الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / قضايا: أي رياح تغيير عصفت بالمنطقة؟!

قضايا: أي رياح تغيير عصفت بالمنطقة؟!

ـ سقط قانصوه الغوري ميتا من على ظهر حصانه
ـ حافظ الأسد: الجولان في قلب سوريا أما جنوبها ففلسطين
ـ الثورة البلشفية من كشف عن سايكس ـ بيكو السرية لتقسيم المنطقة

كانت الأفكار تترى في رأس السلطان المملوكي الأشرف قانصوه الغوري وهو يذهب ويروح في قصره في القاهرة، حين قرر أن الدفاع عن ملكه في العاصمة المصرية لا بد أن يحصل في بلاد الشام .. كان بعض القادة المسلمين الأوائل لديهم هذا التفكير مثلما فعل أحد الخلفاء العباسيين حين أرسل إلى بيروت حامية من ألف رجل من أجل الدفاع عن بغداد، بل حين فكر الأمير خمارويه بن أحمد بن طولون حاكم مصر من الزواج بابنة أحد حكام العباسيين في بغداد إيمانا بأن ذلك يعزز الروابط بين المسلمين وبين بلاد العرب.
لم يرَ الغوري بدا من الذهاب إلى الحدود التي يمكن أن يدافع فيها عن مصر وعن بلاد الشام، فلم يرَ غير منطقة مرج دابق القريبة من حلب والتي تعتبر أول الطرق الواصلة إليها من الدولة العثمانية آنذاك، التي كان مخططها احتلال بلاد الشام ومصر والمنطقة كلها، خصوصا وأنها دولة فتية تملك القوة والرجال والإمكانيات ولديها خطط لا تختلف كثيرا عن خطط أردوغان اليوم.
مشى قانصوه الغوري على رأس جيش كبير من المماليك من مصر حتى وصل منطقة دابق القريبة من حلب .. المسافة كبيرة بالكيلومترات لكنها لا تساوي شيئا في المفهوم القومي والسياسي .. وهناك حط رحاله، منتظرا قدوم العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول، فلربما يتمكن من مقاومته، أو من وضع حد له قبل أن يستكمل مخططه .. وهناك كانت القاهرة تطن في أذنه، ولكم أحب تلك العاصمة التي يحرسها نهر النيل، بل يلعب دور الحياة لها.
جاء العسس ليخبروه أن الجيش العثماني بدأ مسيرته باتجاه جيشه .. تأهب السلطان المملوكي للمعركة التي كانت بالنسبة إليه بداية أو نهاية، ونهاية كانت تعني إسدال الستارة على الحكم المملوكي نهائيا. كان الجيش العثماني يقترب بألويته وبكثافة جنوده، وكان كلما اقترب، يقترب معه مشهد لن يألفه كثيرا السلطان الغوري، حتى وصلت طلائع السلطان العثماني على مرمى رؤية الغوري الذي تفاجأ بطلائع السلطان العثماني وهي تقترب منه، فقد كان من بينهم وزيره الخاص ومدبر شؤونه وبعض قادته العسكريين، لم يستطع أن يهضم المشهد وهو على ظهر حصانه، ظل يتأمل ويتأمل الخيانة في أعلى مراتبها وضغط جسده يزداد إلى أن بدأ الدم ينزف من أذنيه ومن عينيه ومن أنفه، ثم سقط عن حصانه ومات كمدا من رؤية الغدر التي تعرض لها من أقرب الناس إليه. كان ذلك عام 1516 حين نجح العثمانيون في هزيمة المماليك واحتلال بلاد الشام وبعدها بعام في احتلال مصر.
لم تكن تلك أولى معارك المصير في المشرق العربي، فقبلها كان الكثير، وأثناءها أيضا وبعدها وإلى يومنا وغدنا أيضا. ففي هذه المنطقة الخطيرة الجغرافيا نشأت جميع الأديان تقريبا، وفيها، حاولت التعايش ولو أنها مرت بحروب الإلغاء بحيث حاول كل دين إلغاء الآخر باستثناء مرحلة صلاح الدين الأيوبي الذي عزز انتصاراته على الصليبيين بحكمة تقبل الآخر بالإفراج عنه، وتركه وشأنه على أن يعود من حيث أتى. لقد كان المشرق العربي دائما محط الخطط الجهنمية التي رأت فيه كنوزا، ومنهم من رأى فيه موقعا جغرافيا عبقريا، ومنهم من هام بتضاريسه فمكث فيه إلى أن تم طرده.
أقول تلك المقدمة البسيطة لأقول إن العرب عاشوا عروبتهم بإحساس موحد، كان فهمهم الاستراتيجي مشغولا بأمور يظن أنها بعيدة عن مواقعهم، لكن نظرا لترابط المنطقة في ما بينها، فقد خضعت للمفهوم الواحد .. وكانت كلما تألم عضو فيها يتألم الآخرون، بل كلما شكا عضو شكت له سائر الأعضاء كما يقال ..
وليست هي المرة الأولى التي تنطلق فيها رياح التغيير في المنطقة، بل كم عانت منها .. وبشكل عام، فإن المنطقة تعرضت للتغيير مرات، ضربتها عواصفه فتهدم منها ما تهدم واحترق منها ما احترق، وقتل منها أعداد غفيرة حتى ملأ الدم أزقة القدس وشوارعها مرات، وكذلك مدينة صور وصيدا وحمص وحلب وغيرها.. فقد كانت تسمية المدن هي السائدة لأن السيادة الكبرى كانت لمفهوم البلاد الأوسع، الشام ومصر مثلا، فمثلا كانت فلسطين جنوب الشام، ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد سئل مرة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إذا ما كان موقع الجولان جنوب سوريا؟ فأجاب بلغته البسطية السهلة إنها في قلب الشام لأن جنوب الشام فلسطين.
لقد تقلبت المنطقة كما عرفنا على تلك الرياح ولم تثبت أبدا أن عاشت بعيدة عنها إلا لماما. ولهذا لم يكن جديدا مفهوم الاستعمار، ومفهوم الحماية الذي عانته على الأقل عشرات السنين من العثماني الذي بث في أيامه الويل الغذائي للمناطق التي حكمها في بلاد الشام ومصر فكان الموت جوعا تقليدا. بل إن العثمانيين الذين التقطوا الواقع الديمغرافي للسكان، فقد لعبوا عليه، وتعود معظم المذابح بين المسلمين والمسيحيين إلى تلك الفترات المظلمة، بل بين بعض المذاهب الإسلامية وبين المسيحيين أيضا، مما كان يستدعي دوما سيطرتهم التامة.
الذين درسوا تاريخ المنطقة أهالهم ما تعرضت له من غزوات واحتلالات .. ويكاد المؤرخون يجمعون على أن ما من منطقة تعرضت مثلما تعرض لها منطقتنا العربية .. لكن أبشع تلك الفترات وأشدها ظلاما كانت المرحلة العثمانية بكل أثقالها التي ربضت على صدور الشاميين والمصريين، ولكثرة الضرائب التي فرضت على الناس وصل الأمر بالعثماني إلى فرض ضريب “الرأس” وهو ما يستهلكه المرء من هواء، ربما لا يصدق ذلك، لكنها الحقيقة.
ولأن منطق الاستعمار مثله مثل كل شيء يبدأ قويا ثم بالانحدار إلى أن يتلاشى، وهذه سمة عامة، شبيهة بحياة الإنسان الذي يكون صنديدا في فتوته وشبابه فإذا بمرحلة الكبر تراجعات تصل الشيخوخة التي اعتبرها الشاعر محمد الماغوط أبشع ما يواجهه الإنسان في حياته.
كان لا بد أن تنكسر الدولة العثمانية، فالعرب ملوا وجودها وجورها وكذبها ووعودها، هي بالأحرى كانت أواخر أيامها الرجل المريض الذي بدأ يأكل ذاته من داخله .. وإذا كانت كل مراحل الوجود العثماني سيئة بالمطلق، فإن مرحلته الأخيرة هي الأصعب حين شن جمال باشا الملقب بالسفاح حملة ضغط هائلة على الناس وصلت به إلى حد إعدام نخبة منهم في سوريا ولبنان وفي يوم واحد، لكن ذلك لم يفت من عضد اللبنانيين والسوريين من الثبات إلى اليوم الذي انهارت فيه الدولة العثمانية .. لكن ذلك لم يعنِ حدثا مشرقا بديلا، بل ورطة أخرى أكثر صعوبة، ربما، من الوجود العثماني .. عندما تم تصديق البريطاني والفرنسي اللذين خرجا من الحرب الأولى منتصرين، بان ما قاما به من مد يد المساعدة للعرب إنما كان مؤامرة خطيرة كشف عنها لاحقا، وفي وقت متأخر عرف العالم أن الدول الكبرى لا تقدم حسنة للدول الصغرى أو عملا مجانا أو رحمة، إنما هي تنطلق من مصالحها، ومصلحتها في الأساس أن تصل إلى أهدافها مهما كان الثمن الذي يجب أن يدفعه الصغار.
كانت المفاجأة عندما كشفت الثورة البلشفية في روسيا عام 1918 عن الاتفاق السري الذي عقده البريطاني والفرنسي سايكس وبيكو وجرى خلاله تقسيم المنطقة العربية. كانت ضربة هائلة تلقاها العرب، لكنهم مع ذلك، كدول ضعيفة، أو هي في الحقيقة أشباه دول في ذلك الوقت لا تملك القدرة على المقاومة إلا الانصياع لما حصل.
وضع سوريا ولبنان وفلسطين تحت الوصاية والانتداب الإنجليزي ـ الفرنسي، وها قد عصفت رياح التغيير مرة أخرى، فما كان من هذا الجديد على عالمنا، سوى أن يبدأ خطواته بتقسيم سوريا .. تاريخ سوريا انتقال بين مؤامرات، فما كان من السوريين سوى القيام بثورات ضد هذه التقسيم، حيث أعلن صالح العلي ثورته في جبال العلويين، وإبراهيم هنانو في منطقة حلب، وقامت ثورة في جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش .. تلك المقاومات المبكرة في القرن العشرين أدت أغراضها حين تراجع الفرنسي عن غاياته الدنيئة، لكن خساسته لا تتغير، لأن المهم عنده هو الأذى وخصوصا في المسألة الوطنية، ولذلك اتفق مع التركي على أن يقوم هذا الأخير باقتطاع أرض كاملة من سوريا هي لواء اسكندرون وضمه إليه وما زال. وكان قبلا قد اقتطع أجزاء من سوريا ضمها إلى لبنان الصغير، وهي المحافظات الأربع التي كانت أرضا سورية، والتي قام الجنرال الفرنسي غورو بإعلان دولة لبنان الكبير على حساب الأراضي السورية، بل إن هذا الجنرال، وبعد معركة ميسلون الشهيرة بين قواته المدججة بأعتى أنواع السلاح آنذاك، وبين قوات الجيش السوري بقيادة يوسف العظمة، وانتصاره فيها، دخل إلى دمشق مباشرة ليضع قدمه على قبر صلاح الدين الأيوبي قائلا: ها قد عدنا يا صلاح الدين. وكان بذلك ينتقم من مرحلة تاريخية تمكن فيها هذا القائد المسلم من تحطيم القوات الصليبية في أكثر من مكان ومحاربتها والانتصار عليها وخصوصا في معركة حطين التاريخية وطرد الصليبيين من بلادنا.
لم ينسَ ذلك الغازي الجديد أمثولة التاريخ، فجاء مع رياح التغيير التي عصفت بالعالم بعد نتائج الحرب العالمية الأولى، ليملأ فراغا تركته تركيا العثمانية .. فقد كان واضحا أن منطقتنا العربية تتعرض دائما لمفهوم الفراغ وأن عليها أن تدفع ثمنه غاليا.
الآن، والمنطقة العربية تحت ظلال فرنسا وبريطانيا، فإن إمكانية الفرنسة لم تنجح في دول المشرق في حين كانت محاولاته جارية في الجزائر وفي بلاد المغرب الأخرى .. أما بريطانيا فكانت خططها معروفة وقد استفاق لها كثيرون في تلك المرحلة من كتاب ومثقفين وسياسيين، وكان واضحا أن وعد بلفور بإعطاء فلسطين لليهود كانت الشغل الشاغل لتلك الدولة الاستعمارية، وكانت خططها فيه جاهزة، حتى أن التوقيت لتنفيذه كان مدركا تماما ..
مرة أخرى تعصف بالكرة الأرضية حرب كبرى هي الحرب العالمية الثانية، وأبطالها هذه المرة ألمانيا كالعادة وإيطاليا، وقد خاض العالم حربا لا تختلف بشاعتها عن الحرب الأولى، فلقد حملت هذه الحرب مفهوم تجانس الأضداد، إذ وقف الاتحاد السوفييتي العدو اللدود للولايات المتحدة معها إضافة إلى الموقف المشترك بين تشرشل وستالين، بل إن أوروبا كلها توحدت في وجه النازي القوي هتلر الذي بدأ سيطرة سريعة على الكثير من الأماكن، ثم بدأ تراجعا دراماتيكيا إلى أن وصل به الأمر إلى الانتحار عشية دخول القوات السوفييتية العاصمة الألمانية برلين وكذلك قوات الولايات المتحدة الأميركية.
وضعت هذه الحرب مفهوما جديدا لرياح التغيير مفاده تقويض صورة فرنسا وبريطانيا، بظهور قطب عالمي كبير هو أميركا، ثم الاتحاد السوفييتي .. في هذه الأثناء كان الضعف الفرنسي قد أدى به إلى منح لبنان وسوريا استقلالا ناجزا، فيما ظلت العيون على بريطانيا التي تحكم سياستها معظم ما تبقى من المنطقة، سواء في الخليج أو في العراق أو في فلسطين وفي مصر .. لكن العيون ظلت شاخصة باتجاه ما يدبر لفلسطين، خصوصا عندما أعلن البريطانيون انسحابهم منها عام 1948 وحددوا يوم الانسحاب تماما في منتصف مايو، الأمر الذي ترك بلبلة لدى العرب الذين شكوا بما ستقدم عليه وهي التي تتمسك بالأقطار العربية الأخرى، فلماذا إذن اختارت هذا الانسحاب من فلسطين وحدها؟
تقول بعض الرسائل إن البريطاني نزل أيضا عند رغبة الأميركي القوي الخارج من الحرب الثانية بأنياب حادة، أن تكون فلسطين الثمرة التي ستسقط لمصلحة اليهودي، ويكون بذلك وعد بلفور قد تحقق تماما بعد ثلاثين سنة تقريبا.
أسقط في يد العرب إذن، لكن صوتهم لا أمل فيه، وقوتهم محسوبة على ضعف، ويوم انسحب البريطاني من فلسطين أعلن اليهود إنشاء كيانهم على الفور .. ومن سخريات ذلك الوقت، أن العرب حين تجمعوا لمحاربة قيام الكيان الإسرائيلي لم يصل تعدادهم إلى أكثر من عشرين ألفا، في حين كان اليهود وهم مجموعة من العصابات قد تجاوزوا الستين ألفا، وفي الوقت الذي كان فيه السلاح العربي مشكوكا بأمره وصل إلى حد التفجر بأصحابه كما كان حال السلاح المصري، فإن الإسرائيلي كانت لديه الأسلحة الفتاكة في وقتها .. وهكذا، تحقق لليهود حلمهم الموعود، ووقعت الواقعة في رأس الشعب الفلسطيني الذي طرد طردا من أرضه، فهام على وجهه يفتش عن ملجأ وجده لدى أقرانه العرب وما زال إلى اليوم.
كان وجود إسرائيل إيذانا بواقع جديد، هو تجاوز حتى لرياح التغيير .. زرعت أمام العالم وعلى مرأى منه وكشفت عن مأساة إنسانية، تبين أن العالم لا يشعر بها خصوصا عندما تكون وراءها قوة كالولايات المتحدة، وكان ذلك عصرها الذهبي في المنطقة التي تعوم على النفط والغاز، وهو ما يشد تلك الدولة العظمى لأن تكون حاضرة بقوة فيها، بل كان كل رئيس أميركي إذا ما أراد إبراز قوته وعظمة بلاده يجعل من بلاد العرب ومن منطقة الشرق الأوسط مسرحا لها.
لشدة ما واجهته الأمة من ضياع فلسطين، فقد أثر ذلك على تركيبة معظمها، حيث وقعت في سوريا عدة انقلابات رفعت تحرير فلسطين، ثم جاء الانقلاب في مصر عام 1952 ليتبنى لاحقا مفهوم تحريرها .. وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس جمال عبدالناصر في بداية مشواره السياسي، أراد رئيس وزراء إسرائيل آنذاك اكتشاف ما يضمر عبدالناصر، فطلب من السفير الأميركي في القاهرة أن يقدم له تحياته، وأنه يريد فتح صفحة مصالحة معه، فما كان من عبدالناصر إلا أن طلب من ذاك السفير أن يبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي أن ينسحب من صحراء النقب، عندها أيقن بن جوريون كما قال للسفير إن إسرائيل ستتعب كثيرا مع هذا الرجل.
انطلقت إسرائيل إذن في تركيبتها الوحشية في كل الاتجاهات، تضرب وتقتل، كان هذا هدفها المباشر في زرع الرعب في قلوب العرب والفلسطينيين تحديدا، لكن الأبعاد الأهم لوجودها في المنطقة، كان زرعها في قلب العالم العربي؛ أي منع قيام أي وحدة بين مكوناته، ثم هي الشرطي الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة في تأديب من تريد تأديبه ساعة تشاء، ثم هي عامل إحباط لشعوب الأمة التي ترى فيها عاملا محبطا لأمانيها … ثم هي حارسة النفط وطرق إمداده .. إنها باختصار كيان ولد لغايات، كلها ضد العرب وآمالهم .. لقد جاء التغيير إذن بعد الحرب العالمية الثانية هزيمة للأمة في انطفاء فلسطين، وهو العضو الأهم فيها .. وقد ثبت لاحقا في كل ما جرى، أن هذا الكيان لعب أدوارا للمصلحة الاستعمارية ثبت أنه رأس جسرها، وخصوصا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ولاحقا في المراحل الأخرى. فقد كانت أحد أطراف هذا العدوان بعدما تقدمت قواته في احتلال صحراء سيناء لكنها لم تستطع فرض شروطها، خصوصا وأن قوة فرنسا وبريطانيا في العدوان تم التعامل معها أميركيا وسوفييتيا فجرى وقفه من قبل الدول الثلاث ثم انسحاب إسرائيل خائبة.
كانت رياح التغيير تتجمع وسط صحوة الأمة وخروجها لتحقيق أهدافها بقيادة جمال عبدالناصر الذي كان قد وسع نفوذه السياسي في الأمة كلها، سواء عبر انقلابات حصلت هنا أو هناك أو من خلال الخيارات الأخرى. كان واضحا أن هذا الزعيم بات المستهدف الأول بعدما صار الأقوى في المنطقة. أعتقد أن الزعيم المصري كان يقرأ ذلك بإمعان وكان يعرف أنه تجاوز الموانع في المنطقة .. وفي ليلة ليلاء، حبكت خيوط المؤامرة عليه من كل صوب، أميركيا وغربيا وعربيا، وذات صباح مشؤوم ضربت إسرائيل ضربتها حين دمرت الطيران المصري عن بكرة أبيه ثم راحت تضرب في الجيش المصري حتى حدود قناة السويس بعد احتلالها لصحراء سيناء كاملة، ثم انقلبت على المقلب الآخر لتحتل هضبة الجولان السورية، ثم لتفتك بالجيش الأردني الذي كان يدافع عن الضفة الغربية فاحتلتها كاملة أيضا، ووقعت القدس بكاملها في القبضة الإسرائيلية.
كان ذلك بمثابة التغيير الأكبر الذي هز العرب في معتقدهم ونومهم وأكلهم وشرابهم وفي …. لقد كان هزيمة مدروسة لم يتم استيعابها في لحظاتها ولا بعده بزمن، وربما ستظل طويلاقصة مثييرة تتناقلها الأجيال العربية. ويبدو أن ما جرى كان كبيرا إلى الحد الذي عصف بالمنطقة وبأحوالها كافة فطغى على ما عداه.
في القرن العشرين وفي زمن مكتئب، وقعت هزيمة دول ثلاث مصر وسوريا وفلسطين، لكن التغيير الأهم وهو التسليم بوجود إسرائيل لم يتم ولم يحصل، بل كان الشعار “لا صلح لا تفاوض لا اعتراف” أساس الرد على الهزيمة، فكان بذلك انتصارا للموقف العربي، التي انتصرت أيضا ببروز المقاومة الفلسطينية وسطوتها الكبرى على جزء مهم من هذا القرن أيضا .. وفي العام 1979 حصل تغيير كان له أثر على معطيات المنطقة حين انتصرت الثورة الإسلامية في إيران وأغلق زعيمها الخميني في يومه الأول السفارة الإسرائيلية في طهران ليحل محلها مكتب منظمة التحرير الفلسطينية. واعتبر ذلك دعما لفلسطين، لكن الأمر انتهى بطريقة درامية حين اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 وأخرجت منظمة التحرير منه إلى بلاد الله الواسعة ..
طويلة هي رياح التغيير التي كانت تعصف في كل مرة بالمنطقة العربية لتترك آثارا من التراكم، كان أبرزها حرب الخليج التي نشبت بين إيران والعراق ودامت ثماني سنوات، ثم احتلال العراق للكويت والفعل المدوي الذي أحدثته .. ثم ما أعقبه من تصيد دائم للعراق انتهى باحتلاله كاملا في العام 2003.
الذين قرأوا وصول القوات الأميركية المباشر إلى المنطقة، وتحديدا في العراق ووقوف الدبابة الأميركية بشكل واضح في بغداد، أيقنوا أن تغييرا كبيرا سوف تدخله المنطقة، فالمشهد في العراق ليس مؤثرا فقط، بل موحيا بنتائج سوف ترافقه، كان أبرزها الهجوم على حزب الله عام 2006 من قبل إسرائيل إلا أنه فشل، فكان على اللاعبين تغيير الأسلوب والدخول من جديد إلى الساحة السورية التي تم تحميلها نتائج هزيمة إسرائيل.
وفي تصور دراماتيكي، دخلت المنطقة وكأنه بدون سابق إنذار في التغيير الأكبر حين سقط رئيس تونس زين العابدين بن علي، فكان الظن أنها معركة وانتهت تفاصيلها، لكن سقوط رئيس مخضرم مثل حسني مبارك أعاد قراءة ما يجري على قاعدة ماذا يريد الأميركي من المنطقة؟ وما هو جديده وتجديده؟ وما هي رياح تغييره كي يبيع أكثر الرؤساء العرب أمركة؟ وحين حدث في ليبيا ما حدث من تغيير شامل أدى إلى مقتل القذافي بطريقة همجية، بدأ الفهم للخطط الجديدة وللعبة الأميركية التي تريد الوصول إلى غاية واحدة قدمت لها مقدمات وضحايا، لكن المستهدف الأكبر كان سوريا بكل تجلياتها الداخلية وأهمها جيشها العربي. لكن صمود ذلك البلد خربط اللعبة ودفع الأميركي إلى سحب ما في جعبته من بدائل، فكانت التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها “داعش” التي خطط لها أن تؤدي إلى الفوضى المرادة التي هي جوهر الخطة الأميركية.
المنطقة الآن غارقة في فوضاها وفي سرياليتها وخصوصا في المنحى الليبي الذي قيل معلوماتيا إن فوضاه يراد لها أن تضرب مصر وكل المغرب العربي بدوله الثلاث .. في وقت وضعت سوريا تحت هجوم دولي تجاوز الثمانين دولة لكنها تجاوزت التأثيرات الجهنمية لها.
وفق قواعد اللعبة الجديدة، فإن المطلوب قبل كل شيء انهيار سوريا وبالتالي إسقاط حزب الله، فتكون إيران قد خسرت وجودها في الشرق، خصوصا بعد أن يكون العراق أيضا قد حقق فيه “داعش” تقدما، وهو ما حصل باحتلال الأنبار والموصل وتهديد العاصمة بغداد، ولولا النزال الكردي وبعض الحشد الشعبي لتغير بالفعل وجه العراق وصارت له خريطة تقسيم حقيقية لحرب قد تدوم سنوات عمر أجيال.
منطقتنا العربية ما زالت تقاوم بعد أن تمكنت من الصمود، فكان ذلك معاكسا لرياح التغيير، بأن دولا عربية من تكوين قدراتها لمواجهة مصير محتم مكتوب له ومخطط أن يصل إلى خواتيم تغيير جذري .. كأن يريدون عالما مسامحا يقترب من إسرائيل ويعترف بها ويقيم علاقات معها كما كان المخطط الذي قامت عليه فكرة الشرق الأوسط الجديد، ومن ثم إنهاء عصر الجيوش العربية القوية والفاعلة مثل السوري والمصري والعراقي، واستبدالها بقوى أمن داخلي فقط أو بجيوش ليس لها سوى سلاح خفيف، كما هو الحال مع واقع السلطة الفلسطينية التي طبقت فكرة اختفاء السلاح ومحاربة كل من يحمله من الفلسطينيين، وفي هذا الأمر يتشارك الإسرائيلي والفلسطيني في ملاحقة حملة السلاح وسجن كل من يفكر به أو يحمله.
رياح التغيير لن تتوقف، ألسنا في عالم عربي غير مرغوب بأن تكون له قوة وحضور ودور وشخصية اعتبارية؟ لا أحد في الغرب الأميركي والأوروبي والإسرائيلي يريده عالما عربيا كما ينبغي أن يكون أو كان حاضرا مؤسسا في حضارة العالم.

زهير ماجد

إلى الأعلى