السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “مغارة ابن خلدون” توثق ميلاد “المقدّمة” التي غيّرت مجرى العلوم الإنسانية
“مغارة ابن خلدون” توثق ميلاد “المقدّمة” التي غيّرت مجرى العلوم الإنسانية

“مغارة ابن خلدون” توثق ميلاد “المقدّمة” التي غيّرت مجرى العلوم الإنسانية

الجزائر ـ العمانية:
تقع مغارة العلّامة عبد الرحمن بن خلدون في الجزائر عند سفح جبلي، بمدينة فرندة التابعة إداريا لولاية تيارت المعروفة قديما باسم (تاهرت) والتي تبعد 340 كيلومترا عن العاصمة الجزائرية. وتقف المغارة حتى اليوم شاهدة على حدث تاريخي غيّر مجرى العلوم الإنسانية بميلاد كتاب “المقدمة” الذي ألّفه ابن خلدون بعد أربع سنوات من الاعتكاف داخل هذه المغارة (1375 – 1379م)، وصار تأليف هذا الكتاب المرجع، بمثابة إعلان عن وضع أولى لبنات علم الاجتماع البشري.
يقول المؤرخ البريطاني”أرنولد توينبي” : “إنّ ابن خلدون قدّم للفكر البشري فلسفة للتاريخ تُعدُّ أعظم عمل لم يسبق أن أنجزه عقلٌ بشري، في أيّ زمن وأيّ مكان من قبل”. وقبل تسع سنوات أحيت الجزائر الذكرى الـ ( 600 ) لوفاة العلامة عبد الرحمن بن خلدون حيث أقامت وزارة الثقافة الجزائرية بهذه المناسبة العشرات من الملتقيات الفكرية والندوات الوطنية والدولية استمرّت نحو عام كامل بمدينة فرندة. وتؤكد العديد من المصادر التاريخية أنّ العلامة ابن خلدون اعتكف بهذه المغارة أربع سنوات لتأليف كتابه الهام “المقدمة” مقدمة لمؤلفه الضخم “كتاب العبر”، وقد اعتبرت المقدمة لاحقاً مؤلفاً منفصلا ذا طابع موسوعي، إذ تناول فيه ابن خلدون جميع ميادين المعرفة من الشريعة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة والطب. وتتألف المغارة من مغارة رئيسية تتصل بها غرف صغيرة، ويذكر المؤرخون في كتبهم أنّ ابن خلدون اتّخذ من المغارة مقاماً له، ليس لجمالها ومنعتها وحسب، وإنما لكونها تطلُّ على سهل “التات” الذي كان ممرّاً رئيسياً لشتى قوافل العرب والبربر؛ وهو الأمر الذي مكّنه من التعرف على أخبار الناس والحكام، بما يتيح له دراسة الظاهرة الاجتماعية للمغرب الإسلامي، وإخضاعها للمراقبة. وبعد أن أنهى ابن خلدون كتابة “المقدمة” في السنة الرابعة من إقامته في المغارة التي كانت تعرف باسم مغارة “بني سلامة”، وكان ذلك منتصف عام 1377م، عكف على تصحيح وتنقيح ما كتبه، وجد نفسه أمام مشكلة المصادر والمراجع، ونفاد الأوراق التي كان يكتب عليها، فقرّر أن ينهي عزلته ويشدّ الرحال إلى تونس التي ولد بها، ولكن المرض حال دون ذلك. ويرى المؤرخون أنه لولا العزلة التي أتاحتها مغارة “بني سلامة” لابن خلدون أثناء كتابته “المقدمة”، وانقطاعه الكامل عن الناس، ما كان ليكتب كتاباً بهذا الجمال، وتلك الروعة، ولعلّ هذا ما يُفسّر التباين الكبير بين “المقدمة” وكتاب “العبر” الذي غلب عليه العرض والوصف والرواية، ولم يرق بذلك إلى مستوى “المقدمة”. ويقول خالد ملياني، باحث في التاريخ بمركز الدراسات الخلدونية – نسبة إلى ابن خلدون: ” إنّ منطقة بني سلامة بولاية تيارت تضمُّ ثلاث مغارات متجاورة، اتّخذ العلامة من إحداها مكانا لكتابة مقدمته وجزءا من كتاب العبر، وهذا بصريح ما كشف عنه ابن خلدون بنفسه. وقد صُنّفت المغارات الثلاث، وحتى الجبل الذي يضمُّها، كمكان طبيعي عام 1947م، وأكد التصنيف في الوقت ذاته أهمية المغارات التاريخية وارتباطها بشخصية العلامة عبد الرحمن بن خلدون وكتابه المقدمة”. ويُؤكد الباحث أنّ “الحيوية ليست في المكان بحدّ ذاته، وإنما أضفتها أهميةُ الشخصية التي تواجدت في ذلك المكان، وهي شخصية العلاّمة ابن خلدون، ولهذا يقصدها الباحثون والمهتمُّون بالتاريخ للوقوف على المكان الذي خرجت منه هذه المؤلفات التي أسّست لعلم الاجتماع”. وينتمي ابن خلدون، كما يُعرّف هو نفسه، إلى عائلة نزحت من الأندلس واستقرّت بمنطقة المغرب العربي، وعرف بشغفه بالعلم والسفر، واهتمامه الكبير بنُظُم الحكم. وقد قرّبه عددٌ من أمراء وسلاطين المغرب منهم، حيث عمل مستشارا، كما عيّن قاضيًا في القاهرة لنبوغه وتفوُّقه في علوم الشريعة، وذيوع صيته في أنحاء العالم الإسلامي.وسعد ابن خلدون بإقامته في مغارة “بني سلامة”، التي وصفها بأنها: “من أحفل المساكن وأرحبها”، وطاب له المقام فيها، خاصة وأنها تقع في مكان منيع ومرتفع نسبياً، وتحتها فراغ على مدّ البصر، يشعر الزائر لها بأنه عاد إلى القرن الـ13 الميلادي.

إلى الأعلى