الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حمد الخروصي.. قفّار أضاء أثره وحشة الصحراء الشعبية

حمد الخروصي.. قفّار أضاء أثره وحشة الصحراء الشعبية

عاش الكيبورد عند حمد الخروصي حالة موت آنيٍّ يرتقب موعداً مسمى لولادة ما، إذ استبق القفار كل طرقة تنزل من أطراف أصابعه على زر الكتابة، بتساؤل ضخم، يزمجر صداه في مسمعي الوجود:
هل تستدل جميع هذه الحيوات والأنساق التي أكتب؛ طريقاً نحو الخلود في هذا الكون المترامي؟ أم أنني عبثاً أخرجتها من حقل العدم لتحيا في (سجْن سَقفه من سحب) ؟
حياة حمد الكاتب، الشاعر، القفار في وحشة الصحراء الشعبية، كانت أقرب لشكل الزهد عند أساقفة العهد الإغريقي، أفنى فيها عشرينيته الثانية وهو يطبع أثراً للصلاح والعذرية داخل أغوار اللغة، ويشعل أصابع وعيه شمعاً في مفازات سديم الدلالة، يقتدي بأثره صفوة مجايليه من الشعراء، أو أولئك الذين سبقوه في مواليدهم، وأغلبيتهم قد جالسوا روح حمد، حتى حانت ساعة القفار مع “موته المؤجل” على حد تعبير صديقه وأخيه الشاعر المبهج أحمد الشحي ، وهو يسِم الموت على أنه الموعد المؤجل.
بحث حمد الخروصي عن جنة المعنى في سجيل قيظ الأرض التي لا تؤتي بؤكلها، وفي غيهب الاستشراف تشظى بأثره، مضيئاً به أكثر دروب الساحة المتصحرة وحشةً وحلكة، لم يشْدد أنثى الفكرة كمَثَل حضور مشهد الكائن الذكوريّ من العصر المتحجر، في صورة رجل بدين يرتدي خرقةً من جلد النمر، يسير وهو يجرّ زوجته من (عقصها) الأشعث، يسحبها ويسحل جسدها فوق شوك الصبار. على النقيض من ذاك المشهد، مكث حمد زمناً ليس بالقصير وهو يوزع قناديل الحكمة في منعطفات الوحدة العضوية، ليكتمل قوام جسد قصيدةٍ نورانية لم يك ليجرؤ أحد قبله على أن يكتب في نفس سياقها، أو يستنسخ شيئاً من شاكلتها الروحانية. وهو ذاته من أوجد السبيل لمهد فاتنةٍ يقبّل وجنة الجوزاءَ مطلَعها، رفعها القفار عذراء في عرسها فوق هودج أنثىً تمثل الحياة بأسرها، وليست تُعرّف على أنها نصف المجتمع. حمد هو القفار الذي علق فنر الدلالة على منحر حندس رمزيات المعنى، في احترافه لمحاولة صادقة وجادة ينقذ بها ما يمكن إنقاذه، يوم أن أُقحمت القصيدة عنوة إلى تغريبة التتفيه بفعل الدخلاء من المستشعرين، وقبل أن يسيح حامل الأبجدية كاللقمة السائغة في حلقوم مارد التأثر والتقليد، علمه حمد كيف يستمر مستبسلاً متشبثاً بحبل وريد الموهبة التي تثب به نحو أقاصي اللا مأهول.
هنا، وعند هذه الانعطافة الهامة على وجه التحديد، من عمْر المرحلة الشعرية، علّق حمد الخروصي عزيمته فوق رأس حربة “الدونكيخوته”، وأشهر رمحه في وجه أسطورة الوحش، ذي الأذرع الأربع، وذي الرأس بالأعين الخمس، واجه جبروته بعنفوان المفكر، إلى أن أذاب القفار بلهب عاطفة المحب الصادق ذاك الجسده المتعجرف، وأودع رماد عظامه مقبرة النسيان بكفيّ عصفه الهادر، القادم من قطب التغيير. قاتل حمد في الوقت الذي كان هذا الوحش يحكم باللات، ويسود بالعزّى أرجاء مملكة الأدب لأطول عهد من عمر المرحلة. من منا لم يرتعب من تلك الذاكرة التي سادها التأثر وكلّسها التقليد دون أن يبقِ التناسخ أو يذر على أدنى حق فيها للتأثير والتفرد؟ تلك الذاكرة التي أوكل عليها الوحش حاجباً يقال له الاستنساخ، يشبر ويذرع أصقاعها وممراتها شطراً شطرا، وعجزا بعجز، مشهراً سيفه الذي وصفت سطوته على أنها أشد وقعاً من سيف الحجاج، وهو ينزل بحده المسنون على الرقاب، أخذ الاستنساخ بأعناق الجيل، يقطف في طريقه كل موهبة دانية لشاعرٍ مؤثر، وحده حمد الذي تصدى له، نازله حتى الرمق الأخير، إلى أن لقي الاستنساخ مصرعه على يد حامل لواء التجديد، وهي ذات اللحظة التي أردى فيها القفار بالوحش الأسطوري، حتى خرّ مصروعاً في الحال، لتنجو المرحلة على إثر هذه الواقعة من صنمية الأقزام المتعملقة!
ذاك كان أمر؛ أما الثقل الهائل لمفردات الموت والخواتيم والنهايات والمقابر، فتلكم هي الأحداثيات التي سوغت للقفار التفرغ لمهام البحث وكتابة النقد الجاد حول منظومة الأدب الشعبي ككل، إذ سبق حمد جميع رفقائه بالوصول إلى حياض المغامرة، دافعاً بجسده إلى مغارة المفاهيم المجهولة، وقتها قذف حمد بعقليْه الظاهر والباطن إلى فوهة الهوامش المنسية، وأودع مصيره الفكري متاهات التلاشي، حتى عاد من كل هذه الغيبيات إلى قلب مدن المتهافتين، يحمل جراب الحقيقة الجديدة، متشكلاً على هيئة الحلاج تارة، ويتجسد تارة على حقيقة وواقع أولي الألباب. عاد القفار بمخطوطة النجاة التي تضمن بقاء الأجيال والمواهب، مخلصاً من خلال رؤاه الحادة تجاه نص الآخر، مستعيداً ببراعة الموهوب، وبحرفية وإتقان المنظّر، خط الرجعة الذي يعيد إحياء مرحلة بائدة من عمر النشر والانتشار، تلك المرحلة عاشت وطراً وهي الموسومة بالرخص في قيمها ومقاليد شرفها، إلى أن أنهى هذا القفار حقبة من التردي، ومن التخبط الكتابيّ، كابد دهاليزها في الخندق المعتم معظم من كانت تعنيه ساحة تداول الشعر الشعبي آنذاك. بثّ القفار بفكره وشغبه وفوضاه وعقله، روحاً جديدة تنعم بحيويتها شتى ميادين التفاعل، التي عاصرها الأغلبية من الشعراء، على اختلاف أقاليمهم وتنوع لهجاتهم، وعايشوها وقت ذاك وهي على حال من الاحتضار، كانت تلك المرحلة قبل أن ينتشلها القفار من رمقها الأخير، أشبه بالوليد الذي هبط للتوّ إلى حضن الحياة، قادماً من مخاض البدء، ليس على هيئة طفلٍ وديع، بل كانت تلك المرحلة كأنها الكهل الكفيف في مصحة العجزة، ليدفن هذا الكهل في يوم ولادته، ويشيع جثمانه إلى المثوى الأخير قبل أن يخط قسم المواليد اسمه على شهادة الميلاد.
خرج حمد عن صمته، لينعش ما تبقى من جسد ساحةٍ تسيدتها عبثية المُخْرَج الفني عوضاً عن كونها مهبطاً ومحج تطوف حوله فنون الرمزية، ففي موازين تحكيمه على نصوص المتسابقين، قاتل القفار لأجل الإبداع وحده، ولم تتكئ نظرته تجاه نص الآخر على أثافي انطباعه الشخصي، على العكس من ذلك تماماً، لم تك أدواته النقدية والتحكيمية لتنطلق وهو يستقدمها عن دائرة المعرفة المتوارثة لدى مدرسة النقد الواحدة، بل ـ وكما أعرف عنه جيداً ـ كان حمد الخروصي يغرس أنفاسه في الواقع والمتخيل، ويحفر في قفص صدره أولاً، مفتشاً عن لبّ الأمانة الأدبية، قبل أن يرتفع صوته بالنص الذي أمامه إلى أعلى أسقفٍ للكفاية؛ من المدارك والمعارف والحكمة والفلسفة، وحده حمد من يطلق بحُكمٍ نهائي، به إما أن يحيا الشاعر وتبقى القصيدة لأجل مستقبل واعد، أو أن يعاود الشاعر بعد تحكيم حمد، الكرّة في مهمة اكتشاف نفسه وذاته وجوهره، ليفلح غداً في مهمة اجتياز الوردة واللغم وهو يعبر حقول التجريب حاملاً القصيدة بين ذراعيّ الوعي والحس الوجداني.
فعل حمد كل ذلك لأجلنا، وانتقى لنفسه حياةً أشبه بحياة الطيف داخل (غرفة الغربة)، وارتغب بالفناء هرباً من (المصلّي اللوح) الذي آذي بتقاليده صغار الحمام في منارة مسجد الحارة، تلك الحارة التي يقف الفقر حارساً على بابها الرئيسي، وفي حين فقد أغلب الناس أثراً للقفار فوق متن حياة المجتمع الاعتيادي، وجدناه نحن حراً طليقاً، يقاسم الحكواتي شهرياره وشهرزاده في الأزقة، داخل المقاهي المنسية، يحدث البسطاء والفقراء والتعساء المتعبين، عن بلادٍ تجدل الشمس ضفيرتها.
ذهب القفار إلى مجرة يُراد اكتشافها، وعلق (الكند) على صدر (جامعي علب المعدن)، وفي (مخزين الكند) كنَزَ أطواق الياسمين، لتنطلق الرصاصة تلو الأخرى مشبعة بعطر حرية، استدعى بأريجه شغف الأم والأطفال وأوقفهم عن امتهان بيع (البخور) داخل المحطات وفوق الرصيف والناصية، دعاهم حمد إلى طيّ بسطة المباخر والجمر وأكياس حفظ اللبان، ليتبعوا القفار صوب عرس النخيل بالفلج في ربوع عمان، أرشدهم إلى (الباطنة العانس)، التي أفقدها فراق الأبناء عذريتها، يوم أن رحلوا عنها للأبد باتجاه المنافي البعيدة.
زاول حمد نشاطه اليومي، ممتهناً حرفة مدّ يد الخبز لحناجر العصافير وأفواه الأيتام، وهو نفسه الذي قاد (عجوز القرم) الضريرة، إلى أن أوصلها (مطرح) وافترشا معاً رمل الشاطئ، تهجا لها جملته الأثيرة (مسقط حمامة والبحر ريش). تلك العجوز هي التي اختطت بعكازها قصيدة كتبها سائق الأجرة، كان هذا السائق.. هو من يتكفل بإطعام الشجر قبس الشروق، ومن جيبه تخرج قطرات الندى على براعم ترتدي الكمة والرايات، لكنها لم تطرق يوماً صباح باب المدارس. فوق وجه الموجة، اختطت عكازة عجوز القرم معلقة الدهر، والموجة بدورها كانت قد ألقت بالقوافي وموسيقى التفاعيل إلى (فلك السلامة)، لتسير مواكب المجد في كرنفال يكرر إحياء عرس النهضة، بدءاً من أعلى (عقبة ريام) وصولاً لـ (زنزانة آخر الأحرار). أصبحت (عجوز القرم) رمزاً للمدافع في الأبراج، وحطت الحمامة البيضاء فوق رؤوس العلماء الزاهدين، المعتكفون داخل جامع قريةٍ مأهولة بالبيارق والصمود.
حمد.. هو القفار الذي كنس شظية الأماني عن هواء العامة، قاسم عمال النظافة وجبة الإفطار بعد الفجر، وهو الذي جاء (شاعر فصيح بلون شعبي)، يقدم سينمائية وسيميائية القصيدة العصماء، عوضاً عن أوكسجين يتلوث بالشعر المنسوخ، استورده المغرّبون من خارج عكاظ عمان الأصالة، جعل حمد من العمق التاريخي لوطنه رئة أولى، يتنفس بها الشاعر العماني أحقيته بالتفرد، وبها يتربع بثبات فوق أعلى منصات الريادة.
“الفهم الذي يضيء عتمة مسارب التجريب، يبدأ أولاً من عشقك الخالص للأرض، لكي يصعد بك معراج الفضيلة في سفرك نحو سماء الحرية”.. كانت هذه أول عبارة اختطها حمد على سبورة التقاءنا الأول، أنا وبعض الأصدقاء، منهم محمد المسلمي، صالح الرئيسي، محمد الصالحي، فيصل العلوي وخميس المقيمي.. وآخرين. وكنا آنذاك مانزال أغراراً، لم تتسع ذهنياتنا بعْد للمقدرة على استيعاب ما خلف ظهر المعنى، كالحواريين كنا، نستدير حول مائدة يسوع الشعر، كان اللقاء أشبه بالصالة الصغيرة التي التقى فيها فيديل كاسترو بالثائر التاريخي تشي غيفارا، وخططا معاً لإسقاط ديكتاتورية الطغاة في أغلب دول القارة اللاتينية. الفرق هنا.. أننا التقينا بحمد على الشارع العام، في مقهىً يتطرف منطقة “الثرمد” الفاصلة بين ولايتي المصنعة والسويق، لا توجد لهذا المقهى نقطة ارتكاز على خارطة “جوجل إيرث”مثل التي يمثلها ثقل المكسيك لدى آرنستو الأرجنتيني، والكوبي فيدل.
خطط حمد للقصيدة الحرة، دبر المكيدة التي بها أُعْتِقَت رقبة الموهبة من قيد الناشر السجان، وفي هذا المقهى، وضع القفار أول أثرٍ للحالة الجسرية التي تنقل الشاعر العماني إلى خارج حدوده، ويومها كان خميس المقيمي أكثرنا إصغاءً، فمن أول رحلة سفر له عبر مطار العاصمة الدولي، كان خميس المقيمي كلما صادف آخراً يلاقيه خارج مرتفعات الحجرين الشرقي والغربي، لا يتررد ولا يتوانى من التأكيد له على أن حمد الخروصي هو الذي دفع ثمن تذكرة رحلة سفره، وأن القفار يوم حدى منذ بواكير البدايات بقصيدته الشهيرة (والمطار يهزّ راسه.. لا تسافر.. لا تسافر) كان وحده الذي جعل من المطار يهتز له رأس بالرفض أمام أي شاعر يغادر وطنه، قبل أن يتأكد موظفو التفتيش والجمارك من أنه ذاهب وعمان أول من دخل إلى قلب الحقيبة، واليوم يؤكد خميس المقيمي، وكل من توحدت روحه بروح القفار، وأجزم أنني أحد هؤلاء، على انفعال حمد المشحون بكامل آيات الولاء والطاعة، حين قال: احملوا تراب الوطن إلى العواصم والمطارات، قبل العطر والهاتف الخلوي، واللوح الرقمي.
قلت لحمد وهو يهم بمغادرة صالة بيتي في إمارة دبي، قبل ساعتين تقريباً سبقتا موعد رحلته الأخيرة في وجهته صوب أوروبا، ما الذي تخطط له بعد الرحلة يا حمد؟ فحدثني عن نية اتصاله بأكبر عدد من الأصدقاء، الذين يقضون إجازة الصيف في بيوتهم، لكي نسافر معهم إلى وجهة أخرى، نحددها معاً، وسيتكفل هو بتوفير التذاكر لغير المقتدر منا، شريطة أن نكتب القصيدة من قمم الثلج والخَضار، نهدي الأصم والأبكم والأعمى تفاعيلها وبحورها وقوافيها، ونعود إلى (القرم) لنترك وردة ووجبة شعبية أمام باب العجوز، وعلى نفس عادته، زجرني مبتسماً باشتراطه المعهود قبل السفر، لن ترافقني يا جمال، ما لم تراقص الوطن معي، حتى وإن كنا نجلس القرفصاء في كوخ صغير، معلق فوق قمم جبال الإنديز.
لستُ أَصْدِقُ التعبير أكثر من الأديب الفلسطيني، صديقي الرائع زياد خداش، وهو يحيي ذكرى رحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش، في مقدمة مقالته الشهيرة المعنونة تحت اسم (ليس إحياء للذكرى)، إذ يقول خدّاش:
“مازال الجدال مستمراً وحامياً عن هذا الرجل في الصحف الورقية، والالكترونية، والمواقع وحسابات “فيسبوك” و”تويتر”، وفي المقاهي والجلسات البيتية وفي الأمسيات والمؤتمرات الشعرية. ليس هدف هذا النص إحياء ذكرى رحيل محمود السابعة، لسبب واحد، هو أنني لا أستطيع أن أصدق أن شخصاً مازال الناس يتجادلون بشأنه بكل هذه الحيوية والاهتمام والتشنج والقوة والخصوبة، يمكن أن يكون ميتا”.

وصية، على لسان حمد…

يا حقول الياسمين
يا اربعه من صلب سيد الغانمين
غردو
شلوا
وعيدو
انتو عْيال السحاب
وكان أبوكم فرقدين
غنوا لين الشمس تفتح للطيور الحانها
والشعر يصبح نهر
كان أبوكم.. كلما شاف النجوم
طارت أرضه للقمر
يا عبادي
يا قصي
ويا حماده
يا سما
كان ابوكم مو نبي
لكن بريحة ملاك
كان لما تلمس يديه الشطوط
تنبت الشطآن راك
ويتزاوج بالحمام وبالنوارس
والبحر في حوشكم يرمي الدمى
كان ابوكم من قلوب
يصبح الصبح ويوزعها قصايد
كان وااااايد
حب
واشعار
وعطر
ودخون
كان ابوكم صبرنا ف كل الشدايد
كان كثر بلادي يعشق ذكر زايد
يا ملايكة الثرى
يا اربعه فيكم حمد
وف ملامحكم مرايا الناصعين
انتو اطهر من كتبكم شاعر ف راية بلد
قومو يالله للنهار
شيلوا شناط الامل بعيونكم
دام ابوكم ما يموت
دام ابوكم هو حمد

جمال الشقصي

إلى الأعلى