السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حين تتخلى أوروبا عن ضميرها في محطة قطارات!

حين تتخلى أوروبا عن ضميرها في محطة قطارات!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

أربك تدفُّق موجات اللاجئين المجتاحة لتخوم أوروبا الجنوبية اتحادها القلق. داهمتها نتائج مآسٍ أسهمت مع أميركاها في صناعتها. وإذ فاجأتها، أفزعها ما ستحصده من عواقب ما شاركت في اصطناعه، وبالغت عنصريتها العريقة في تضخيم إحساسها بما سيحمله إليها هذا التدفق من أعباء وما تتخيله من مخاطر، فلم يعد بالإمكان الآن الحؤول دون افتضاح نفاقها الإنسانوي الزائف… أسقط الذي لطالما ولكثر ما تغنَّت وفاخرت به ما خلاها من قارات الكون.
هذا الطارئ غير المتوقع سرعان ما كشف عن اهتراءات يصعب رتقها في الثوب الأوروبي الفضفاض المتباينة مصالح رقعه الثمانية والعشرين، كبيرها مع صغيرها، وغربها مع شرقها، وشمالها مع جنوبها، ناهيك عن ما هو بين كبارها وكبارها وما هو بين صغارها وصغارها. وإذ كشف ما كشف، كان أول ارتداداته انهيار قواعد اللجوء المتوافق عليها، وظهور قائمة الانقسامات المتعلقة بين دول الاتحاد، وانسحابها على مجتمعاته، التي توزَّعت بين قطاعات واسعة باتت مرتعًا لإسلاموفوبيا يرفدها تنامٍ للفاشية وتصاعد لليمين المتطرِّف، وكلاهما يركب الآن موجتها، وأخرى هزَّت ضميرها فعلًا مأساة “شاحنة العار”، كما بات يطلق على ضحايا شاحنة اللاجئين الواحد والسبعين الذين اختنقوا داخلها على الحدود المجرية النمساوية… وصولًا إلى المشهد المريع للآلاف المكدَّسة المنقطعة بها السبل في محطة القطارات المركزية في بودابست، والذي طرح سؤالًا محيِّرًا حام في سماء المدينة قبل أن يفعل في كافة القارة ويتعداها إلى العالم دون أن يجد جوابًا شافيًا أو معقولًا حتى الآن، وهو: إذا كانت المجر، وهي بلد عبور لا استقرار للاجئين، لا تريدهم فيها، لدرجة أنها أقامت سياجًا شائكًا لمنع قدومهم على طول حدودها مع صربيا، ومن وصلها منهم لا يريد بقاءً فيها، كما أن مقصدهم من الدول، ومنها ألمانيا والنمسا، قد أعلنت استعدادها لإيوائهم، فلماذا تعمد حكومتها فجأة إلى إخراج من ينتظرون قطاراتهم داخل المحطة، وضمهم لمن ينتظرون دورهم خارجها، وإقفالها للحؤول دونهم والمغادرة إلى حيث من يقصدونه ويقول بأنه سيستقبلهم؟؟!!
هناك تسليم بأن المجر بلد صغير محدود الإمكانيات ولا يقوى حقًّا على تحمُّل مسؤولية إيواء مثل هذه الموجات من اللاجئين، لكنما الإجراءات المجرية، التي ترفض مرورهم بديارها وتمنعهم من مغادرتها، يصعب تفسيرها حتى لدى المجريين العاديين، إلا باثنتين:
الأولى: إن تباينات المعلن الأوروبي من هذه المسألة هي أكثر من واقعها المبطن، وإن كانت فظاعة “شاحنة العار” قد هزَّت ضمائر كثير من الأوروبيين العاديين فأحرجت حكوماتهم، فهي لم ولن تغيِّر من مبدأ رفض استقبالهم كسياسة أوروبية منتهجة لدى الجميع، منهم من يعلنها، ومنهم من يموِّهها، وحتى من يستنكرها، وهناك من لا يخجل من إشهارها، كسلوفاكيا، التي تقول جهارًا نهارًا إنها لن تقبل بلاجئ مسلم على أرضها، وعليه، يمكن فهم المفارقة المجرية بأنها وليدة ضغوط مورست من تحت الطاولة على المجر لإجبارها على احتمال ما لا تقوى على احتماله، أو يحيلها مصدًّا للاجئين يريح منهم من يظهرون تسامحًا معلنًا حيالهم ويتحايلون للتهرب من تبعات أريحيتهم. إنه الأمر الذي يشي به تناقض وتبدُّلات مواقف الأطراف المعنية، مثلًا، بعكس ما يراد أن تعكسه تصريحات ميركل التسامحية، تؤكد برلين أن “قواعد دبلن” ساريةً، بمعنى “إن من يصل المجر يجب أن يسجَّل هناك ويمر بإجراءات اللجوء هناك”. ومن هنا يأتي طلب بودابست من برلين توضيح حقيقة مواقفها، مع تأكيدها على أنها لا تفعل أكثر من “تطبيق قوانين الاتحاد الأوروبي بدقة”، أما النمسا فتكثر من الحديث عن “العبور الآمن”، وإجراءات التوقف، واشتراطات القبول، وتصف وزيرة داخليتها اللاجئين بـ”مهاجري الحروب”!
الثانية: إن اليمين القومي الحاكم المتحالف مع الديموقراطيين المسيحيين بزعامة رئيس الوزراء فيكتور أوربان والمهيمن على الساحة السياسية المجرية لامتلاكه الأغلبية في البرلمان، الذي أقر بناء السور الشائك ويناقش وضع قانون لجوء جديد أكثر تشددًا، لا يجد ولا يخشى فيها منافسًا أو معارضًا له، إلا من هم على يمينه، كحزب “يوبِّك” الأشد تطرفًا، والمعادي للأجانب والغجر ومعهما الاتحاد الأوروبي، والممتلك الآن لما يقارب ربع أعضاء البرلمان، لذا، أتاح له تدفق اللاجئين اختلاق فزاَّعة “لخطر” خارجي يستثمر داخليًّا تشدده في مواجهته. البدايات كانت في الاستبيان الشعبي الشهير، فالحملة التحريضية الحكومية على “المهاجرين”، البادئة منذ شهور والبالغة حد نصب أكثر من ألفي لافتة في الميادين العامة، منها، “إذا قدمتم إلى المجر لن تأخذوا وظائف المجريين”، وأن يصرِّح نائب مجري”لا نريد خلافة إسلامية في أوروبا”، ويطالب آخرون بنشر الجيش على الحدود… إلى تصريحات رئيس الوزراء الأخيرة الموحية بأن المجر قد باتت أوروبيةً أكثر من الأوروبيين والمتطوعة وحدها للدفاع عن حياضهم!
لكن، وللإنصاف، هناك أيضًا حالة من تعاطف شعبي مع اللاجئين، تبدَّى في بعض اللافتات المرحِّبة بهم، والتي نصبت مقابل تلك الرسمية الكارهة لهم، وما تيسر من مساعدات يتلقونها من جمعيات وهيئات شعبية ومتطوعين، والمواقف المستنكرة والشاجبة للإجراءات الحكومية من قبل شخصيات ثقافية معروفة، من بينها الشاعرة فِراغ اردوش، التي نشرت بيانًا بعنوان “ليس باسمي” ترفض فيه السياسة الرسمية تجاههم، التي قالت إنها تذكِّرنا بالمراحل الأكثر قتامةً في تاريخ المجر، ليتحوَّل هذا العنوان لاحقًا إلى شعار لمظاهرة شاركت فيها أمام البرلمان… يتملَّص الأوروبيون من مسؤولياتهم الإنسانية والأخلاقية والقانونية تجاه اللاجئين بوصفهم بالمهاجرين الإقتصاديين، متجاهلين أن أغلبهم قد بنى رفاهيته على إفقار ما عداه، ويخيفون شعوبهم من “تدفُّق الإرهابيين”، مُغفلين أن تدفُّقهم لم يك إلا معكوسًا، أي من أوروبا إلى المنطقة العربية… الضمير الأوروبي الآن يتم حبسه في محطة قطارات…

إلى الأعلى