقيقة”؛ ولسوف يتساءلون، في هُزْءٍ وسُخْريةٍ، قائلين: كيف للحقيقة أنْ تقوم لها قائمة إذا ما قُلْنا إنَّ الإبريق موضوع أمام الفنجان، وموضوع وراءه، في الوقت نفسه؟!
“الواقع الموضوعي” لـ”الإبريق” يهزأ ويسخر من قولهم قائلًا: لكنَّها الحقيقة؛ فهذا هو “الواقع الموضوعي (المتناقِض)” للإبريق؛ إنَّه موضوع أمام الفنجان، وموضوع وراءه، في الوقت نفسه؛ فهل في مقدور أيِّ شخصٍ ثالث أنْ يَحْسِم الأمر، فيقول مثلًا إنَّ الحقيقة، كل الحقيقة، أو إنَّ الحقيقة التي لا ريب فيها، هي أنَّ الإبريق موضوع الآن أمام الفنجان، لا وراءه؟!
صاحبا الإجابتين لم يتناقضا في إجابتيهما لأسباب ذاتية، أو لكونهما، على سبيل المثال، “يرغبان في” أنْ تتناقض إجابتيهما؛ فكلاهما، وبكل ما لديه من أساليب وطرائق “الاختبار الموضوعي”، يتوصَّل إلى أنَّ إجابته صائبة، صحيحة، تُمثِّل “الحقيقة”؛ وعلى هذا قِسْ.
في مثالنا البسيط ذاك، وَقَفْنا على معنى “نسبية” الحقيقة، وَوَقَفْنا، في الوقت نفسه، على ما يُمْكنني نَسْبه إلى “المُطْلَق” منها؛ فـ”نسبيتها (الموضوعية)” نراها واضحة جلية في قول أحدهما إنَّ الإبريق موضوع أمام الفنجان، وفي قول الآخر إنَّ الإبريق موضوع وراء الفنجان؛ أمَّا “المُطْلَق” منها، والكامِن في “النِّسْبي” في الإجابتين كلتيهما، فَنَقِف عليه في “الإجابة الثالثة” الآتية: الإبريق موضوع أمام الفنجان، وموضوع وراءه، في الوقت نفسه.
جميعنا ننشد “الحقيقة”، وننفق كثيرًا من الجهد والوقت في البحث عنها؛ لكنَّنا لم نتواضع بعد، ولن نتواضع أبدًا، على إجابة سؤال “ما هي الحقيقة؟”؛ وكأنَّ لنا مصلحة في تعريف “الحقيقة” بما يَخْدُم، ويُوافِق، “مصلحة” المتوفِّر على “تعريفها”.
ولآينشتاين تجربته في “الحقيقة”؛ فهو القائل “إذا النَّظرية (الجديدة) لم تُوافِق (تُطابق) الواقع؛ فلا بدَّ، عندئذٍ، من تغيير الواقع نفسه”.
إنَّها لـ”أفلاطونية خالصة” أنْ يدعو المرء (وأنا أعلم أنَّ آينشتاين يهزل في قوله هذا) إلى “تغيير الواقع بما يجعله موافِقًا للنَّظرية”؛ فـ”الموضوعي” في النَّظر إلى الأشياء يُعدِّل، ويُغيِّر، “النَّظرية (الجديدة)” بما يجعلها تُوافِق “الواقع (الموضوعي)”، أو بما يجعلها أكثر تَوافقًا معه؛ فكلَّما توافقت “النَّظرية (أو الفكرة)” أكثر مع “الواقع (الموضوعي)” ارتفع فيها “منسوب الحقيقة”.
وشتَّان ما بين مَنْ يَقْبَل “النَّظرية”؛ لكونها متوافقة مع “الواقع”، ومَنْ يرفض “الواقع”؛ لكونه غير متوافق مع “نظرية ما (أو فكرة ما)”.
حتى “الغباء” عرَّفه آينشتاين بما يؤكِّد أنَّه يفهم “الحقيقة” بما يناقِض “الطوباوية (في التفكير)”؛ فهو قال، في تعريفه له، إنَّه أنْ يُكرِّر المرء التجربة “نفسها”، متوقِّعًا (أيْ معلِّلًا النَّفس بوهم) تمخُّضها عن “نتائج مختلفة”؛ فـ”النتيجة (أيْ النتيجة العملية الواقعية)” تأتي متوافقة مع “التوقُّع” إذا ما كان “التوقُّع” واقعيًّا موضوعيًّا، وتذهب به إذا ما كان “ذاتيًّا (غير موضوعي)”.
“الحقيقة”، ومهما كابَد المرء في بحثه عنها حتى كشفها واكتشافها، هي دائمًا “بسيطة”، وأبسط مَمَّا نظن لدى بَدْئِنا البحث عنها؛ وبما يؤكِّد ذلك، عرَّف آينشتاين “الأحمق” و”العبقري”، قائلًا إنَّ “الأحمق” هو الذي يجتهد في جَعْل “البسيط” من الأشياء يبدو “معقدًا”؛ أمَّا “العبقري” فهو الذي يَعْرِف كيف يُبسِّط ما يبدو معقَّدًا.
هل فَهِمْت، واستوعبتَ، وتَمَثَّلْت، نظرية ما، أو فكرة ما؟
آينشتاين يجيب عنكَ (خير إجابة) قائلًا: “إذا لم تستطعْ شرح فكرتكَ لطفلٍ عمره 6 سنوات، فأنتَ نفسكَ لم تفهمها بعد”.
نحن اعتدنا أنْ نَفْهَم “الخيال” على أنَّه ضديد “الحقيقة”، و”المعرفة (مع المنطق)” على أنَّها صنو “الحقيقة”؛ لكنَّ آينشتاين، والذي أنعم الله عليه بـ”عبقرية الخيال”، دعانا إلى الأخذ بطريقة جديدة في التفكير، توصُّلًا إلى “الحقيقة”، إذ قال إنَّ “الخيال” أهم من “المعرفة”، وإذ قال أيضًا إنَّ “المنطق” يُوْصِلكَ، إذا ما سِرْت في دربه، من “الألِف” إلى “الياء”؛ لكنَّ “الخيال” هو العربة التي تُوْصِلكَ إلى أيِّ مكان.
لكنَّنا ما أنْ نتوصَّل بـ”الخيال” إلى “نظرية ما” حتى يتأكَّد لنا أنَّ هذه “النَّظرية” لن تتآخى مع “الحقيقة” إلاَّ إذا أتى “الواقع (الموضوعي)” بما يؤيِّدها؛ فلا مهرب لنا من “المنطق (المنطقي)”، الذي يُلْزِمنا أنْ نفهم “الحقيقة” على أنَّها “كل فكرة تُوافِق (تُطابق) الواقع (الموضوعي)”؛ فليس من ميزان نزن به “الحقيقة” في كل “فكرة”، ولا من مقياس نقيسها به، إلاَّ “الواقع الموضوعي (الممارَسة، والتجربة العملية الواقعية)”.
ويعود آينشتاين، الذي طالما تَنَقَّل بين “الذاتية” و”الموضوعية”، إلى وَضْع إحدى قدميه في “الذاتية”، فيقول إنَّ كل علومنا التي نقيسها بالواقع بدائية وطفولية (فبماذا نقيسها حتى ترتقي وتنضج؟!).
ثمَّ يُخْرِج آينشتاين قدمه من “الذاتية”، ليقول، في فَهْم “الحقيقة”، إنَّ “القوانين (أو المفاهيم، والأفكار، والنَّظريات)” كلَّما قارَبَت، أو لامست، “الواقع” اهتزَّت وتزعزعت، وكلَّما ثَبَتَت ورسخت (بتحليقها بعيدًا عنه) فقدت واقعيتها؛ فالفكر “سكوني”؛ أمَّا الواقع فـ “دينامي”؛ والفكر، مهما ارتفع منسوب الحقيقة الموضوعية فيه، يظلُّ “رماديًا”؛ أمَّا الواقع فهو “الأخضر” أبدًا. وهذا إنَّما يعني أنَّ “النَّظرية”، ومهما ارتفع فيها منسوب الواقعية والحقيقة، تشبه صورة (شمسية) تلتقطها لجسمٍ في حالة حركة، ويتغيَّر في استمرار، فيتَّسِع، ويَعْظُم، مع مرور الوقت، “الفَرْق” بينها وبين “الأصل”.
وبعدما يُثَبِّت قدمه في “الموضوعية”، يَقْفِز آينشتاين قفزته الكبرى في فَهْم “الحقيقة”، فيقول إنَّ “الحقيقة” هي ما يَثْبُت أمام امتحان التجربة؛ فلا مقياس نقيس به “الحقيقة”، في الأفكار والنَّظريات، إلاَّ “الممارَسة”، أو “التجربة العملية”؛ فكل ما يُوافِق منها “الواقع الموضوعي” لا بدَّ له من أنْ ينتمي إلى “عالَم الحقائق”.
الإنسان، في سعيه المعرفي، إنَّما يبتغي الوصول إلى “الحقيقة”، أي إلى فهم الأمور فهما يمْكن، عبر الممارسة والتجربة العملية، إقامة الدليل على صحَّته.
وتوصُّلا إلى “الحقيقة” لا بدَّ من إنشاء وتطوير منهج، يتأكَّد، عبر الممارسة والتجربة العملية، أنَّ أخْذَنا به يُوْصلنا إلى “الحقيقة”، التي ليس من ميزان نزنها به سوى ميزان الممارسة والتجربة العملية.
وهذا المنهج هو ما تواضع الفلاسفة على تسميته “المنطق”، متوفِّرين على إنشاء وتطوير قواعد ومبادئ له.
و”الفكر”، أو “التفكير”، ينبغي له أن يراعي، تلك القواعد والمبادئ، وأن يستمسك بها ويتقيَّد، إذا ما أراد صاحبه الوصول إلى “الحقيقة”؛ فمِنْ أين أتى “المنطق”، بقواعده ومبادئه، إلى رأس الإنسان؟
لم يأتِ إلا من مَصْدَرٍ واحد هو “التجربة العملية (الممارسة)” للإنسان في سياق صراعه مع الطبيعة.
إنَّ “النجاح” و”الفشل” في التجارب العملية للإنسان هما ما فرضا عليه أن يكون “منطقيا في تفكيره”؛ و”المنطقية في التفكير” لم تنشأ لدى البشر إلا بصفة كونها “شرط بقاء”.
هيجل في حديثه عن “الحقيقة” أوضح أمرًا في منتهى الأهمية هو أنَّ كل ما هو “حقيقي (واقعي)” يجب أن يتَّسم بـ”العقلانية (المنطقية)”، أي يجب أن يكون متوافقًا مع “العقل”؛ لكن، هذا “الحقيقي (الواقعي)” لا بدَّ له، في مجرى التطوُّر، من أن يغدو شيئًا “غير عقلاني”، فـ”الواقعي” يبدأ “عقلانيًّا” وينتهي “لا عقلانيًّا”.

إلى الأعلى