الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (174) : تيسير النحو (5/9)

نافذة لغوية (174) : تيسير النحو (5/9)

على الرغم من أن النحاة العـرب لا يخالجهم شكّ في أن (المتكلّم) هو الذي يعمل وليس (العامل)، فإنهم لم يروا بأساً في نسبة العمل إلى العامل؛ لأنه السبب في الاهتداء إلى كشف المعنى المراد من الكلمة، أو المرشد إلى المعاني والرموز. ومن المفيد التذكير بهذا الأمر دائماً؛ لأن التعليم المشوَّه كاد يُقصي (المتكلِّم) عن العمل ويحلّ (العامل) بدلاً منه. وفرقٌ كبير بين القول إن المتكلم هو الذي يدرك كون الكلمة فاعلاً أو مفعولاً، والقول إن النحو (أو العامل) هو الذي يُحدِّد كون الكلمة فاعلاً أو مفعولاً. صحيح أنه لا عيب في أن نقول إنّ (كان) ترفع المبتدأ وتنصب الخبر من باب نسبة العمل إلى العامل (أي: كان)؛ لأنه يرشد إلى المعنى المراد (اتّصاف اسم كان بخبرها في الزمن الماضي)، لكنّ الصحيح أيضاً أن التعليم نسي التذكير بالمتكلِّم وهو الأصل، وراح يُغذّي في المتعلمين أن العامل هو الذي يعمل، ومن ثَمَّ رأينا هـؤلاء المتعلمين يُردّدون: (كان ترفع المبتدأ ويُسمَّى اسمها، وتنصب الخبر) وهم مؤمنون بأنه ليس وراء (كان) شيء يعمل، وأنها وحدها العاملة. وهذا خطأ التعليم وليس خطأ النحاة.
المتكلِّم هو الذي يُحدِّد فاعل الفعل ومفعوله، واسم كان وخبرها، فكيف يخطىء في حركة الإعراب إذاً؟. يجيب الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في تيسير تعليم اللغة العربية المنعقدة بمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1977 عن هذا السؤال إجابة دقيقة أتفق فيها معه وآمل أن تكون مفتاحاً لقضية تيسير النحو. يقول: ” الظاهرة الصوتية التي يجب أن تلحق آخر المفردة عندما تكون في جملة موكولة بالأساس إلى إدراك المتحدّث والكاتب الصوتَ أو الرمزَ الذي يجب أن يضعه على آخر الكلمة متى أدرك وظيفة الكلمة، فإنْ لم يدرك المتحدّث مهمّة الكلمة في الجملة لا يستطيع النحو مهما أُحكمت قواعده أن يذكِّر بالصوت الذي يجب أن يوضع على آخر الكلمة في الجملة. ومتى سلّمنا بذلك وقصرنا دور النحو على التذكير بالصوت الذي يوضع على آخر الكلمة في الجملة، ثم آمنا بأن دوره التذكيري يجيء متأخراً عن دور الإدراك لمهمة الكلمة، أعفينا النحو من تحمُّل مسؤولية الخطأ واللحن. إن النحو لا يُعيِّن كون الكلمة فاعلاً أو مفعولاً، وإنما يُعيِّن ذلك إدراك المتحدّث. ومتى استقرّ في ذهن المتحدّث كونها فاعلاً أو مفعولاً جاء دور النحو بأن يذكّر بالصوت اللازم الذي يوضع على آخر الكلمة. لهذا فإني أذهب إلى أن إتقان علم النحو وأحكامه لا يؤدّي وحده إلى تجنُّب اللحن؛ لأن اللحن يرتبط بالإدراك لمهمة الكلمة في الجملة، وليس للنحو صلة إلزاميّة بإدراك مهمة الكلمة في الجملة. وبعبارة أخرى، إن اللاحن في الغالب لا يجهل القاعدة النحوية في أن الفاعل مرفوع حين يلحن، وإنما يجهل أن تكون هذه الكلمة في موضع الفاعليّة. ولو أدرك أنها في موضع الفاعلية لهان عليه أن يتذكّر أن الفاعل مرفوع، وأن يضع الضمة على آخر الكلمة “. هذه الإجابة الوافية تُذكِّرنا بما سبق قوله من أن القضية الرئيسة في صعوبة النحو ليست لغوية وإنما هي تربوية. ومثالا الطالب والنحوي يصدقان هنا. فهما لا يجهلان القاعدة النحوية وإنما يفتقران إلى تدريب كاف على اكتساب مهارة الحديث التي تعني تدريبهما على إدراك مهمة الكلمة في الجملة. والإجابة نفسها توضِّح خطل المناداة بإهمال الإعراب وتسكين أواخر الكلم؛ لأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين المتكلِّم (أو نائبه: العامل المرشد) والأثر الصوتي (الإعرابي) الذي يظهر على أواخر الكلم. فالأثر هو الرمز الدال على المعنى الذي حدَّده المتكلِّم، ولولاه لاختلطت المعاني، بل فسدت. وحسبك أن ترى جملة خالية من العلامات الإعرابية مثل قولنا: ما أحسن القادم، فإنها بغير ضبط كلماتها تصلح للاستفهام وللتعجُّب وللنفي. وكل معنى من هذه يخالف الآخر مخالفة واضحة واسعة.
ولكنْ، إذا كان هناك ارتباط وثيق بين المتكلّم (أو: العامل) والأثر الإعرابي، فهل يفسد هذا الأثر إذا ألغينا الحركة وسكَّنّا أواخر الكلم؟. إن الإجابة عن هذا السؤال بديهية بعدما تقدَّم؛ لأن الحركـة هي التي تدل على المعنى الذي قصد إليه المتكلِّم، فإذا سُكِّنتْ أواخر الكلم ضاع التحديد وفقد المستمع في أحايين كثيرة الاتصال اللغوي السليم بالمتكلِّم. وعلى الرغم من أن السياق يقود المستمع أحياناً إلى المعنى المراد، فإن البحث العلمي لا يستطيع الاطمئنان إلى أن السياق قادر دائماً على هذا التحديد، ومن ثَمَّ لا بدَّ من بقاء الأثر الإعرابي ورفض تسكين أواخر الكلم.
ومن المفيد أن أضيف مسوِّغاً علمياً يوهِّن الدعوة إلى تسكين أواخر الكلم، هو أن الحركة ليست رمزاً يدل على المعنى المراد في الجملـة فحسب، بل هي رمز يختصر الكلام في الجملة والزمن الذي يحتاج إليه المتكلّم لنطقها. فحين نقول: (أكرمَ محمودٌ الضَّيفَ) نقصد أنه نُسِب (إلى محمود أنه فعل الكرم، فهو فاعل الكرم. فبدلاً من أن نقول: يُنْسَب إلى محمود أنه فعل شيئاً هو الكرم، أو يُنسَب إلى محمود أنه فاعل الكرم، حذفنا هذه الكلمات الكثيرة واستغنينا عنها برمز صغير اصطلح عليه النحاة، يرشد إليها ويدل عليها، ذلك الرمز هو الضمة التي في آخر كلمة محمود. فهذه الضمة على صغرها تدل على ما تدل عليه تلك الكلمات المحذوفة الكثيرة. وهذه مقدرة وبراعة أدّت إلى ادّخار الوقت والجهد باستعمال ذلك الرمز الاصـطلاحي الذي دلَّ على المعنى المطلوب بأخصر إشارة). وهذا يعني أن الحركة رمز يختصر الكلام ويوجز زمنه، فلا إسراف فيه ولا إطالة في زمنه ولا غنى عنه.
أخلص مما سبق إلى أن الاتجاه المعادي طرح قضية تيسير النحو طرحاً غائماً، مفاده الشكوى من تعقُّد النحو وتشعُّبه وكثرة قواعده وقوانينه. وكان أتباع هذا الاتجاه على حق في الإطار العام لهذه الشكوى، لكنهم أخطؤوا الصواب حين شرعوا يطرحون نتيجةً ليس لها نصيب من الدقة العلمية. فالصعوبة، في مفهومهم، تفرض التخلّي عن الحركة في أواخر الكلم واستعمال السكون بدلاً منها تبعاً لعجز المتكلم عن التقيُّد بها. وهذه النتيجة تنمُّ على جهل بالفرق بين المعارف النحوية ومهارة استعمالها في الحديث، وعن إخفاقٍ في تحديد مهمة الحركة في أواخر الكلم وعلاقة المتكلم أو العامل بالدلالة بوساطتها على المعنى في الجملة. وسواء أكانت هذه النتيجة تنمُّ على جهل أم إخفاق أم غير ذلك، فإن محتواها يصيب نظام اللغة العربية الفصيحة بالخلل؛ لأنه يقود إلى هدم الركن الخاص بالرمز الإعرابي. ولا شكَّ في أن العمل الذي يقود إلى هدم ركن من أركان اللغة الفصيحة يستحق صفة (العداء)، ويُعبِّر عن نيّة أعداء العروبة والإسلام قَطْعَ صلة الأمة العربية بتراثها ودينها. ولا بدَّ من أن يكون ذلك حافزاً إلى الردّ بأسلوب علمي. وأوّل خطوات الردّ الاعتراف بأن الإطار العام للشكوى من صعوبة النحو سليم لا غبار عليه.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى