الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / السخرية في رواية “الذي لا يحب جمال عبد الناصر” لسليمان المعمري

السخرية في رواية “الذي لا يحب جمال عبد الناصر” لسليمان المعمري

بداية، لفهم أعمق لابد أن نتطرق إلى السخرية كمدخل ومفتاح للقراءة في رواية المعمري، حيث ذكر عالم الاجتماع (روبرت ليند) أن المعرفة ليست قوة إلا عندما يعرف الانسان الأمور التي لا يجب أن يقلق بشأنها. هذه المقولة ساقتني للتعرف عن قرب -عندما كنت طالبا بالجامعة في قسم الفنون المسرحية – بالكاتب والمسرحي سليمان المعمري – بلدياتي – كما يقال باللهجة العامية المصرية، ولكن في التعليم والتعلم من جامعة السلطان قابوس، فالمعمري عاشق للمعرفة عن كل جديد من خلال شغفه بالقراءة، فهو المثقف القارئ فلا تجد في المكان الذي يقطنه إلا الكتب المبعثرة ولا تبادله بسؤال عن رواية أو نص سردي الا وتجد منه تعليقا مختصرا، ككتاب يستحق القراءة أو يقذفه بعبارة (هذا الكتاب ضيعت وقتي معه!!). فقوة القراءة هي أحد المداخل الرئيسة لفهم رواية (الذي لا يحب جمال عبد الناصر) التي بنى عليها المعمري سرده المكثف، وروح السخرية متجذرة داخل نسيج هذا البناء المحكم منذ بدايته وحتى النهاية. وتطواف المعمري بين قطاعات كبيرة من الأحداث والشخوص التاريخية والمعاصرة كان محل ثراء فكري خصوصا للجيل الشاب الذي لم يعايش الكثير من الاحداث والشخصيات العربية المؤثرة التي يستدعيها النص، وإن كان المعمري قد تبرأ في بداية الرواية من خلال التنويه عنها بالعبارة التالية: ” تنويه قد لا يكون ضرورياً. شخصيات وأحداث هذه الرواية من نسج خيال الكاتب. فإذا ما تشابهت مع شخصيات أو أحداث حقيقية في الواقع فذلك لا يعدو كونه مصادفة قدرية محضة” مع إن شخصيات الرواية وأنا أقرأها ظاهرة أمامي بشحمها ولحمها أو بما سمعته حولها وعنها، ولكنها أيضا لا تخلو من عدسة الأديب المقعرة التي تعطينا الملمح التكعيبي عن كل الشخوص بزوايا هدفها تشد القارئ حول السرد ونسج الخيالات الأخرى حول ماذا لو كانت ذواتنا هي الشخوص التي تدور عنها أحداث هذه الرواية. وشاركنا بأكثر من عرض مسرحي كان المعمري مديرا ناجحا لخشبة المسرح يسخر من كسلنا كممثلين ويعلق على أخطائنا ويدون في دفتره كلمات كالألغاز كنا نسرق النظر الى ما يكتبه دون أن نفهم شيئا من (الطلاسم) سوى أن هناك فضيحة بجلال تنتظرنا في إحدى كتابات سليمان القادمة. لذا كان هذا بداية دهشتي بالمعمري الذي يتجرأ أن يحكي في قصصه وروايته عن أناس ما يزالون أحياء، بل إنه يوظف أشخاصا تعرفهم البيئة العربية كلها، حيث يُعري الكاتب من خلالها عيوب المجتمع العماني والعربي أمام مرآة كاشفة وصادقة. ويجيد بذلك توظيف السخرية التي يطلق عليه الأوربيون “سخرية الحوادث Irony of events أو ما يسمى سخرية القدر التي تجعل الإنسان يبتسم من مفارقات القدر حينما يتجبر شخص ما وإذا به يغلب بواسطة شيء ضعيف ما كان الانسان يظن أنه سيغلب، وحينذاك يبتسم المرء ابتسامة السخرية، وهذا شائع في حياتنا الدنيا.
قراءتي ستتركز حول ماذا خلُص سليمان المعمري من قراءة الواقع وتناقضاته في بداية القرن الحادي والعشرين؟ وليس ماذا فعل الرئيس المصري جمال عبد الناصر؟ والتداخلات في العلاقات التاريخية التي حدثت بشخوصها وأحداثها ما هي إلا استحضار لماض ألقى علينا بدروسه ولكننا لم نتعلم منه ما يستحق لواقعنا المعاش، لذا نجد العمل الروائي (الذي لا يحب جمال عبدالناصر)، صداميا بعنوانه، ساخرا في مواقفه وشخوصه كونه نبع اللحظة الفارقة في التاريخ الحديث، مسترسلا على لسان ساردٍ تملك أدواته الفنية ولغته فاستحسن استخدام أساليب السخرية الأدبية Satire ، فكان دافعه إليها محاولة منه لفهم ما يدور حوله في المجتمع مع تسليط مرآة مقعرة كبيرة لبعض الأحداث والوظائف لتنال حجمها من أسلوب الكاتب وسخريته عليها، يقال إن من دوافع السخرية هو محاولة المجتمع أن يجعل الشخص يتلاءم مع الحياة الاجتماعية، فإن لم يستطع فقد يكون ذلك راجعا إلى تصلب في الجسم أو تصلب في الفكر أو تصلب في الطبع، وهذا ما تنبهنا إليه هذه الرواية بفصولها الخمسة عشر. فالكاتب يشير صراحة بأن السلوك المجتمعي يقتضي منا انتباها دائم اليقظة، وما دام المجتمع وأفراده لم يصب بأذى، فإنه يُجيب على صاحب التصلب البسيط بأن يجابه بردة فعل من أفراد المجتمع من خلال الضحك، فالمجتمع يود أن يزيل بعض هذا “التصلب” في الجسد والفكر والطبع حتى يوفر لأفراده أكبر مرونة ممكنة، فهذه الصلابة هي المضحك وللتخفيف منها وعلى صاحبها نلجأ إلى الضحك منها وعليها.
فقبل الخوض في تفاصيل العمل الروائي، دعوني بداية في مدخلنا هذا نعرف القراء على السخرية كأسلوب أدبي. يصُعب التحديد الزمني لظهور السخرية في الأدب والفن، فلابد أن السخرية كانت التعبير الأقدم الذي وجده الإنسان لمواجهة الحياة منذ أن عرف أن الموت هو نهايتها المحتمة، إنه أمر يدعو إلى السخرية حقاً، أن يتحول الإنسان على عظمته وسلطته وسطوته وحضوره الطاغي إلى جيفة ترمى في حفرة، وكأن شيئاً لم يكن (هذا مع الاحتفاظ بقدسية الفهم الديني للحياة والموت والحساب).
تُعد السخرية تعبيراً لموقف فكري وفلسفي، وتستعمل السخرية الأدبية في الأدب، كما أنها تؤدي دورًا في الرسم الكاريكاتوري، والمسلسلات الهزلية، والفن المسرحي، والأفلام، والرسم. ويميل معظم الساخرين الأدبيين إلى عرض الصفات السيئة في السلوك البشري، ولعل هذا هو سر كونها تكثف في أعماقها مشاعر ممزوجة بالحزن والألم خلف ما ترسم من ابتسامات تصل أحياناً إلى حد الضحك. إن الشعور بالانفراد السياسي في القرارات مع تشكل المجتمع المدني وظهور السلطة الطاغية قد أضاف دافعاً جديداً لفن السخرية بعد دافع القهر الوجودي، ولابد هنا من التمييز بين فن السخرية وفن النكتة العابرة التي تلقى ثم تنسى، فنحن نتحدث عن فن باق مؤثر له شكله الفني في الرسم أو الشعر أو المسرح أو القصة أو الرواية أو سوى ذلك من أشكال التعبير الإبداعي.
ظهر فن السخرية الأدبية في جميع الآداب القومية، فنجد ملهاة أريستوفانيس تسخر من المجتمع الإغريقي في القرن الخامس الميلادي. كما أن رواية جارجانتوا وبانتاجرويل للكاتب فرانسوا رابيليه تسخر من الحياة السياسية والدينية والأعراف الاجتماعية التي سادت القرن السادس عشر الميلادي. وعبَّر نيكولاي گوگول عن تهكمه وسخريته من المجتمع الروسي في رواياته ومسرحياته في القرن التاسع عشر الميلادي. وتعتبر فترة أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر الميلاديين من أعظم فترات السخرية الأدبية إثراءً في الأدب الإنجليزي. فقد كتب غالبية كتاب ذلك العصر وأهمهم أشهر أعمال السخرية، مثل ألكسندر بوب في كتابه بعنوان دنسياد، والذي هاجم فيه الشعراء والكتَّاب الذين يعتقد أنهم أساءوا استعمال اللغة الإنجليزية. وربمّا يكون أعظم أعمال السخرية الأدبية في اللغة الإنجليزية كتاب رحلات جليفر للكاتب جوناثان سويفت الذي تميَّز أسلوبه بالبساطة والوضوح لدرجة أنه وضع في قالب قصصي للأطفال، رغم أن الكاتب قصد أن يسخر من السياسة، والعلوم، وكثير من المواضيع الأخرى.
وقد عُرفت السخرية الأدبية في الكتابات العربية قديمها وحديثها، وفي القرآن الكريم، إذ نزل القرآن الكريم بلسان العرب وبأساليبهم وقد ورد أسلوب السخرية فيه، كما ورد في غيره من الكتب السماوية الأخرى. وقد وردت السخرية في القرآن الكريم بألفاظ مثل الهزء والاستخفاف والضحك والسخرية. إلاّ أن القرآن أضاف إليها من ألوان القوة والجد ما جعلها وسيلة لردع المتجافين عن اتباع الحق والفطرة السليمة ومحاولة الأخذ بأيديهم إلى الصّراط السّويّ. وأوضح أمثلة الاستخفاف والاستهزاء ما حكاه المولى عز وجلّ عن رسوله إبراهيم عليه السلام مع قومه، وذلك قوله تعالى:﴿ قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم. قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ﴾الأنبياء: 62، 63. وهذه غاية الاستخفاف والتقريع. تلك هي السخرية الرَّادعة التي قُصد بها إصلاح الخلق وأخذهم إلى طريق الحق بكل ما عهدوه من أساليب. ومثلما استخدم القرآن السخرية علاجًا حين قصد بها تقويم الإنسان فقد نهاه عن الاستهزاء قصدًا وظلمًا في التوجيه القرآني الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم …﴾ الحجرات: 11. لأن في ذلك ضررًا أخلاقيًا واجتماعيًا.
وفي أدبنا القديم نجد نصاً سياسياً ساخراً بامتياز، هو حكايات كليلة ودمنة التي يرويها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم وهي من تأليف ابن المقفع الذي وجد في هذه السخرية عن طريق قصص الحيوانات وسيلة للتعبير السياسي، وقد عرفت كل آداب العالم هذا النحو من القص الساخر عن الحيوانات. كما نجد في موسوعات الجاحظ نماذج مثلى لفن السخرية في الأدب العربي القديم، وكتاب البخلاء للجاحظ أبرز هذه النماذج، وكذلك نذكر كتباً شهيرة في أدبنا مثل كتاب الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي، وكتاب الأمالي والنوادر لأبي علي القالي، أو العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، أو الكشكول للعاملي، أو المستطرف من كل فن مستظرف للأبشيهي، وقد أسست أمثال هذه الكتب لنشوء فن الخبر العربي الذي لا يوجد مثيل له في آداب العالم.
و إذا كان الفرنسيون يتباهون بأن شاعرهم الكبير فيكتور هيجو قد ترك لهم أربعة ألاف بيت في الهجاء، فإن شاعرنا العربي بشار بن برد ترك لنا اثني عشر ألف بيت في الهجاء المر والسخرية الضاحكة الحزينة، وقد خلد الناس في ذاكرتهم سخرية بشار، فحتى العامة يرددون إلى اليوم قوله) رباب ربة البيت تصب الخل بالزيت … لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت ).
كذلك أبا العلاء المعري قدم نموذجاً أرقى لفن السخرية ببعده الفلسفي، وقد مزج السخرية الضاحكة بالألم العظيم فجاء فنه من الطراز الرفيع مما يسمى اليوم ( التراجيكوميدي ) وهو ما نراه بوضوح في رسالة الغفران. وفي مجال الفن الكاريكاتيري يكاد لا تخلو جريدة اليوم من وجود هذا التوظيف الفني، فعلى سبيل المثال انتشرت أعمال صلاح جاهين التي انتقدت بعض المظاهر السلبية في المجتمع المصري، وكذلك طوغان والبهجوري ومصطفى حسين وأحمد رجب. أما عن السينما العربية والمسرح فقد قُدمت أنماطًا متنوعة تسخر فيها من سلبيات المجتمع بَدْءًا من جورج أبيض ويوسف وهبي ومرورًا بمدرسة نجيب الريحاني، ومحمد الماغوط، ونجدها في أعمال توفيق الحكيم، والمازني، وزكريا تامر، وإميل حبيبي، وغيرهم. كما احتفى بهذه النزعة الإنسانية كثير من كتّاب الرواية في العالم، نذكر منهم على سبيل المثال؛ مارك توين، وبرنارد شو، وتوماس هاردى، ولويجى بيرانديللو، وماركيز، وغيرهم كثيرون، ولم تَخْلُ الإذاعة العربية من أعمال السخرية الأدبية التي تعالج قضايا المجتمع، واشتهر في هذا المجال في عصرنا الحالي الكاتب الإذاعي يوسف عوف، وفي إذاعة سلطنة عمان الكاتب صالح شويرد كان له اسهام كبير منذ الثمانينات، ولا نريد أن نسرف في تقديم الأمثلة على تألق فن السخرية وعمقه، فحسبنا أن نشير إلى أن هذا الفن عريق في أدبنا وثقافتنا وفننا، وأن عدداً كبيراً من أدبائنا الذين صنعوا نهضتنا الأدبية في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين وجدوا في فن السخرية ميدان تألقهم وإبداعهم .
ونخلص إلى أن السخرية هي الوجه الأكثر فاعلية في نقد الظلم والقهر والقمع في شتى صوره، وإبراز وجه المفارقة والتناقض فيما يجب أن يكون، وما هو سائد فعلا على مستوى الواقع، وقد حفلت الرواية العربية بهذا البعد الإنساني والروحي للفكاهة في كثير من الأعمال التي استلهمت الروح العربية الأصيلة في التعبير عن تأزمات الواقع وتناقضاته ومفارقات الحياة في شتى صورها. لذا سنتطرق إلى السخرية في العناوين المنتقاة، وفي اللغة عند المعمري، وفي بعض الأحداث التي تصب في مصلحه تعميق الصور الكاريكاتورية للمجتمع العماني والعربي بشكل عام.
سخرية موجز الكراهية:
صادمة وشفافة تلك العناوين المنتقاة بعناية للسخرية في العناوين الجانبية التي وضعها المعمري بديلا لأرقام الفصول، وتحت مسمى (موجز الكراهية) بديلا لكلمة المحتوى أو الفهرس.من هنا يصعب أن نضع المعمري في مدرسة أدبية أو تيار ثقافي ثم نغلق الباب عليه ونمضي، فالمعمري اختار أن يؤسس مدرسته الخاصة في هذه الرواية على نفقته القرائية وعلى مساهماته في كتابة القصة القصيرة وفوزه وحصوله على جائزة يوسف إدريس كتتويج لمرحلة كتابة القصة. صحيح أن الرابط بين ما ينسجه سليمان المعمري من كتابة سردية لا يشذ عن خريطة الواقعية، ولكنه لا يمكن وضعه في صفوف أدباء الالتزام، فمن قراءتي لأدبه وجدت أنه يخرج في كل تجربة كتابية بنسيج جديد لا يمكن التنبؤ به الا من خلال قراءة متعمقة لعمله دون تفسيرات واسقاطات مسبقة، وهذا ما حملته العناوين الجانبية كمسميات ” رئيس القسم الديني: هل سيد قطب اباضي؟” و ” رئيس القسم الثقافي: اش جاب التفاح للبصل!!” و” رئيس قسم المحليات: غاندي يفطر بسويويا” و” المترجم المصري: عُمان مذكورة في القرآن”. يتضح جليا إن هذه الفصول في الرواية تعكس عن رسالة ما سيدور من محتوى سردي على لسان الشخصيات، والقضية الرئيسة التي سيتم تفسيرها، وكشف النقاب عنها. إنها عناوين تحمل المتناقضات وتدعو بعضها للسخرية المباشرة، حول حقيقتها ومضمونها، وما تحمله من استنكار وتراجع لمواقف معروف الإجابة عنها مسبقا بالنفي، ولكنه العنوان وواجهة الفصل الروائي هو ما حمل المعمري إلى اختياره بعناية، وبملمح ساخر في معظمه، ليكتمل القالب الروائي الذي حدده مسبقا لهذا العمل الادبي، وأرد وضع القارئ أمام هذه الصورة الفريدة في كتابة الرواية العمانية.
اللغة الساخرة عند المعمري: عروس متنكرة لذاتها
تظن بداية أن سليمان المعمري يكتب لنفسه وقد تظن أنه يكتب لمجموعة محدودة من الناس فتجد نفسك كقارئ أمام ربما مسميات أدبية أخرى (مقالات أو خواطر أو….) إلى أن تقتنع بنهاية آخر فصل في الرواية بأنك أمام (كولاج إبداعي) حملها هذا العمل الإبداعي الرصين الذي قامت اللغة فيه بدور محوري في توصيل نهج السخرية الذي أجاد فيه المعمري موظفا اللهجة العامية في بعض العناوين الأولى التي تصدم القارئ، ومن ثم تتنزل الفصول تلو الأخرى لتفك شفرة هذ الاستخدام والبلاغة في المعاني والدلالات المشبعة بما تحت السطور دون أن يكون هناك اسفاف أو ابتذال أو تجن وإنما تدفق معرفي حسب ما هو معروف من مواقف تاريخية ومعاصرة عايشها الكاتب، فمن الفصل الأول الذي حمل عنوانه (الراوي العليم) نجد المعمري يكتفي بالإيحاءات والإشارات التي تشبه الشيفرة التي لا يحل رموزها ويكشف أستارها إلا أبناء البلد الذين يعرفون الفترة الزمنية التي حددها والشخوص الذي يتكلم عنهم، ولكنه سرعان ما يحلق في خيال بعث الشخصيات واستدعائها من القبر ” رد الحارس مبتسما: أعرفك جيدا.. عندما تبدأ كلامك ب”يااه” فأنت تريد أن تطلب شيئا… قبل سبعة عشر عاماً تقريباً سمحت لي بزيارة الشيخ متولي الشعراوي.. تلك كانت زيارةً في منام الشيخ. هذه نقطة أولى، والنقطة الثانية هي أن الشعراوي نفسه هو الذي طلب لقاءك في لا وعيه ولست أنت الذي طلب اللقاء. والنقطة الثالثة والأهم أن سبب إجابة طلب الشيخ هو كونه أحد أعدائك التاريخيين. ولكنه لم يصبح عدوي بعد الزيارة، بدليل أنه زارني هنا في القبر وأحضر معه مصوراً من الأهرام ليخبر الجميع بأنه صالحني!!!. واضح من هذا النموذج السردي في بداية العمل الروائي بانه لم يكن وجه التشابه هو فن السخرية وحده، فثمة تشابه أهم، هو التمكن من اللغة والبيان، والتقاط الفكرة والمعاني من قارعة الطريق “وهذا ما قاله الجاحظ “، فالمعمري كان يترك نفسه في كتابة السرد على السجية، لا يحد خياله بما يضعه النقد من قيود وحدود، وإنما يحكي وباسترسال ولكنه مكثف. ثم تلك الثقافة الموسوعية التي نراها عند المعمري فتذكرنا بالمثقفين الموسوعيين في الفلسفة والغيبيات والتاريخ والسياسة والاجتماع وعلم النفس ومطلع على ما تكتبه الصحافة وما يدور فيها لهذا فاختياره لشخصية المدقق اللغوي بسيوني في جريدة المساء لم يكن جزافا وإنما على دراية مسبقة ومعرفة بالمناخات التي تخرج بها الكلمات والحروف للطباعة.
بداية الحكاية التي اختارها المعمري لسرد ما سيدور عن الشخصية الحاضرة الغائبة من خلال هذا الملمح الموجز” في منطقة الحمرية توقف التاكسي عند عمارة سكنية كبيرة.. وهناك قرع باب الشقة رقم 18. فتح بسيوني سلطان الباب فرأى جمال عبدالناصر أمامه بشحمه ولحمه.. شهق شهقة قوية وسقط مغشياً عليه”. ص 17 المعمري يستخدم ذات الألفاظ والتعابير البسيطة، لكنه يجيد ببراعة مذهلة أن ينطق شخصياته بالفصحى وهي تحكي بالعامية، دون أن يشعر القارئ أن الحديث فصيح، فولد بسيوني بعد دخول والده في الاغماء يقول” ازاي نحوش عنك جمال عبد الناصر وهو ميت! جارنا ناصر أقنعني أن في الأمر سحراً عمانيا وأن علينا أن نذهب إلى عراف يسميه العمانيون “باصر”. ناصر حملني الى الباصر. والباصر كان جامد الملامح ذا لحية تتدلى من أسف ذقنه تشبه لحية التيس. كادت نظرتهُ الصارمة تخترقني قبل أن يقول: خير إن شاء الله.. لا تقلق يا ولدي.. من متى ابوك صابته هذي الحالة؟ من ييجي شهر، وهو راقد في المستشفى السلطاني مغمى عليه. قلت لي اسمه محمد بسيوني سلطان. آه. ومن اسم والدته؟ عنايات. لكن أيه دخل تيته في الموضوع؟”. ص 22 بالطبع المعمري يرسم شخصياته وحواراتها بالجمل الفصيحة في معظمها وبالكلمات العامية البسيطة في عدد من الحوارات التي تحمل معنى وخصوصية المتحدث العربي أكان مصريا أو سودانيا أو تونسيا والتي تحمل روح الموقف الذي يتم النقاش حوله، وهنا تأتي خصوصية لغة المعمري والتي تسمى اللغة الثالثة التي تم فيها العديد من الحديث والتنظير والدراسات حول مواصفاتها وخصوصياتها، لذا فرواية (الذي لا يحب جمال عبد الناصر) فيها ذلك التمازج والمزاوجة بين ما هو عامي وفصيح وستفتح الآفاق لدراسات ثرية في علوم اللسانيات.
وبعد، فإن هناك كلمة أخيرة في سخرية المعمري: هي أنها سخرية جادة حزينة، ليست بالضاحكة ولا بالخفيفة، فهي أشبه بأن تكون صارمة؛ وبأن يكون منبعها رجل مفكر غير تقليدي يرسم بالابتسامة البيضاء مواقف حياتية يمكن حدوثها في أي مجتمع وأي زمان ومكان. والقالب والشخوص التي اختارها المعمري نستطيع أن نطلق عليها(السخرية الحكيمة)، فهو لم يسلك في سخريته الأساليب الهازئة المختلفة كأسلوب الأمر والنهي أو الاستفهام أو غيرها من الأساليب، فلا غرو أن استخدمه المعمري في أول عمل روائي يقدمه للقارئ – من خلال دار الانتشار العربي وللطبعة الثانية- مع تميزه بالقدرة على التعبير الحر، والجرأة على تعرية الواقع، وخضخضة الأفكار المُسلمِ بها تاريخيا واجتماعيا وهي تحمل صفة الرجعية، لتكون رواية (الذي لا يحب جمال عبدالناصر)عملا سرديا في صميم السخرية والنصح في آن واحد، تشع بالكشف عن نسيج الافكار بين مختلف فئات المجتمع العماني، وترصد حركة التطور الذي يشهدها الشارع السياسي في المجتمع العربي، ليقترب المعمري مع القارئ البسيط والمفكر المتمكن، ليعيش كلاهما أجواء الحيرة بين التصديق والتشكيك فيما يحدث أمامه. مع محاولة الرواية جاهدة تسليط الضوء على بعض الظواهر كهيمنة الفكر والتسليم بالتاريخي على الذهنية العربية، فبدل البحث عن الأسباب الحقيقية والمنطقية لبعض المشاكل الواقعية، يرتمي الناس في حضن التصديق بمعتقدات بعيدة كل البعد عن واقعنا ولا ترينا أنفسنا أمام مرآة كاشفة، أنها رواية لا تقدم أجوبة بقدر ما تثير في أنفسنا العديد من الأسئلة العميقة، التي ستدهشنا رغم بداهتها، وتضحكنا رغم سوداويتها.

د. سعيد بن محمد السيابي

إلى الأعلى