الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عبدالله بن صالح الفارسي ونشر الإسلام في شرق أفريقيا

عبدالله بن صالح الفارسي ونشر الإسلام في شرق أفريقيا

من هو الشيخ عبدالله بن صالح الفارسي؟ هو عبد الله بن صالح بن عبد الله بن صالح الفارسي بن قاسم بن منصور بن حيدر بن أحمد بن محمد الفارسي القطاني. ولد في زنجبار(التابعة لتنزانيا حالياً والتى حكمها العمانيون أكثر من ثلاثة قرون ) بتاريخ 12/2/ 1912م والدته هي الفاضلة فاطمة بنت جابر بن صالح بن قاسم الفارسية . لقد هاجر بن منصور من موطنه في ولاية صحار إلى زنجبار في زمن السلطان برغش بن سعيد ( 1870- 1888 ). لقد دخل الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي المدرسة الابتدائية المركزية في زنجبار عام 1924م بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم، وكان من التلاميذ النُجباء ونتيجة لتعليمه المزدوج استطاع -رحمه الله- أن ينهل من المصادر الإسلامية والغربية التي أهلته أن يحتل موقعاً فريداً ومُتميزاً مقارنة مع العلماء الآخرين في عصره، وأصبح أستاذاً في التفسير والفقه واللغة العربية من نحو وصرف وأدب وبلاغة وعروض ومنطق بل الفلك. وقضى كل وقته في قراءة كتب السلف وترجمتها إلى اللغة السواحيلية ، كما حاول تصحيح كثير من المغالطات العقدية وحارب البدع بجميع أشكالها، وهذه كانت أكبر العوائق التي واجهته في نشر الدعوة إلى الله تعالى؛ حيث لاقى مواجهة عنيفة من معارضيه.
ولقد تتلمذ الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي على يد العديد من العلماء في شرق إفريقيا منهم الشيخ أحمد محمد ملمري من أصول جزر القمر أخذ منه التفسير والحديث والتوحيد والزهد والنحو والصرف، وتُقدر الكتب التي قرأها عليه خمسة وعشرين كتابا، إلا أنه أصبح من أبرز طلابه وكان الشيخ يرجع إليه في بعض المسائل المعضلة. كذلك الشيخ أبو بكر عبد الله باكثير: أخذ منه علم التفسير إلى أن أصبح من أشهر المفسرين في زنجبار بعد شيخه ملمري وحصل منه على إجازة الإمامة والخطابة والتفسير.وتعلم أيضاً على يد الشيخ محمد بن عبد الرحمن المخزومي، أخذ منه علم الفقه الشافعي وأصول الفقه والقواعد الفقهية. وممن تعلم على يديه القاضي الشيخ السميط: وهو أحمد بن السميط ولد في جزر القمر عام 1861م درس العلوم الإسلامية على يد والده ثم الشيخ عبد المحسن أحمد بن جمل الليل – من سادات حضرموت من كبار علماء لامو. وكذلك الشيخ محسن بن علي البرواني، والشيخة فاطمة بنت حماد بن سعيد، من أصول جزر القمر، علمته القراءة والكتابة ثم حفظ القرآن ونقل ذلك عن تلميذه سعيد موسى.والشيخ عبد الباري بن العجزي الأزهري المصري، انتدب من قبل الأزهر الشريف للمعهد الإسلامي، وأخذ منه التجويد والخط واللغة العربية لمدة خمس سنوات 1924 1929م.
ولقد تحلى الشيخ عبد الله الفارسي بمكارم الأخلاق فكان -رحمه الله -يحب الهدوء والمطالعة منذ صغره، فقد أحب أخلاقه القريب والبعيد، وحتى خصومه من أهل البدع الذين أساءوا إليه ويحسن إليهم، ويشتمونه فيمدحهم بالشعر مع قليل من السخرية بلغة راقية الدلالات والعبارة لا يفهم مرامي ألفاظها إلا المتمكنون من أهل اللغة والبيان، ويمكن إجمال أخلاقه في ثلاث نقاط:
الأولى حلمه: كان يضرب به بالمثل بالحلم والتحمل، فكان لا يرد سائلا مهما كثر طلبه، فذكر الشيخ محمد حسن أحد تلامذته أن سائلا كان يأتي إلى الشيخ في مسجده ممباسا يطلب منه نقودا ويعطيه وقد واظب السائل على عمله هذا وكان لا يرده خاسئا، ويروى حكايات كثيرة عن الشيخ رحمه الله.
الثانية: كرمه: فيروى لنا تلميذه في ممباسا أنه كان يكافئ طلابه الذين يجيدون الدرس أو الواجبات، بل ذكر لي أن الشيخ عندما يأخذ راتبه الشهري -عندما كان قاضيا في ممباسا- فإنه يصرفه ويوزعه قبل أن يصل إلى البيت، وقبل أذان صلاة الفجر يعد له الشاي والخبز ، فمجرد أن يأتي من صلاة الصبح يقف أمام بيته فيرحب كل من يمر أمام بيته سواء عرف أم لم يعرف.
الثالثة تواضعه: رغم مكانته العالية علميا ومنصبا؛ حيث كان رئيسا للقضاة في كينيا وهو منصب مرموق (chif khadi) ومع هذا كله كان يحترم الكبير والصغير والغني ولو كان دونه في العلم والوجاهة والعمر.
كان الشيخ عبد الله قد انهي دراسته في معهد المعلمين بزنجبار عام 1932 م وحصل على المركز الأول على جميع زملائه . ثم عمل الشيخ عبد الله بن صالح مدرسا في مدرسة حكومية منذ عام 1933 م واستمر في مهنة التدريس حتى عام 1974 م حيث تم ترقيته إلى درجة مفتش العلوم الإسلامية واستمر حتى عام 1952 م عندما عين مديرا لمدرسة الأكاديمية الإسلامية في حي الجمارك في مدينة زنجبار واستمر في المنصب حتى 1954 ثم مدرسا للمعلمين عام 1955 و1956 م ثم قاضى زنجبار 1960 واستمر حتى عام 1967 م ( )قدم استقالته عن هذا المنصب الرفيع لأجل الأوضاع السياسية الصعبة؛ حيث فرت أسرته إلى مسقط، ثم هاجر إلى ممباسا كينيا 1967 حيث عين قاضي القضاة بتاريخ 17/8/1968م إلى 1981م. مكث ثمانية عشر عاما في ممباسا وكان له جولات وصولات في ممباسا داعيا ومدرسا ومحاضراً في مساجدها إضافة إلى عمله في القضاء إلى أن قدم استقالته عن هذا المنصب ثم سافر إلى مسقط 1982 م مودٍعاً طلابه وأحبابه وأصحابه وداع فراق بعد أن تقدم سنه وضعفت صحته. وفى الثامن من نوفمبر 1982 م فقدت الأمة الإسلامية علما جليلا عاش طيلة عمره لخدمة الإسلام هو الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي في مسقط بسلطنة عمان، وتناولت وسائل الإعلام لا سيما الناطقة بالسواحيلية خبر وفاته فى مختلف دول العالم فأذاع الخبر راديو هولند وصوت الحق فى كينيا وكافة جرائد كينيا وتنزانيا.
الإنتاج العلمي للشيخ عبد الله وأثره في نشر الإسلام
لم يكتف الشيخ عبد الله بن صالح بدوره في التدريس والقضاء بل كان يؤلف كتبا دينية باللغة السواحيلية والعربية وإن كان جلها باللغة السواحيلية. فمن مؤلفاته باللغة العربية التي أقرها الأزهر الشريف 1- عناية الله العظيم بالقرآن الكريم 2- الخلفاء الأمويون3- عرفان الإحسان بترجمة القارئ حفص بن سليمان4- نور البصيرة والبصر في ترجمة القراء الأربعة عشر. ومن مؤلفاته بالسواحيلية:هذه المؤلفات تصل عددها نحو عشرين كتاباً ورسالة من أهمها: 1. تفسير القران الحكيم( QURANI TAKATIFU)، وهو من أشهر كتبه مكتوب باللغة السواحيلية، وهو مرجع أساسي في شرق إفريقيا، ظهرت طبعته الأولي عام 1969م بنفقة من المؤسسة الإسلامية في كينيا (عدد نسخها 93 آلف نسخة) وذلك للحاجة الماسة إليه بحيث كان لا يوجد غيره من كتب التفاسير باللغة السواحيلية، وقد راجع وأجاز بطبعه عدد من العلماء – خاصة ولاية الساحل- وعلى رأسهم الشيخ الأمين قاسم بن علي المزروعي رئيس القضاة بعد الشيخ عبد الله صالح الفارسي..2- تاريخ الإمام الشافعي . 3. بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا. 4.حياة النبي صلى الله عليه وسلم. 5. المواريث. 6. النكاح ومأموراته. 7. اختلاف المذاهب الأربعة في الصلاة. 8. البدعة، وبما أن هذه المنطقة تنتشر فيها البدع والخرافات فأراد الشيخ إعادة المجتمع إلى ينابيع السنة النبوية وسيرة السلف. 9. ثمرات القران. 10. قصة المعراج. 11. زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. ( ).
ولقد خاض الشيخ عبد الله صالح الفارسي مجال التأليف لأول مرة عام 1942 في كتابه بالسواحيلية ( حياة النبي صلى الله عليه وسلم) وصدرت ترجمته للقرآن الكريم بالسواحيلية الطبعة الأولى عام 1969 م والثانية عام 1972 م والثالثة 1980 م . وكتب أيضا في التاريخ والجغرافيا ومن أشهر كتبه في التاريخ كتاب بعنوان (السيد سعيد بن سلطان سلطان عمان وزنجبار) الذي ألفه باللغة السواحيلية ثم ترجمته وزارة التراث القومي والثقافة إلى العربية في عام 1980 م وثم ترجم إلى الإنجليزية عام 1986 م.
ولقد كان منهجه في الاستدلال: يقوم على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. ثم الإجماع ثم القياس. ومقارنة الأدلة والتوفيق إذا تعارضت حسب نظره. ، وهذا منهج معروف لدي الفقهاء قديما وحديثا مثل الإمام الشافعي في قوليه (القديم والجديد) والإمام الطبري والأوزاعي وغيره. وكان شاعراً فحلا باللغة السواحيلية، حيث أنشد شعراً في حفلة استقباله في ممباسا تبلغ خمسين بيتا، كما أنشد بمناسبة تنصيبه رئيسا للقضاة ومناسبات أخرى كثيرة.
البرنامج الإذاعي للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي وموقف بريطانيا منه
لقد كان للشيخ عبد الله صالح الفارسي برنامج ديني يومي منذ عام 1939 م وحتى انقلاب يناير الأسود 1964 م في إذاعة زنجبار واستمر بعد ذلك في تقديم حلقات مماثلة في إذاعة ممباسا بعد أن انتقل للعيش والعمل في كينيا إلا أنها لم تكن بشكل يومي كما كانت في زنجبار( ) ويوضح محاربة بريطانيا للإسلام وجهود الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي انعقاد مؤتمر في مدينة أورشا التنجانيقية وكان ضمن بنوده ( الإسلام والخطورة التي يشكلها على الأمة النصرانية ) وذلك بعد أن ناقش المؤتمر الشيوعية وقال إنها في إطار السيطرة وقرر المؤتمر العمل على كل من شأنه السيطرة على الإسلام في زنجبار لوقف زحفه وانتشاره في دول المنطقة وخرج المؤتمر بتوصيات حيث تقرر مخاطبة المقيم البريطاني في زنجبار ليطلب منه توجيه المعنيين لديه باقتصار تغطية البث الإذاعي لصوت زنجبار على سلطنة زنجبار دون دول الجوار لوضع حد لوصول البرنامج الإذاعي الذي كان يقدمه الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي إلى عمق أفريقيا وفى المقابل طلب المقيم البريطاني في زنجبار بث برنامج عن النصرانية من زنجبار إلا أن الطلب لم يلق قبولا وذلك احتراما لمشاعر السلطان والشعب الزنجباري ولكن بثت إذاعة للنصرانية عرفت بصوت الإنجيل من أديس أبابا واعتمدت على اللغة السواحيلية وسيلة لنقل رسالتها إلى شعب زنجبار. وأخيرا فقد كان الشيخ عبدالله بن صالح الفارسى من الشخصيات العمانية الخالدة التى أسهمت بشكل كبير فى نشر الاسلام في شرق أفريقيا فكانت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة السواحيلية من إنتاجه بالاضافة إلى الكتب الأخرى الهامة في هذا المجال.

د.صالح عبداللطيف
salehmahrous@gmail.com

إلى الأعلى