الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الحاقة “7″

سورة الحاقة “7″

إعداد ـ أم يوسف
سميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لتضمن ‏السورة ‏أحوال ‏يوم ‏القيامة ‏من ‏سعادة ‏وشقاء ‏لبني ‏الإنسان ‏. ‏اسم ‏الحاقة ‏في ‏كل ‏المصاحف ‏قيل ‏في ‏كتاب ‏بصائر ‏التيسير ‏أنها ‏تسمى ‏السلسلة ‏وسماها ‏الجعبري ‏في ‏منظومته ‏‏” الواعية‎” وهي مكية، من المفصل، آياتها “52″ وترتيبها التاسعة والستون، نزلت بعد الملك، بدأت السورة باسم من أسماء يوم القيامة وهو الحاقة. ومحور مواضيع السورة يتناول أموراً عديدة: كالحديث عن القيامة وأهوالها، والساعة وشدائدها، والحديث عن المكذبين وما جرى لهم، مثل عاد وثمود وقوم لوط وفرعون وقوم نوح، وغيرهم من الطغاة المفسدين في الأرض، كما تناولت ذكر السعداء والأشقياء، ولكن المحور الذي تدور عليه السورة هو إثبات صدق القرآن ، وأنه كلام الحكيم العليم، وبراءة الرسول مما اتهمه به أهل الضلال.
وسبب نزول السورة : قال تعالى:”وتعيها أذنٌ واعية” قال رسول الله: لعلي أن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وتعي وحق على الله أن تعي فنزلت:(وتعيها أذنٌ واعية) فالى التفسير مع الامام القرطبي ..
قال تعالى:(فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الآية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
———
قوله تعالى:(فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لا تُبْصِرُونَ) المعنى: أقسم بالأشياء كلها ما ترون منها وما لا ترون. و”لا” صلة. وقيل: هو رد لكلام سبق، أي: ليس الأمر كما يقوله المشركون. وقال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمدا ساحر. وقال أبو جهل : شاعر. وقال عقبة: كاهن، فقال الله عز وجل:(فَلا أُقْسِمُ) أي: أقسم. وقيل: “لا” ها هنا نفي للقسم، أي لا يحتاج في هذا إلى قسم لوضوح الحق في ذلك، وعلى هذا فجوابه كجواب القسم.(إِنَّهُ) يعني القرآن (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) يريد جبريل، قاله الحسن والكلبي ومقاتل. دليله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} وقال الكلبي أيضا والقتبي: الرسول ها هنا محمد (صلى الله عليه وسلم) لقوله:(وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) وليس القرآن قول الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إنما هو من قول الله عز وجل ونسب القول إلى الرسول لأنه تاليه ومبلغه والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك.
قوله تعالى:(وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) لأنه مباين لصنوف الشعر كلها. (وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ) لأنه ورد بسب الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئا على من يسبهم. و”ما” زائدة في قوله:(قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)، (قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ)؛ والمعنى : قليلا تؤمنون وقليلا تذكرون. وذلك القليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله. ولا يجوز أن تكون “ما” مع الفعل مصدرا وتنصب” قَلِيلاً بما بعد “ما”، لما فيه من تقديم الصلة على الموصول لأن ما عمل فيه المصدر من صلة المصدر. وقرأ ابن محيصن وابن كثير وابن عامر ويعقوب (مَا يُؤْمِنُونَ)، و(وَمَا يَذْكُرُونَ) بالياء. الباقون بالتاء لأن الخطاب قبله وبعده. أما قبله فقوله:(تُبْصِرُونَ) وأما بعده:”فَمَا مِنْكُمْ” الآية.
قوله تعالى:(تَنْزِيلٌ) أي هو تنزيل، (مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهو عطف على قوله:(ِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) أي: إنه لقوله رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين.
قوله تعالى:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ) (تَقَوَّلَ) أي: تكلف وأتى بقول من قبل نفسه. وقرئ (وَلَوْ تَقَوَّلَ) على البناء للمفعول.(لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أي: بالقوة والقدرة، أي لأخذناه بالقوة. و”من” صلة زائدة. وعبر عن القوة والقدرة باليمين لأن قوة كل شيء في ميامنه، قاله القتبي. وهو معنى قول ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد
تلقاها عرابة باليمين
أي: بالقوة. عرابة اسم رجل من الأنصار من الأوس.
وقال آخر:
ولما رأيت الشمس أشرق نورها
تناولت منها حاجتي بيميني
وقال السدي والحكم: “باليمين” بالحق. قال:
تلقاها عرابة باليمين
أي: بالاستحقاق. وقال الحسن: لقطعنا يده اليمين. وقيل: المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف ؛ قاله نفطويه. وقال أبو جعفر الطبري: إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب. كما يقول السلطان لمن يريد هوانه: خذوا يديه. أي لأمرنا بالأخذ بيده وبالغنا في عقابه.(ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) يعني نياط القلب، أي: لأهلكناه. وهو عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه، قال ابن عباس وأكثر الناس قال:
إذا بلغتني وحملت رحلي
عرابة فأشرقي بدم الوتين
وقال مجاهد: هو حبل القلب الذي في الظهر وهو النخاع ؛ فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه. والموتون الذي قطع وتينه. وقال محمد بن كعب: إنه القلب ومراقه وما يليه. قال الكلبي : إنه عرق بين العلباء والحلقوم. والعلباء: عصب العنق. وهما علباوان بينهما ينبت العرق. وقال عكرمة: إن الوتين إذا قطع لا إن جاع عرف، ولا إن شبع عرف.
قوله تعالى:(فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) “ما” نفي و”أحد” في معنى الجمع ، فلذلك نعته بالجمع ؛ أي فما منكم قوم يحجزون عنه كقوله تعالى:(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) هذا جمع، لأن “بين” لا تقع إلا على اثنين فما زاد. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): “لم تحل الغنائم لأحد سود الرؤوس قبلكم”. لفظه واحد ومعناه الجمع. و”من” زائدة. والحجز: المنع. و(حَاجِزِينَ) يجوز أن يكون صفة لأحد على المعنى كما ذكرنا ؛ فيكون في موضع جر. والخبر “منكم”. ويجوز أن يكون منصوبا على أنه خبر و”مِنْكُمْ” ملغى ، ويكون متعلقا (حَاجِزِينَ) ولا يمنع الفصل به من انتصاب الخبر في هذا ؛ كما لم يمتنع الفصل به في “إن فيك زيدا راغب”.
(وَإِنَّهُ) يعني القرآن (لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) أي: للخائفين الذين يخشون الله. ونظيره :(فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) على ما بيناه أول سورة البقرة. وقيل: المراد محمد (صلى الله عليه وسلم)، أي: هو تذكرة ورحمة ونجاة.
قوله تعالى:(وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ) قال الربيع: بالقرآن. (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ) يعني: التكذيب. والحسرة: الندامة. وقيل: أي وإن القرآن لحسرة على الكافرين يوم القيامة إذا رأوا ثواب من آمن به. وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحديهم أن يأتوا بسورة مثله، (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) يعني: أن القرآن العظيم تنزيل من الله عزو جل، فهو لحق اليقين. وقيل: أي حقا يقينا ليكونن ذلك حسرة عليهم يوم القيامة. فعلى هذا “وإنه لحسرة” أي لتحسر، فهو مصدر بمعنى التحسر، فيجوز تذكيره. وقال ابن عباس: إنما هو كقولك: لعين اليقين ومحض اليقين. ولو كان اليقين نعتا لم يجز أن يضاف إليه، كما لا تقول: هذا رجل الظريف. وقيل : أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين.(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) أي: فصل لربك، قال ابن عباس. وقيل: أي نزه الله عن السوء والنقائص .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.
(المصدر: تفسير القرطبي)

إلى الأعلى