الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / انا لستُ سمكة

انا لستُ سمكة

تمطر بغزارة ، تمطر بنهم وكأنما اصبح المطر بلا مقابل ، انتصب تحت وابل من قطرات المطر ، كعادته مقفر، سواء امطرت ام لم تمطر شارع الجادة الخامسة المؤدي الى مقر عملي ، لا ادري لم ازاول هذه المهنة ، كمعلم في مدرسة المرجان ، كنت اخبر امي بما يحصل بتلك المدرسة بكل التفاصيل المملة وكانت تستمع الي بشراهة ، آآآه امي ، لا ادري هل ما زالت على قيد الحياة؟ ام انها وقعت ضحية شباك صياد نهم ، لا أنفك بالتفكير بها لا ادري لم اؤمن بأنها المخلص الوحيد من هذه المحنة الكاذبة ، كم صار يرغمني المطر على استرجاع الذكريات القديمة ، منذ ان احتللت هذا الجسد الغريب شعرت بتغير في كل شي حتى في استعادة الذكريات ، استدركت ان لابد للبشر من محفز لاسترجاع بعض الذكريات التي تمرد عليها الزمان ،كالمطر في هذه الساعة ، ولكنها لم تكن تمطر لدينا ، كان المطر الوحيد الازلي هو شباك الصيادين وفخاخهم، اجتاز الشارع المؤدي الى عملي بشرود معتاد ، لا احمل مظلة مثل ما تفعل هذه امامي ، عجوز ترتدي معطفا مطرزا ، وياقة صوفية ببعض النقوش الغريبة وزوج من الاحذية الجلدية المسطحة ، اهي انسانة منذ البداية ؟ منذ ان ولدت وهي على حالها انسانة فقط ، سواء اكانت كذلك ام لا فهي لن تخاطر بأن تكون ضحية حياة شخص اخر لتغير ما كانت عليه سابقا ، سأكتشف ذلك من خلال سلوكها الانساني ، او المفترس النهم مثل ما اطلقت عليه امي ، امي تعود الى ذهني مجددا ، امي هي فقط الوحيدة التي تأتي بدون محفزات تأتي على هيئة مشاعر صادقة مؤثرة دافئة وموبخة في آن ، كانت قد نهرت بي في ذلك اليوم بثلاث فقاعات كبيرة تترجمت ما ان لامست زعنفتي الجانبية، كان جل ما قالته بنبرة ام تتكبد تحمل حماقة اطفالها ، هم ليسوا مثلما تظن انت ، هم متوحشون مفترسون لم تتبق لهم قطرة من بحر ما يملكون من مشاعر واحاسيس ، انت مازلت صغيرا لتجرب ما اعتدنا على مكابدته انا وابوك وبقية افراد حي الصدفة المجاور ، كنا نتعلم فنون الاختباء والتخفي من الاخطبوط النزق لكي لا يتم اصطيادنا والتهامنا ، بطرقهم الوحشية ، لا تدري كم امقت شباكهم ، عندما تدرك ذلك ، سترى بأن بقدر الغضب والحزن الذي سوف يتملكك عندما تقع ضحية شباك صياد ، بقدر ماهو سعيد وفرح بحصوله عليك . ابتسم قليلا واقول: صباح الخير سيدتي ، وكأنني شبح الصباح الانيق ،لاتراني لا ترد ، يوم بعد يوم تزداد مقولة امي صدقا ، اصل الى مقر عملي ، ياله من صرح عظيم ولكن لايوجد به انسان واحد يفهم او يعي ما انا عليه ، و ما يزيد الامر تعقيدا هو انني لا استطيع الافصاح عما انا عليه ، كمعلم في مدرسة للفئة الابتدائية ، لا يؤخذ كلامي على محمل الجد ، قد يطلق علي الاطفال بعض النكات او قد يبنون علي بعض الخرافات وقد…. لايهم هذا كله ، اضواء ساعتي الرقمية التي اهدتني اياها الانسة فكرية بمناسبة عيد ميلادي الذي لا اعرف ترتيبه ، والتي تبدو باهظة الثمن تخبرني بأن وقت مباشرة عملي قد حان ، ها هي انسة فكرية صاحبة اجمل ابتسامة تركن سيارتها من الطراز الكلاسيكي ذات اللون الاخضر امامي ، عندما قدمتها لي خدعت الجميع بأنها استوردتها من بلد اخر بعيد ، ولكنها لم تخدعني ، كنت اعلم بأنها كانت لمحمود الطويل صاحب ارقى معرض للسيارات والذي كان زميلا لزوج الانسة فكرية وزوجها السري في ان واحد متخفيا في ثوب زميل العائلة الودود، ، اربعيني مكتنز لعين ، كباقي البشر التي حذرتني امي منهم مرارا وتكرارا ، ادفع باب غرفة اطباء التعليم ، كالعادة ارى علبة شوكلاته على طاولتي ، وكالعادة ايضا اودعها القمامة المعدنية اسفل الطاولة ، غريبون هم البشر ، اضع التوقيع اسفل الورقة بهيج سمكة ، عندما التقيت بالناظر اول مرة ، اضطررت الى ان استعمل ربع علبة منديل كانت على طاولة مكتبه فقط لاجفف الماء المنسكب من فرط حركته اثناء قهقهته على بنطالي ، كان يضحك ويتنفس ويقول في ان واحد ، انسان خارق ، سمكة!! ابوك اسمه سمكة ، رددت ببرود طفل توشك امه على الخروج، نعم ابي سمكة وانا ابن سمكة ، وازدادت قهقهته وهو يقول لا شك في انكم من فصيلة البرمائيات ، رددت له ابتسامة خبيثة وصافحته ومضيت الى مكتبي ، اترك ورقة توقيع الحضور على طاولة الاستاذ سليم وامضي الى مباشرة نشر العلم ، الصف الاسوأ على الاطلاق ، اطفال اطفال اطفال …
ينتهي يومي على خير ، اجمع بعض الملفات وبعض الاعمال المؤجلة ، اكنزها في جعبتي الجلدية ، اقطع نصف الطريق الى المسكن ، اتوقف عند متجر متعدد الاغراض ، القي التحية على البائع لا يرد على التحية وكأنني اصبحت مخفيا عن الانظار ، اتمتم بقلق ” ما هذه الانسانية ” .
بيدين مملوءتين اتخطى المتسوقين القلائل ، كأنهم في احتفال لتدشين مقبرة ، افرغ ما بيدي على منضدة الحساب ، يرمقني البائع بنظرة ناطقة تقول : هل ستأكل كل هذا؟
يضع الحاجيات في اكياس ورقية وهو ينطق بأسم كل سلعة يضعها ، مثل ام تحصي ابناءها ، ماء ، طعام للاسماك ، طعام للاسماك ، طعام للاسماك ، يهمس ببرود بالقرب من وجهي ، هل انت سمكة سيدي؟
اجيبه بنظرة مثقلة بالحزن ، كنت سمكة .
يتقاضى ثمن الحاجيات ، يطلق زفيرا عاليا كأنما تخلص من قبضة شيطان ، احمل الحاجيات ،اودعه ، يبقى صامتا لا يرد ، اكرر جملتي المعتادة ” ما هذه الانسانية ”
ابدأ بالغناء بصوت عال الى ان اصل الى المسكن ، وانا افكر بابتسامة مرتسمة على وجهي ، البشر !!! كائنات لديها الكثير من الاشياء لتفعلها ، ولكنهم لا ينفكون يغرزون انوفهم في روائح الاخرين ، اصل الى المسكن و ها انا اغرز المفتاح في احشاء القفل ، ادفع الباب بمؤخرتي ، وانا اصرخ : فعلتها بدون زعانف ، اضع كل شي في مكانه ، اهرع الى حوض الماء المالح ، ادفن جسدي فيه ، اغمض عيني واتنهد تنهيدة اعياء ، من ثم اخلد للنوم .
على عمق عشرين مترا وفي ظلام حالك يرقد حي المرجان المعروف بجمال اسماكه اي قاطنيه وتنوعهن ، وتمردهن ايضا ، فليس هنالك اي كائن زعنفي على مستوى المحيط لا يعرف من هم سكان حي المرجان ، ذات صباح – لا ليس ذات صباح نحن الاسماك لا يوجد لدينا صباحات كباقي البشر ، يمكننا بدء يومنا متى نشاء ، هذه احدى مزايا ان تكون سمكة- حسنا ذات يوم وانا اتجه الى حكيم الحي وهو معلم في مدرسة المرجان ، مدرسة ليست الا صخرة ضخمة تتقرفص في القاع ، يوجد بها ثقوب اكثر من تلك الثقوب التي في وجه بواب العمارة التي اسكن بها ، لم يكن الطريق اليها طويلا ، فقط حركتين من زعنفتي الخلفية ، وثلاث فقاعات صغيرة ، لكي لا يصيبني الملل اثناء الطريق فأبدأ بالغناء ، اطرق بزعنفتي قوقعة الحكيم وهي بالتأكيد منزله القابع على حدود حي المرجان ، كل ما اقوم به من افعال يعتمد على زعنفتي ، اضحك من الفكرة بفقاعتين ، ما ان تهتز القوقعه حتى اطبق على فمي الصغير ، بعد ان القيت التحية على الحكيم الذي كان بلا زعنفة ، تخيلوا معي ، سمكة ضخمة مترهلة بلا زعنفة ، فقد اخبرني والدي الذي تم اصطياده منذ ، لا ادري منذ متى من قبل البشر، عن الحكيم بانه فقد زعنفته عندما شارك في حرب الشعب المرجانية عندما كان مجندا في جيش حي المرجان، بفقاعة لزجة بطيئة الحركة يطلب مني الدخول، يقول لي ، هذه الاعشاب التي طلبتها خالتك ، يرمقني بنظرة حادة وفي خلده سؤال، اتكره البشر؟ اجيب بتردد ، لا ، نعم منذ ان اخذوا مني والدي، يقهقه ويملآ منزله بالفقاعات ، ويقول والدك كان احمق، فقد نصحته بعدم الاشتراك في حملة الكشف عن خبايا البشر بالقرب من سطح المحيط ولكنه احمق، يتملكني الغضب ، اهم بتحريك زعنفتي لكي ابين للحكيم الاخرق حينها، انني منزعج وسوف اخرج من عنده، بعينين خبيثتين يقول لي لا تغضب فلدي الطريقة المثلى لاستعادة والدك، فجأة اصاب بشلل في الزعنفة، اقول له بصوت يختلف عن سابقه ، كيف كيف ايها الحكيم اخبرني، سأفعل المستحيل لاستعادة ابي ، اخبرني بلسان ملتو بأن ابتلع حفنة من الاعشاب والطحالب ، ترددت في البداية ولكن ما ان تبادر الى ذهني -لا ادري ان كانت الاسماك لديها اذهان ولكن بالطبع لديها ذاكرة- صوت ابي ، التهمتها دفعة واحدة وانا اتجه الى الباب بزعنفة يدفعها الفرح لا الذهول ، وهو يقول لي لا ادري هل ستبقى صبيا ام فتاة بعد ان تتحول ، لم اعره اي اهتمام ، فكنت اعيد الى ذاكرتي السمكية ، كل ما اتذكره عن ابي ، اخر فقاعة لامست زعنفتي قبل ان تحولني اعشاب حكيم المرجان الابله الى آدمي هي فقاعة صوت الحكيم وهو يقول ، ابلغ تحياتي الى امك المسكينة .
آآآآه امي ، لابد من انها تفتقدني الان ، اقفز من سريري المصنوع من خشب البلوط كما اخبرني وكيل شركة الاثاث ، اتأنق كالعادة الى الذهاب الى العمل ، في كل صباح ، فالبشر وانا من ضمنهم نبدأ يومنا كل صباح، كوب من القهوة ، جريدة صباحية ، حقيبة العمل ، وها قد بدأ اليوم.
في طريقي المعتاد وهو شارع الجادة الخامسه ، يبدو المكان مختلفا بعض الشي ، ليس هنالك اي آدمي لا على الارصفة ولا في المحلات المسجاة على جانبي الشارع كأسنان مشط عفى عليه الزمان وانا هناك في وقت ابكر من المعتاد كمن بصقه الزمن في عالم الاحياء،
اصاب ببعض الاعياء اتهاوى على الرصيف وفي اخر لحظة اتمالك نفسي من السقوط ، ولكن جراء ذلك وجدت نفسي بوسط الشارع ،وجها لوجه مع سيارة اجرة مسرعه ،اخر ما سمعته اذني البشرية هو بوق السيارة وصوت ارتطام ،كنت كمن ينفخ في فم ضفدع ميت ويسكن في حنجرة افعى مترامية الاطراف مملوءة بالظلمة ، في ذلك الوقت ارمش بعيني بصعوبة لتحمل ذلك الضوء القريب من العينين، وعلى سرير ابيض بارد ،رائحة الدم تملأ المكان وكذلك ايضا رائحة العقاقير ،يدي مكبلة باسلاك بداخلها سائل شفاف ، اشعر بذلك الوجع ، وكانني طردت للتو من حنجرة الافعى ، ابدأ بالصراخ والأنين ، يتقاسم اطرافي طبيبان وممرضة بدينة ، ورجل شرطة ، يثبتونني الى السرير ، وانا اصرخ اتركوني انا مجرد سمكة ، اتركوني اتوسل اليكم كاد الحر يقتلني انذاك ، ولم اجد سببا يمنعني من الادلاء بما كنت عليه ، انا سمكة انا مجرد سمكة ، ليس لكم اية علاقة بي ، قبل ان تحقنني الممرضة بابرة محشوة بشيء يجبرك على النوم طويلا ، كنت استمع الى الطبيب الذي كانت جبهته تملآ وجهه عن اخره ، وهو يقول اهدأ فانت بالفعل الاستاذ بهيج سمكة ، تغرس الممرضة الابرة في ذراع اليسرى ، بدون اية تنبيه مسبق وكأنه الموت بعينه، اشعر بالتعب والنعاس ، اخر ما اراه قبل ان اغرق في ذلك السرير الذي يعبق برائحة القرفة ، هو رجل الشرطة الذي يتكئ على منضدة الادوية الخشبية ، ويسأل الطبيب بحذر : هل تعرف هذا المريض ؟ ليس لديه اي اقارب كما هو مسجل لدي هنا بالسجل، يقول الطبيب : لا ، لا اعرفه ، بالطبع ليس لديه اقارب يضيف الطبيب مازحا ، فهو مجرد سمكة ، يضحكان باستهزاء والحر يكاد يبللهما، بينما انا يبدأ بالتهامي الظلام.

أمجد بن سعيد المرشودي

إلى الأعلى