الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل ينجو العراق من الزلزال؟

هل ينجو العراق من الزلزال؟

أ.د. محمد الدعمي

في سياق محاولة الإجابة على السؤال المهم حول حاضر ومستقبل العراق، يعتمد بحثي القادم (هل يجتاز العراق التسونامي بسلام؟) خطة ذهنية مبسطة على سبيل التحقق من افتراضيته الأساس التي يمكن أن تختصر بإشكالية الصعوبات التي تواجه بقاء العراق، دولة متماسكة وقابلة للحياة. ينطلق البحث من أصل أسباب الدعوة لتقسيم العراق داخليًّا، أي من غزو الولايات المتحدة الأميركية ودول التحالف العراق (2003)، مع إشارة خاصة للصدع الأولي الذي تسببت به تلك العملية العسكرية الكبرى.
وتأسيسًا على الإيحاءات والوصايا المضللة التي قدمتها القوى المعارضة للنظام السابق التي كانت موجودة في خارج العراق، فقد سبب التدخل الأميركي ذلك الصدع الذي كان بدرجة من العنف والقوة المفرطة أنه أطلق سلسلة من التشققات المتمددة غير القابلة للإيقاف، إذ إنها تواصل الامتداد نحو كل اتجاه حرفيًّا. وفي الوقت الذي استحال به البلد إلى حطام من الناحية العملية، فإن جسد العراق السياسي غير القابل للترميم الآن وفي المستقبل المنظور، إنما قد برهن على أهمية العراق المركزية عبر الشرق الأوسط من خلال تمرير تصدعاته الداخلية عبر حدوده، مهددًا بضعضعة كامل النظام الإقليمي وبدفعه نحو هاوية الفوضى العمياء، باعتبار تواصل موجات الارتجاج المتعددة الاتجاهات المنطلقة مما سمى جزافًا بـ”الربيع العربي”. لذا، فقد خدم انتشار شبكة “الدولة الإسلامية” الإرهابية، العراقية المولد، والدولية التوسع محكًّا لتجسيد الأهمية القصوى لشعب ولأرض الرافدين. لذا لم يتوقف ظهور العناصر التخريبية لهذه الشبكة الإرهابية حتى بقاع نائية كشمال إفريقيا ووسطها، لو شئنا غض النظر عن أعداد المتطوعين الكبيرة المتوجهين إلى إقليمنا الملتهب من جنوب آسيا ودول المحيط الهندي.
وما دام العراقيون الكرد هم أول من سيحتضن شكلًا من أشكال الانفصال، كما هو متوقع، تأسيسًا على جدل ذرائعي تاريخي ومعاصر، مع إشارة خاصة إلى الفكرة الأميركية التي تم اقتراحها ونشرها ليلة اندلاع الحرب 2003، عمدت القيادات الكردية إلى المراهنة على النظام الواعد الجديد لتحقيق أهدافها وحلمها القومي، متأملة أن يكون النظام الجديد أكثر توازنًا مما سبقه من أجل تعويض الكرد عما خسروه مذ أن دفنت الإمبراطورية العثمانية.
وبينما تتواءم المطالب الكردية بحقيقة عمق واتساع الرغبة بالانفصال على نحو عام، مع تصاعد الشكوى السنية، بل وحتى الشيعية اليوم، فإن حركة الاحتجاج السني مع ما يرافقها من حراك مدني اليوم بسبب ما قاسوه من تهميش من قبل العراق “الديمقراطي” لا يمكن أن تمر دون رصد وملاحظة من قبل أي بحث موضوعي. لقد تمخض الاحتجاج السني عن أنماط احتجاج ومقاومة تستحق التحليل. بيد أن أهم مخرجاتها قد تجسدت بالعنف، وبالانتفاع من خبرة حقبة كاملة من إدارة الحكومات السابقة لسنة 2003، خاصة إدارة أذرعها العسكرية والأمنية والاستخبارية، من أجل بلوغ الهدف الأساس، وهو رج استقرار النظام الجديد المفترض، قبل أن يمد جذوره ليبقى إلى ما لا نهاية. لقد تم تكريس الاحتجاج السني عبر الارتكان إلى قناعة راسخة، مفادها أن أهل السنة والجماعة كانوا وما زالوا هم القيادات “الطبيعية” أو “التقليدية” لسلطة الدولة، أسوة ببقية دول العالم الإسلامي. وبتشجيع عمليات إرهاب “القاعدة” المبكر، لجأت القيادات السنية (دينية وقبلية) إلى أشكال متنوعة من العنف المقنع، عارضة قدرة فائقة على الاضطلاع بعملية تحولية مدهشة لم تستقر حتى ابتكرت النسخة العراقية من المعارضة المحلية، تلك المعارضة التي تقمصت عدة أشكال، من نوع ساحات الاعتصام.
ومع الطرق المتواصل على غلاف الدولة العراقية المتصدع أصلًا، وبإضافة المطالبات الكردية التي تبدو وكأنها بلا حدود، أماطت الحكومات المتتالية ذات الهيمنة الشيعية اللثام عن مواطن ضعفها التي ما لبثت وأن تفاقمت اختلالًا عن طريق عدم كفاءة أعضائها وعجزهم عن إطفاء ظمأ الثروة المتجذر بدواخلهم. لذا، فإنهم قد انحرفوا عن طريق الوطنية الأصل، فشوهوا الرؤيا الأميركية، كما أشيع لها قبل الحرب. لم تخفق هذه الحكومات في الحفاظ على توازن يمثل الكتل السكانية الثلاث الأساس في دولة لا مركزية، بل هي دولة برهنت، على نحو لا يقبل الشك، عدم قدرتها على تقديم آصرة وطنية قوية بدرجة القدرة على صيانة عراق موحد. وبسبب قصر النظر واللهاث من أجل المادة، توهمت القيادات القائمة اليوم بأن “عراقية” جميع العراقيين إنما كانت من البقايا الطللية للنظام السابق.

إلى الأعلى