السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / محمد مكية وتأسيس ديوان الكوفة كمحفل ثقافي على غرار المدينة العريقة

محمد مكية وتأسيس ديوان الكوفة كمحفل ثقافي على غرار المدينة العريقة

ثمة ميزة مهمة للمعماري محمد مكية يلحظها من يجلس للحديث معه، إذ يتمتع المعماري الكبير بقوة فراسة ونباهة وإقبال على الحديث بكلية جوارحه وتعابير وجهه لدرجة كبيرة تجعل من الجالس المحادث قادرا وبصورة كبيرة من الإحساس بالأهمية نظرا لما يوليه له المعماري مكية من التفاف وإصغاء بحس مرهف وجوارح حساسة، بما يشي بعظيم الإحترام والأدب اللذين كان يتمتع بهما هذا المعماري العراقي الكبير الذي صال مشارق الأرض ومغاربها وجالس عظماء القوم وبسطاءهم. وفي الحقيقة تبدو لكاتب هذه السطور أن هذه ربما تكون جزءا من تراث اجتماعي أو ممارسة اجتماعية متوارثة لدى بعض الأخوة من العراق الشقيق، فمثل هذه الصورة الإنطباعية تترسم لكاتب هذه السطور حتى بعد أكثر من عقدين من الزمن لدى محادثة صديق من العراق الشقيق، البروفسور صباح مشتت، الذي يصغي لمحادثه تماما ويعمد لإدارة الحديث بطريقة مشوقة، وربما هي سمة ثقافية أكثر منها خاصة.
في اللقاءات التي تلت مع المعماري مكية كانت ثمة قصص وذكريات في العمارة والمهنة وتاريخ فكري متأمل في علاقة الإنسان بالطبيعة والبدايات التطورية الوئيدة للعمارة الإنسانية مقارنة بالعمارة الحديثة من جهة والفن الإنساني من جهة أخرى. وفضلا عن هذا التاريخ الفردي الطويل الممتد لأكثر من خمسين عاما معطاءة، كان لهذا المعماري الكبير تقاطعات مع أبرز معماريي عصره أمثال حسن فتحي ورفعت جادرجي وسواهم، سواء في الأعمال المعمارية أو في اللقاءات العالمية كمحكمين وأعضاء في ندوات ومؤتمرات ومسابقات. تاليا نلقي الضوء على أهم المشروعات الفكرية للمعماري محمد مكية وبدايات تأسيس منتدى الكوفة الثقافي.

************
ديوان الكوفة في ثمانينيات لندن
بانطلاقة الديوان الفكري والثقافي الذي أسسه الدكتور محمد مكية بلندن مع نهاية العام 1986 بات هذا المحفل الثقافي بمثابة امتداد لسلسلة من الذكريات بالنسبة للمعماري مكية. فلم يكن من قبيل الصدفة اختيار اسم الكوفة لهذا الديوان الذي حفل بالنقاشات والمحاضرات والندوات والمعارض الفنية الشرقية والعالمية، بل جاء على غرار اسم المدينة العراقية لأصالتها كمركز حضاري مهم، ولأهميتها بالنسبة للمعماري حيث حظيت بمكانة تاريخية ربما تقارن بروما وأثينا في العالم الكلاسيكي القديم. والديوان مثّل امتدادا لمشروع جامعة الكوفة الحضاري، الذي كان مكية وعلى الدوام يذكره بمعرض حديثه الدائم عن عراق ما قبل الثمانينيات ضمن مراجعاته لذكرياته المهنية. إلا أن مشروع الكوفة الذي كان حاضرا في وعي وذاكرة مكية لم يقدّر له أن يرى النور نظرا للظروف السياسية ما بعد الستينيات، وتأجل المشروع إلى أجل غير مسمى.
مشروع ديوان الكوفة في المغترب بلندن جاء كملتقى فكري تحضره الجالية العربية في المغترب إضافة إلى زوار عاصمة الضباب من رواد الفكر والثقافة والفن، وخلق المنتدى مناخا أسبوعيا يلتقي فيه الشعراء مع المبدعين الفنانين العرب وبعض المهتمين بالتراث والفكر والثقافة العربية حتى من غير العرب. المنتدى الذي امتد طيلة عشرين عاما كاملة (1986 – 2006) وحيث أقفل أبوابه المشرعة للحضور والمعارض والندوات للمرة الأخيرة عام 2006 يمثل سجلا تاريخيا لتفاعل الثقافة والفن في نقاشات غير منتهية، شكلت في القديم، وما زالت في العالم الغربي، دعائم التقدم والنهضة الفكرية والثقافية – وهذا كان مشروع الدكتور مكية. في العشر سنوات الأولى على انطلاقة الكوفة، والتي سبقت تعرف كاتب هذه السطور على المنتدى ولندن، كانت هناك نشاطات تنوعت بين العلمية والأدبية والتاريخية. وافتتح المنتدى أبوابه للمرة الاولى بمعرض لأعمال صاحب الكوفة الدكتور محمد مكية على مدى حياته المهنية آنذاك والتي امتدت لأربعين عاما، وكان عنوان المعرض “أربعون عاما من التصميم الهندسي”، كشف العديد من المشاريع المعمارية التي صممها مكية على مدى حياته العملية في العراق والخليج العربي عموما والتي تراوحت بين الأبنية العامة والخاصة والدينية والمسابقات العالمية والمساجد.
مشروع منتدى الكوفة، بقراءة عاجلة، بموقعه في وسط العاصمة البريطانية، في مبنى متعدد الطوابق كان المعماري قد اشتراه لهذا الغرض، كان يحوي بالإضافة للمنتدى المتوسط الذي يعلو على عدة طوابق، طوابق مكتبية لمكتبه المعماري الذي مارس منه العمل المهني، كما تطل مكتبة دار الساقي على الواجهة الأمامية للشارع الرئيس، وحيث شكلت هذه المكتبة وكدار نشر عربية علامة فارقة في النشر من لندن ولبنان وباتت محطة للباحثين عن الكتب النوعية.

**********
برنامج الكوفة: محطات وعلامات
مع انطلاقة المنتدى في العشرية الأولى تعددت وتنوعت الجلسات الثقافية أيام الأربعاء، وكان من الفعاليات التي احتضنها الكوفة مع نهاية العام محاضرة في البيئة العمرانية الفقيرة قدمها محمد مكية عكس فيها تطور العمران البشري وقدرة الإنسان في القديم على تطويع البيئة لخدمة متطلباته وتطوير المهارات والأساليب للإستفادة الطبيعية من الموارد المتوفرة. لكن المعماري المخضرم كثيرا ما ردد على مسامعنا أهمية ثلاثية الإنسان والمكان والزمان في صوغ منتجات العمارة التي تستلهم المعطيات المتوفرة لتحقيق أقصى إبداعية ممكنة لهذا الفن الإنساني الراقي الذي مهمته الأساسية هي خدمة الإنسان وتلبية احتياجاته المتغيرة والمتطورة زمنيا. وكثيرا ما كان يعمد المعماري مكية في مداخلاته ومحاضراته إلى الإنتهاء بعقد مقارنة عاجلة بالعمارة كما كان يراها وبين ما آلت إليه العمارة الغربية أو الغريبة إنسانيا عن المنحى والمسار الذي وجدت من أجله لتنتهي إلى إنتاج عمارة، وبخاصة السكنية، لتكون أقرب منها إلى “مكعبات مغلقة” على حد تعبيره. فالبيوت التي بناها الإنسان، كما يراها مكية في مداخلاته، كانت تلبي حاجاته الروحية قبل الجسدية والفيزيائية، إذ كانت مفتوحة على السماء، فضاءاتها وساحاتها مفتوحة على اللانهاية، فيما كانت موادها طبيعية من طين الأرض وأخشابها. وكان يرى فيها طبيعتان: الأولى التصاقها بالأرض التي بنيت منها والثانية في ذات الوقت طبيعتها في النزعة نحو السماء والمدى البعيد. وكثيرا ما عقد مكية مقارنات بين الإنتاج العمراني الطبيعي الفطري للإنسان الملتصق بطبيعته وبين تصاوير المبدعين من الرسامين والفنانين العالميين كموندريان وبول كلي وغيرهم.

**********
الاهتمام بالكتب والمخطوطات التاريخية
ولم يكن من قبيل الصدفة تأسيس دار الساقي الملاصقة للمنتدى كرديف ومكمل لهذه التظاهرة الثقافية، فقد كان ولع المعماري مكية بالكتب لا يدانيه إلى شغفه بالعمارة. وقد طاف المعماري الأرض مشرقها ومغربها وجمع ما يمكن لمحبّ الكتب أن يجمعه من روائع ونفائس الكتب والمخطوطات القديمة والتي تكدست واصطفت بأناقة في المنتدى آنذاك لتسهم في بث الجو والمناخ الثقافي للمنتدى. وكثيرا ما قص على مسامعنا حكايات وقصص شحنه لبعض الكتب القيمة أثناء ترحاله وقبل أن يلقي عصا الترحال ويستقر في لندن.
ومن هنا جاء المعرض مهما في سنة انطلاقة منتدى الكوفة الأولى والذي كان حول أغلفة الكتب الصادرة في بريطانيا من البلدان العربية والإسلامية والذي حوى أكثر من 250 غلافا لبعض الكتب المهمة، منها ما كان تراثيا أو في الجغرافيا والفكر والسياسة، ومنها ما كان مترجما عن طبعات عربية. ولأن هذا المعرض كان نادرا في موضوعه فإنه يبرهن على ما ذكرنا آنفا من شغف وولع المعماري بالكتب القيمة والنفيسة محتوى وشكلا. وحول الشكل كان المعرض مجسدا لأهمية تصميم أغلفة الكتب كإحدى فنون الرسم والغرافيك المهمة وكيفية إخراج الغلاف كجزء من الكتاب في الوقت المعاصر، فضلا عن الحرف التي ارتبطت قديما بعملية كتابة ودباغة أوراق وأغلفة الكتب القديمة. المعرض كان هدفه إبراز الكتاب كمضمون ولكن بالمرور على الصفحة الأولى التي تطالع القارئ وهي الغلاف. كما اشتمل المعرض على أغلفة الكتب التي كان ممكنا الحصول عليها من نسخ قديمة أثرية أو إصدارات حديثة بدأ سوق الكتاب الأوروبي آنذاك يزخر بها كالدراسات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والتاريخية أو ما يتعلق بتحقيق نصوص التراث العربي وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية كما تم في كتاب الفهرست لإبن النديم الذي صدرت طبعته باللغة الإنجليزية عن دار كولمبيا، أو رحلات إبن بطوطة الصادرة عن دار روتلدج الشهيرة أو مقامات الحريري الصادرة عن دار دارف، أو كتب الرحلات المصورة مثل كتاب القاهرة لماليس روثفن الذي صدر عن مؤسسة التايم الأمريكية، أو كتاب البدو الذي صوره وكتب نصوصه الفنان واين ايستب، أو كتاب العرب الصادر عن القناة الرابعة في التليفزيون البريطاني. وكان هناك نصيب أيضا للكتب الخاصة بالفن والعمارة الإسلامية ككتاب بريس دايفين “الفن العربي” عن دار الساقي، وكتاب المعماري حسن فتحي “العمارة للفقراء” الصادر عن دار جامعة شيكاغو. وكان لكتب أخرى نصيب من المعرض ككتب نجيب محفوظ والطيب صالح ودواوين شعرية لمحمود درويش وسميح القاسم ومختارات من الشعر العربي.
وبالإضافة لولع المعماري مكية بالكتب كان له ثمة اهتمام كبير أيضا بالخرائط القديمة. ولذلك كان من أوائل المعارض التي احتضنها منتدى الكوفة معرضا للخرائط القديمة والتاريخية حيث احتوى على أكثر من 250 خريطة قديمة يعود رسم أقدمها للقرن الثاني عشر الميلادي، هي خريطة العالم للإدريسي كما شمل خرائط تاريخية لكافة أقطار الجزيرة العربية والوطن العربي تعود للقرن الثامن عشر وما قبله وما بعده. هذه الخرائط المؤرخة من القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن الماضي شملت فلسطين وشبه الجزيرة العربية. وهذه الخرائط كانت من أعمال أوروبية تظهر ليس فقط النهضة الجغرافية العالمية ولكن أيضا تطور المعرفة الأوروبية بالعالمين العربي والإسلامي. وأهمية الخرائط القديمة لا تنبع فقط من المعرفة الجغرافية ولكنها تبين تطور المعرفة الإنسانية المكانية ودور اليونان وتحديدا بطليموس في وضع أسماء وتضاريس ثمانية آلاف مكان وموقع وبقياسات حسابية. حيث اعتبر بطليموس مصدرا أساسيا لمن تلاه، وبخاصة العرب الذي اهتموا بالخرائط لرسم طرق الحج ومواصلات التجارة.
وفي الحقيقة فقد كانت تجربة القرب والتعرف على منتدى الكوفة والمعماري مكية من أهم التجارب التي يمكن للمرء في مقتبل حياته، ككاتب هذه السطور، أن يصادفها لما لزخمها ومعانيها وذكرياتها من أهمية كبير في فتح الوعي الفردي على سجل طويل وتاريخ حافل لمعماري عاصر عقودا من تطور العمارة العربية والعالمية منذ فترات نشوءها مع مطلع القرن العشرين حين كان العالم يخطو بخطوات وئيدة مرورا بتوالي الإكتشافات العلمية مع منتصف القرن وحتى زخم تتابع التطور العلمي والتكنولوجي. ولم يدخر المعماري، أثناء اللقاءات معه، القصص المتنوعة والمثيرة والمفيدة التي حفل بها تاريخ حياته المهنية كمعماري عربي تخرج في مطلع الستينيات من إحدى أرقى الجامعات العالمية، كامبردج ببريطانيا، متسلحا بشهادة الدكتوراة في الوقت الذي كان عدد حملة هذه الشهادة الجامعية في الوطن العربي ربما يعد على أقل من عدد أصابع اليد الواحدة. وهذه التجربة وبخاصة لكاتب هذه السطور في مقتبل وصوله للندن ومع بدايات التحاقه ببرنامج الدكتوراة بجامعة لندن كانت تجربة خاصة بحق. وللحديث بقية

د.وليد أحمد السيد

إلى الأعلى