الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وقفة مع ألبير كامي Albert Camus

وقفة مع ألبير كامي Albert Camus

علي عقلة عرسان

“وفي وسط الشتاء أحسست أن هناك صيفًا لا يقهر في نفسي “صاحب هذه الكلمات التي تتدفق منها الثقة، وتشيع في الناس التفاؤل، وضع كتابًا محوره مشكلة الانتحار، وخرج من أكبر كتاب منطلق من فكرة العدمية إلى القول بأن كتابه يبقى “دعوة سهلة إلى العيش والخَلق، حتى وسط الصحراء”.
اتُهِمَ بالتشاؤم فصاح في وجه متهميه: “بأي حق يتهمني مسيحي أو ماركسي بالتشاؤم؟ لست أنا الذي اخترعت شقاء الخليقة، ولا الصيغ الرهيبة للعنات الآلهة، ولست أنا الذي ناديت بأنه لا إنسان خيّر، ولا بعذاب الأطفال الذين ماتوا بغير تعميد، فإذا كانت المسيحية متشائمة فيما يتصل بالإنسان، فإنها متفائلة فيما يتصل بالمصير الإنساني. أما أنا فأقول إنني إذا كنت متشائمًا فيما يتصل بالمصير الإنساني، فأنا متفائل فيما يتعلق بالإنسان”.
إنه ألبير كامي، وريث شمس الشرق الساطعة وابن النور والبحر.. ولد، وقضى طفولته، وصباه، وردحًا من شبابه، في الجزائر العربية، حين كانت تحت الاحتلال الفرنسي. شاهدت عيناه النور في 7 نوفمبر 1913 في مدينة الذرعان في الجزائر، من أب فرنسي وأم إسبانية، وما لبث والده أن توفي، فعاش مع أمه في مدينة الجزائر، وأثر في حياته شيئان: الفقر، والشمس. أحس آلام الفقراء فعاشرهم وناصرهم، وشعر بالفوارق الاجتماعية فثار عليها، وشغلته الفلسفة ومشكلات الوجود، وقضايا الإنسان وأسئلته المعقدة، التي لم تحظ بعد بالإجابة الشافية عليها، فخاض غمار الفكر والأدب باحثًا بإحساس الفنان عن حل لمشكلات الإنسان.
في الحرب العالمية الأولى كان أحد أطفال جيل الذعر.. حملة الآلام والنتائج السيّئة لتصرفات الآباء، ولطيش رجال تلك السنين. وفي الحرب العالمية الثانية كان على رأس المناضلين المخلصين من أجل وطنهم وحرية أهله. عرف ويلات الحربين، وبذل ما في وسعه لمقاومة الألمان وإبعادهم عن فرنسا، واشتغل بالصحافة والأدب والفلسفة.. وكان أديبًا فذًّا يحمل شاعرية ابن الشرق وثقافة أوروبا. كتب المسرحية والرواية والدراسات الفلسفية.
كامي أحد أبناء جيل الحزن، الذين شهدوا حربًا عالمية وهم أطفال، وخاضوا غمار أخرى وهم رجال، ورأوا الإنسان يقتل الإنسان.. شاهدوا هياكل الأجسام البشرية في المعتقلات، والجثث التي تسوّدها الشمس بين ركام المنازل والحرائق، وحطام الأسلحة في وحل المستنقعات. وقال ذات يوم من عام ١٩٤٨ “التعوّد على الفضيلة يستهلك وقتًا أكثر مما يستهلكه تعلم استخدام الأسلحة.”.. تاق في زمن الحرب إلى الاطمئنان في حضن الشمس والبحر والربيع، فلم يتح له، ولا للإنسانية ذلك. وشهد بأم عينيه حطام الفصول، وعجز الإنسان، فانطلق من الشمس والفقر والحرب والعجز، عملاق التحدي، يلقي أسئلة الإنسان وألغازه التي شغلت فكره، ويحاول أن يجيب عليها من خلال فلسفته وأدبه.
قبل الكلام على مسرح كامي، لا بد من الإشارة، ولو بشكل بسيط، إلى أفكار أساسية تقوم عليها فلسفته.. فلسفة العبث واللاجدوى…
في أسطورة سيزيف، وهي أسطورة يونانية، تروي قصة ذلك الإنسان الذي خرج على حكم الآلهة فعاقبته بأن يرفع صخرة كبيرة إلى أعلى جبل، وكلما كان يصل في دحرجة تلك الصخرة إلى قبيل القمة، تعود الصخرة إلى السفح لعدم قدرته عليها، فيعود إلى عمله من جديد.. وهكذا بصورة مستمرة، يستمر تعذيب سيزيف في أن يقوم بعمل غير مجد.. فلماذا يقوم الإنسان بهذا العمل غير المجدي طيلة حياة نهايتها الموت؟! إذن فالعالم غير معقول.
في أسطورة سيزيف يشرح ألبيرت كامي، أو يحاول أن يضع، بعض الأهداف التي يعاني منها كإنسان عبر الوجود: ما دام الموت ضربة لازب لا بد منه، فما جدوى الحياة؟! وما هو الهدف من وجود الإنسان في الحياة؟ لماذا أتى؟ وماذا يريد؟ ولماذا يموت؟ ولماذا يعيش على هذه الصورة أو تلك؟ أسئلة محيّرة.. ووجود نهايته الموت. وما دام الموت موجودًا ولا نعرف متى يأتي ولا كيف؟ فكل ما نقوم به في أثناء الحيا ة عبث. يقول كامي:
“ليس العالم معقولًا بحد ذاته، هذا كل ما نستطيع أن نقوله، ولكن العبث يتبين لنا حينما نقارن بين هذا اللامعقول وبين هذه الحاجة الملحة إلى الوضوح، التي يتصاعد نداؤها من عمق أعماق الإنسان”. إذن هل نقبل فكرة أن ننتحر احتجاجًا على هذا الصمت الذي تذوب فيه أسئلتنا الكبرى؟! هل يحتج سيزيف على عمله غير المجدي فينتحر، أم يتابع العمل بسعادة أو بقبول وتسليم، فلعله يصل؟
في كتاب كامي أسطورة سيزيف أفكار تحتمل التأويل، ويمكن أن ينقض بعضها بعضًا، لأن فكرة العبث من أولها، أو فلسفة العبث، تؤهل الأفكار لأن تكون متناقضة، لكنه يقول في نهاية كتابه: “يجب أن نتصور سيزيف وهو ينحدر ليعيد الكرّة في رفع الصخرة.. يجب أن نتصوّره سعيدًا.. إنه سعيد..”. فما دام الإنسان موجودًا في الحياة، فليقبلها وليتحدى.. الانتحار هروب.. والتحدي هو الأساس.
تبقى إذن قضية الحرية. وكامي يربط قضية الحرية بوجود الله، فيتساءل قائلًا: “إن معرفة كون الإنسان حرًّا أو غير حر، تشتمل على معرفة ما إذا كان له سيد ـ أي له إله ـ فنحن إما أن نكون غير أحرار وأن يكون الله القوي مسؤولًا عن الشر، أو أن نكون أحرارًا ومسؤولين وأن يكون الله غير قوي. وينتهي كامي إلى إنكار وجود الله وتحميل الإنسان مسؤولية أفعاله، وهو بذلك، وفي تلك الفترة من حياته، كان قريبًا وصديقًا للوجوديين، ولسارتر Jean – Paul Sartre
بصورة خاصة، ومن ثمرات هذه الفترة، التي لا أنظر إلى أفكاره فيها بعين الرضا، قوله:
“تأخذ الثورة ضد الوضع الإنساني شكل غزوة لا يُكبح جماحها ضد السماء، فيتحول ملك السماء إلى سجين ويعلن انهياره ثم يحكم عليه بالإعدام.” هذه أقوال ابن الحرب الضال، الذي لم ينزل الله ليحارب معه بالبندقية، ليجعله يؤمن به.. إنها نفس أفكار سارتر والوجوديين التي ما لبث كامي أن نبذ قسمًا كبيرًا منها.
وقد تجسمت فلسفة كامي العدمية هذه في مسرحيات أشهرها كاليغولا، وسوء تفاهم، وفي قصة الغريب. ففي مسرحية كاليغولا يتصرف بطلها تصرفات غير معقولة فيجازي المحسنين ويكافئ المسيئين، وينطلق بعبثية توقظ في نفوس أتباعه التأمل، والنظر إلى عبثية الحياة. إن كاليغولا يطلب المستحيل، ويكني عنه بالقمر، ويريد أن يؤكد حريته المطلقة، فيتصرف تصرفات غريبة في القصر ومع الناس. ولنستمع إليه كيف يريد أن يؤكد حريته، بعد أن استنفد أكثر الوسائل، إنه يخاطب الموظف بحضور شيزونيا، يقول:
كاليغولا: المجاعة تبدأ غدًا.. نحن جميعًا نعرف ماذا تعني المجاعة.. إنها كارثة وطنية.. حسنًا غدًا ستحدث الكارثة التي سأنهيها أنا متى شئت. بعد كل شيء ليس لدي طرق عديدة أؤكد فيها حريتي، إن الإنسان حرٌّ دائمًا على حساب الآخرين، هذا عبث ربما، ولكنه حقيقي.
شيزونيا: لا أستطيع أن أصدق أنك أنت.. ولكن ألم يكن كل الذي قلته له مجرد مزاح.
كاليغولا: ليس بالضبط.. شيزونيا، لنقل إنني أعطيته درسًا في إدارة الدولة.
شيزونيا: ولكن.. هذا مستحيل.
كاليغولا: هذه هي فكرتي، إنني أستغل المستحيل.
إن كاليغولا يعبث .. لماذا؟ لأنه لا يريد أن يعترف له بسيد في الحياة وبعد الحياة، يقول: “وما فائدة سلطتي العظيمة إذا كنت لا أستطيع أن أجعل الشمس تغرب في الشرق..” إذا كنت لا أستطيع تخفيف الآلام.. أو أن أقضي على الموت”.
ولأنه يرفض أن يعيش في عالم متقلب ويريد أن يعرف أين يقف؟ وأن يقف بأمان، لذا يتصرف بعبث..”القوة حتى الذروة والرغبة حتى النهاية”.
وفي مسرحية “سوء تفاهم”، يجعل الأم وابنتها تتصرفان من خلال قسوة عدمية عابثة، فتلقيان زبائن الفندق الذي تمتلكانه في النهر، غير آبهتين بالألم البشري، ومن دون أن يتحرك فيهما حس إنساني.. إلى أن ينتهي بهما الأمر إلى إلقاء أقرب الناس إليهما في النهر. ثم تختتمان حياتهما المشؤومة بالانتحار. في هذا الجو القاتم الكئيب كانت تدور مسرحيات كامي الأولى.
وفي قصته الغريبة يتصرف بطل القصة ميرسو بعدمية وعدم اكتراث عجيبين، يمثلان العبث وتبلد الشعور عند البطل بصورة غريبة. ويكتفي البطل بأن يعلق على الحوادث من خلال ذاته المتناقضة كل التناقض مع العالم المحيط به.. إنه غريب عن العالم، أو أن العالم غريب عنه. إنسان لا يكترث لموت أمه، ويبني علاقات مشبوهة مع امرأة في اليوم التالي لدفن أمه، ثم يطلق الرصاص على شخص بدافع من حرارة الشمس، كما يقول.. ويمثل أمام المحكمة بغرابة، وكأنه غريب فعلًا عن دنيا هؤلاء الناس. ويرمي كامي من وراء تصوير بطله بهذا الشكل إلى القول: إن المحكمة التي حكمت على ميرسو بالموت، حكمت عليه من خلال مفاهيمها ودون النظر إلى عالمه ومفاهيمه؟! فياله من تبرير.. ويا لها من إدانة!! هل ينبغي أن يقتل العبثي الناس ونبرئه، لأن مثله ومفاهيمه تسمح له بأن يتصرف هكذا؟!
وأي مملكة هذه مملكة العبث التي يطلق فيها الإنسان النار على الإنسان، لأنه يشعر بأنه منفي بين البشر، لا يقاسمهم شيئًا من عواطفهم، ولا يخضع لشرائعهم، ومع ذلك ينتهي به الأمر إلى الوقوع تحت ضرباتهم”؟! ونلاحظ هنا بوضوح أن الأمر لا يمكن أن يكون كذلك، فميرسو، بطل كامي، يعيش في نفس المجتمع، ويعاشر أشخاصًا منه، ويكسب قوته من العمل فيه.. فكيف لا يخضع لشرائعه؟! لقد صوّر كامي أناس المجتمع الذي حكم على بطله ـ إذا أخذنا بتفسير سيمون ـ تصويرًا مجحفًا، فجعلهم قساة، بينما استشفيت من القصة أن ميرسو مدان حتى من قبل الكاتب نفسه.
بعد الانطلاق في دروب العبث، والعدمية، واللا جدوى، فترة غير قصيرة من الزمن، كان كامي خلالها يتفاعل مع الحياة فينضج ويكتشف بعض أخطاء وتناقضات قضاياه التي طرحها في أسطورة سيزيف، فيعدل فيها ويصوغ مذهبه، بعيدًا عن جو الحرب المؤلم الذي كتب فيه أسطورة سيزيف.. أقول بعد هذه الفترة، وفي عام 1951 ظهر لكامي كتاب هو الإنسان الثائر، أو المتمرد، وكانت نواته بحثًا كتبه كامي بعنوان الوجود، طوره ونشره على هيئة كتاب شرح فيه مذهبه الفلسفي، مذهب التمرد، أي الاحتجاج ضد القوة الغاشمة المطلقة.
والمتمرد إنسان يرفض الطاعة، ويقول لا في وجه من يضغط عليه ويحاول أن يسلب منه حريته، أو خصوصياته، أو يريد أن يتدخل فيهما. ومعنى الثورة هنا ومغزى التمرد قويان، فالشخص الذي يقول لا، يقولها عندما يتجاوز المعتدي الحدود. ومعنى هذا أن هناك حدودًا.. أي هناك طبيعة بشرية، وحدود عند تجاوزها تبدأ الثورة البشرية الطبيعية. هذا الموضوع، وموضوع آخر في كتاب المتمرد، هو إهمال كامي لدور التاريخ والاقتصاد في الثورات.. كانا أساس الخلاف بين كامي وسارتر، فلم يكن كامي إذن في يوم من الأيام مطمئنًا في أحضان الوجودية، بل كان خارجًا على “طوباوية” سارتر، وعلى إنسانه الوجودي الذي لا وجود له في الواقع المعيش.
والثورة عندما يقوم بها الشخص من أجل أشياء خاصة به، فإن فائدتها تعود على شخصه ذاته، وعلى المجموع الإنساني. والثورة عند كامي أنواع، فهناك الثورة الميتافيزيقية، ويعرفها كامي بأنها “الحركة التي بها يثور المرء على حاله وعلى الخليقة كلها، إنها ميتافيزقية لأنها تعارض في سلامة الغايات الخاصة بالإنسان وبالخليقة بأسرها. الثائر الميتافيزيقي يحتج على الوضع المقدر له، بوصفه إنسانًا، “فالثائر الميتافيزيقي هو ثائر ملحد إذن ومجدف”. والثورة التاريخية هي ثورة يواكب فيها التغيير سائر الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ومن هذا المنطق الجديد الذي بدأه كامي في كتاب التمرد، بدأت تبرز النزعة الإنسانية بصورة أكثر جدوى، وأكثر فائدة لبني الإنسان. ولكن الطريق التي سار فيها كامي حين ذاك، لنفع الإنسان، لا يمكن أن تؤدي لخير الإنسان ونفعه، فالعبث، واللاجدوى، وكل تلك المواقف العدمية.. لا تفيد إلا في إسباغ جو الكآبة على الحياة، أما التمرد فقد أعطى للوجود ولدور الإنسان فيه معنى آخر. أجل هناك ثغرات ولكن هناك نضج وفوائد كبرى، إذا ما قيس ذلك بالعبث المجدب.
كتب كامي بعد ذلك مسرحية أعدُّها من خيرة مسرحياته، إن لم تكن خيرة مسرحياته على الإطلاق، وهي العادلون، تلك القطعة الأدبية الرائعة، التي تتجلى فيها روح كامي الإنسان الشاعر الذي ينصر إنسانية الإنسان، ويفلسف الثورة والعنف ويصبغهما بلون إنساني ويربطهما بشروط وبوسائل إنسانية، ولغايات إنسانية.
تدور حوادث هذه المسرحية في روسيا القيصرية، حيث تجتمع فئة من الفوضويين الإرهابيين تريد أن تقتل القيصر، لتخلص روسيا من ظلمه، ويستقر رأي المنظمة على أن يلقي كالياييف القنبلة الأولى على القيصر. ولكن عربة القيصر تمر، ولا يلقي كالياييف قنبلته عليها، لأنه شاهد إلى جانب القيصر طفلين صغيرين يركبان في العربة. ويعود ستيبان، أحد أفراد المنظمة، وأكثرهم تطرفًا، يعود غاضبًا محنقًا يزمجر ويتهم كالياييف بالجبن. ويشترك الجميع في المناقشة، ونسمع هذا الحوار بين ستيبان ودورا، الفتاة الوحيدة في المنظمة، وهي تحب كالياييف.
دورا: أفتستطيع أنت يا ستيبان أن تطلق النار على طفل عن كثب، وأنت مفتوح العينين؟
ستيبان: أجل أستطيع ذلك إن أمرتني به المنظمة.
دورا: ولماذا تغمض عينيك؟
ستبيان: وهل أغمضتهما؟
دورا: أجل.
ستبيان: إذن قد يكون بودي أن أتصور المشهد بحذافيره، وأن أجيب وأنا عليم بالأسباب والنتائج.
دورا: افتح عينيك إذن.. وافهم تمامًا أن المنظمة تفقد سلطانها وتأثيرها، إن هي تسامحت لحظة واحدة في أن يُسحق أطفال بقذائفنا.
ستبيان: إن حنان قلبي لا يتسع لمثل هذه الترهات.. إنني أعلنها صراحة، إننا يوم نعزم على أن ننسى الأطفال، عندها نصبح سادة العالم، وعندها أيضًا تفوز الثورة وتنتصر.
دورا: وفي ذلك اليوم تزدري الإنسانية جمعاء ثورتنا وتحتقرها.
ستبيان: وأي حرج في ذلك، إن نحن أحببناها بكل جوارحنا، لنفرضها على الإنسانية جمعاء، فنحررها من نفسها وعبوديتها؟
دورا: ولكن ما العمل إذا نبذت الإنسانية جمعاء ثورتنا، وما العمل إذا أبى الشعب بأجمعه، الذي من أجله نناضل، أن يُقتل أطفاله زورًا وبهتانًا.. فهل يجب أن نسحقه أيضًا؟
ستبيان: أجل وبكل تأكيد، يجب أن نُعمِل فيه هراواتنا إذا لزم الأمر، إلى أن يفهم. وأنا أيضًا أحب الشعب يا دورا.
دورا: ليس للحب هذا الوجه.
ستبيان: ومن قال هذا؟
دورا: أنا دورا.
ستبيان: إنك امرأة.. وإن لك نظرة مسكينة في الحب.
دورا: ولكن عندي فكرة صائبة عما هو العار”.
إن ستبيان يحمل أفكارًا متطرفة عن الثورة، ونفهم منه أن الوسائل لديه تتساوى في الوصول إلى الهدف. ويقف سائر أعضاء المنظمة، ومن خلفهم كامي، في وجه ستبيان، وفي وجه الذي يبيح أن تفنى البشرية في سبيل أن يصل إلى هدفه، الذي يزعم أنه هدف إنساني.. وأنه يعمل للآخرين، لجيل يأتي بعده وينعم بنتائج أعماله، أما كامي فيجيب على هذا القول بلسان كالياييف:
كالياييف: آخرون.. أجل أما أنا فأحب الذين يعيشون على الأرض التي أعيش عليها الآن.. وهم الذين سأحييهم.. إنني من أجلهم أناضل، وفي سبيلهم ارتضيت بأن أموت، ولن أصفع وجه إخوتي هؤلاء في سبيل مدنية بعيدة المنال، لن أضيف إلى ظلم قائم يسعى، ظلمًا آخر، من أجل عدالة لا تزال في طي العدم”.
ويُرجئ أعضاء المنظمة قتل القيصر إلى فرصة أخرى، ويقدم عندها كالياييف على إلقاء القنبلة، ويُلقى القبض عليه ويعدم، محققًا كما حقق كامي قوله في حياته لا في موته، حين قال: “إن الموت في سبيل الفكرة، إن هو إلا الطريقة الوحيدة للسمو إلى صعيد الفكرة، إن هو إلا تبريرنا الوحيد”.
ونشر كامي كتابه “رسائل إلى صديق ألماني”، الذي يتضمن التعبير الأنموذجي الأولي عن امتحان الضمير، الذي طال البحث عنه، ذاك الذي بدأه كامي بعد ذلك، كما يقول كروكشانك. ومن كتبه السابقة التي لم نذكرها الزفاف والصيف، والأخير مجموعة مقالات ظهر تأثّره في بعضها باليونان.
وبعد مسرحية العادلون ظهرت أقوى رواياته وأشهرها “الطاعون” التي وصل فيها كامي إلى درجة الإعجاز.
والقصة تصوّر وباء حل بمدينة وهران، تلقاه الناس في البداية غير آبهين، ثم أخذ أمره يستفحل، فبدأ الاهتمام من الجهات الرسمية بطيئًا، وأخذ يتزايد مع الأيام ومع تقدم الوباء. وقد عم الغلاء والكآبة جميع أنحاء المدينة، وظهرت نوازع البشر السيّئة، فاستغل بعضهم بعضًا فترة من الزمن، إلا أن الوباء أخذ يزداد إلى أن اجتمع حول الدكتور “ريو” بعض الرجال، وعرضوا عليه أن يشتركوا في الحملة الوقائية، ووافق بسرور. وبدأت الحملة تصيب أنواعًا من التوفيق، إلى أن قضت على الوباء، وعم السرور المدينة من جديد، وأصبح للشمس جمالها وللربيع صفاؤه.
وفي هذه الرواية نلاحظ أن كامي جعل الناس في وهران يشعرون بالمسؤولية، ويتكتلون جماعات ضد الوباء.. ضد الخطر الخارجي، دفاعًا عن الحق في الحياة، وعن إنسانية الإنسان، عن المرضى، والأطفال، والضعفاء. وكامي يرمز بهذه الرواية إلى وضع بشري في حالة خطر أهم وأشمل من وهران، فيفترض أن تقع بدل الوباء حرب مثلًا، ففي هذه الحالة يتوجب على الناس أن يؤازر بعضهم بعضًا، لكي يقضوا على الخطر المحدق ببني الإنسان.
ويعتبر النقاد هذه الرواية من أحسن الروايات التي كتبت في القرن العشرين، ويعلق الدكتور طه حسين عليها، في كتابه ألوان، فينعت قسميها الأخيرين بضعف البناء، ويتهم الكاتب بالإملال في بعض الأحيان، كما أنه يشك في قدرتها على الرمز، الذي قال النقاد إنها تعبر عنه. وقد حازت هذه الرواية على جائزة نوبل للآداب عام 1957 وتلقى كامي الجائزة معلنًا أنه فرنسي من أصل جزائري.
كتب كامي بعد الطاعون رواية “السقوط أو السقطة”، وقيل إنها غامضة في أسلوبها، ولكن آخر ما كتب مجموعة قصص باسم “المنفي والمملكة”، ومن بين قصص هذه المجموعة قصة بعنوان “فنان يعمل”، جعل فيها كامي الإنسانَ يصل عن طريق العزلة إلى التضامن مع عصره. وكانت هذه لطمة لسارتر وفكرة الالتزام. ولم يكن كامي ليتخلى عن عصره أو أناس عصره، فقد وقف مع الإنسان المظلوم، مع الإنسان البائس، وقاتل بيده وبقلمه من أجل كرامة الإنسان وحريته، وكان يقول: “الهدف الأوحد للفن ولحياة الإنسان هو أن يضاعف من حصيلة الحرية والمسؤولية الواجب توافرها لدى كل إنسان ولدى العالم بأكمله”.
وكان يؤمن بأن هناك أشياء في الإنسان تدعو للإعجاب أكثر مما تدعو للاحتقار.. “وفي جميع معارك عصرنا كان ألبير كامي في صف الذين لم ييأسوا أبدًا من تحقيق شرف ما”، وكان يقول: “لم أستطع أن أجعل نفسي أبصق، مثل كثيرين، على كلمة الشرف، وهذا مرجعه أنني ما زلت أعرف أن الشرف كالشفقة، فضيلة لا تخضع للمنطق، فضيلة تحل محل العدالة والعقل اللذين صارا عاجزين”.
عند كامي، كما عند سائر جيل الحزن، أفكار أملتها ظروف الحرب، وقسوة الحياة، وفظاظة الآلة. ولكنه يختلف عن سائر أبناء جيل الحزن في أنه أقلهم غلوًا، وأكثرهم شاعرية. قضى حياته بعد عام 1940 في باريس، يحرر في الصحف، ويكتب، ويناضل.. تظاهر بالوقوف إلى جانب عرب الجزائر، وكان إنما يقف إلى جانب فرنسا.. ناصر الإنسان المظلوم أينما كان، وأخلص للعبث حتى في موته، فقد أكد في موته ـ دون قصد ـ مذهبه الفلسفي، إذ مات بعبثية كاملة.. دونما تحد، ودونما تمرد، وبلا ثورة.. فبينما كان يقود سيارته في طريقه إلى باريس، عائدًا من الريف، في 4 نيسان ـ أبريل 1960 حاول تفادي عربة فاصطدمت سيارته بشجرة فمات لتوّه.
صمت ألبير كامي وحكت آثاره.. حكى مورسو.. وريو.. وتارو.. وكالياييف.. ودورا.. وكاليغولا.. رسل كامي إلى الوجود البشري.. رسل فنان شاعر قبل أن يكون فيلسوفًا، أغدق من الفلسفة على الأدب أفكارًا، وألبس الأفكار حلل كلمات الشعر، وأخلد، تقريبًا، في فلسفته الأخيرة إلى حلول فلسفية يونانية.. فيها من وحي البحر والشمس والسماء الصافية الشيء الكثير. ولا عجب في ذلك فشمس الجزائر وبحرها وسماؤها. وليالي البؤس في مدنها، إنما هي التي أوجدت كامي الفرنسي.
ولا يمكن أن نجد في إنسان العصر هذا، ولا في إنتاجه، بعدًا عن السياسة والفكر السياسي، مهما حاولنا الاجتهاد، ولكنه لم يكن صاحب شعارات، بقدر ما كان صاحب رسالة ومبدأ، ورجل فكر وأدب.

إلى الأعلى