الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: على الشاطئ فضيحة عرب

باختصار: على الشاطئ فضيحة عرب

زهير ماجد

حزن البحر أعمق من وجوه عرب لم يرحموا طفولتنا. لم يتحمل حزن البحر مأساة كتب بداياتها بعض العرب وكل الغرب ولا يريدون نهاية لها .. قصاص برسم تدمير عالم متكامل: الإنسان والطبيعة والمنازل والمياه والخيرات المترسبة، والأنفس البريئة.
ستمر صورة “إيلان” على شاطئ بوردروم التركي كأنها مرت خيالا، سيتوجع البعض ساعات وربما دقائق على طفولة لم تكمل حتى شبابها .. قتلها الحقد المعقود في الجبين، والمسمر في العقول، والمحتدم في القلوب. قتلتها وحشية المال المتدفق على عروق الإرهاب ومن أجل الإرهاب .. قتلها الثأر من كل من استجاب يوما إلى القومية والعروبة، ومن رسموا الحرية مستقبلا لشعوبهم. قتلونا لأننا تفاهمنا مع الذاكرة الإنسانية.
“إيلان” فضيحتهم، كل طفل سوري وعراقي وليبي وغيرهم يشكو ربه من أولئك الذين رسموا بلادنا مقبرة لا يريدون أن يبقى فيها سوى من تغني نايه حزن عالم وقف ضده العالم، فإذا ببعض العرب في طليعته.
كيف نرى صورة ذاك الطفل وهو طفلنا جميعا، هو أبو مستقبلنا وأبونا جميعا .. كانت له مساحة سكون وحرية وأمل ووداعة في بلاده سوريا، فجاء الأوباش من كل صوب ليهزموا حلمه، ليفتتوا خلاياه من أجل أن يعيدوا تكوينها كما هي مدرستهم. لم ينج “إيلان” ولا كل أطفال سوريا من عالم ظنوا أن حديثه عن الطفولة تخصه، لم يركب البحر لأنه يهوى السباحة أو مشقات السفر المرعب بطريقة الموت المجاني، وإنما ركبه بعدما قتله رصاص العرب في بلاده، فأخرجوه منها كي يموت أمام عيونهم، وتلك من لذائذ ما يفقهون.
على الشاطئ تمددنا جميعا، كنا هنالك أمواتا وكان البعض العربي يكثر ابتساماته، يأخذ الصور التذكارية كي لا ينسى مرارة شعب لم يقرر السفر بالطريقة الغوغائية إلا لأنه أجبر عليها، فماذا يفعل أمام مطارداتهم، سوى ركوب المخاطر.
في كل يوم يموت أطفالنا ويقتل رجالنا ونساؤنا، وتدمر بيوتنا، ولا أسف أو إحساس بأنه الشقيق وابن الشقيق، وعم الشقيق وخاله … عائلات بكاملها تنتمي إلى روح متأصلة في وطنيتها. ومن الأسف أن الموت يزيد، يريدون موت أطفالنا كي لا يكبروا، ورجالنا كي لا يولدوا، ونسائنا كي يتخلصوا من أرحامهن .. يولد بعضنا ثمرة لتجارب تلذذ الآخرين برؤيتنا نموت بدل أن نتناسل.
ومع أن الأفكار العظيمة فينا تركناها فهم يلاحقوننا على ما كان منها لدى الآباء أو الأجداد .. يجب أن تموت الجذور كي لا تورق الأغصان وتعود لها عافيتها ذات يوم. فكر صهيوني يقوم على أن العربي الجيد هو الميت، فلماذا يولد الفقراء العرب كما قال أحد المسؤولين العرب لمن زاره طالبا منه مالا.
ومع ذلك لن نكتب قصيدة رثاء، سنقول ما قالته الشاعرة فدوى طوقان إلى الشاعر محمود درويش “يمينا بعد اليوم لن أبكي”، وبعد اليوم ستظل العروبة حلمي، والقومية خلاصي، والوحدة منبع إيماني ومدرسة جمال عبدالناصر الذي يمقته بعض هؤلاء مدرستنا جميعا وخلاصنا القادم.

إلى الأعلى