الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات..الحياة مشوار فكيف نمارسه!

كلمات..الحياة مشوار فكيف نمارسه!

لكل امرئ مشوار حياة مختلف عن الآخر، فإما وراثي وإما من صنع يده أو قدري .. لكن الإنسان هو من يجب أن يصنع حياته منذ أن يبدأ سن فتوته إلى آخر عمره. لكننا نعرف أيضا أن ثمة عائلات تخطط لأبنائها أن يكونوا ما يريدونه هم، إلا أن النتيجة لا تطابق خيارهم في بعض الأحيان أو في كثيره.
قيل سابقا وسيقال دوما إن من يزرع يحصد، أو ما تزرعه تحصده، باستثناء المواهب التي تعطى لأفراد ويحرم منها آخرون، فإن الإنسان ابن عقله، العقل البشري يقدم منذ الطفولة ميول صاحبه، ولكم تلاعب السوفييت بعقول الناشئة عندما اختاروا إنشاء تنظيم يرعى الأطفال منذ نشأتهم، ويكتشف فيهم ميول كل واحد منهم كي يتم وضعه في المكان المناسب، كانت تلك خطة الرئيس السوفييتي ستالين الذي كان لغويا بالدرجة الأولى .. ولعل ما سمي بتنظيم الكومسمول ذاك أفرز حقيقة عقولا بشرية صنعت من الاتحاد السوفييتي مقاما مهما في العالم .. فقد كان من يتم اكتشاف ميوله نحو الرياضيات يوضع في صف متخصص بتلك المادة، ومن لديه ميول نحو الأدب في صفوف مختلفة، مع أن ستالين كان يشجع فقط أهل العلوم والرياضيات والهندسة، وكان يرعاهم شخصيا ويشرف عليهم.
هذا المثل تقوم به دول كبرى عندما يكون لها خيار محدد، أما الأفراد فينزعون إلى خيارات كما قلنا. أما ما اختاره الأهل أو ما هو ميل الطالب لاحقا، وكثير من الطلاب من يختار، بل أحيانا مادة التخصص هي التي تختار طلابا معينين، وكم من طالب درس عكس ما يهوى ويحب، وكم من متخصص عمل في مادة مختلفة عن تخصصه .. كان ميخائيل نعيمة يقول إن الطريق أحيانا هي ما تأخذنا إلى حيث هي تريد، وبذلك يصبح الإنسان في بعض الأحيان أسير خيار خارج عن إرادته.
رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري لم يكمل تخصصه في الجامعة، ومع ذلك تقدم الصفوف وصار رئيسا للوزراء لأسباب سياسية مدروسة ولها أبعاد .. الزعيم النازي هتلر كان رساما فاشلا، فشل حتى في دخول الأكاديمية الفنية، لكنه برع في عقله الحزبي وفي لسانه الخطابي الذرب، فصار رئيسا للحزب النازي ثم قاد ألمانيا في حرب عالمية طاحنة، أراد أن يثأر لبلده فدفع الثمن هو وشعبه، وألمانيا هذه صاحبة عقول، شعبها من الجنس الآري الذي يتصف بالشجاعة والتفكير والاختراعات وحب العمل ووطنيته أساس حياته ..
الموهوبون في الحياة عادة قلة، أولئك الذين يصنفون شعراء أو رسامين أو مغنين أو موسيقيين أو أية حرفة يتدخل فيها القدر، هؤلاء كانوا يصنفون أيام اليونان بالطبقة المميزة، وكذلك الحال في المجتمعات اللاحقة. وأذكر أن لي صديقا يوم كنا في موسكو حاول البعض معاكسته أثناء وجوده في الفندق، وحين حاول صدهم، سأله أحدهم إذا ما كان موسيقيا؟ فأجاب بنعم. فقال له كنا نراهن على أنك موسيقي من شكلك الخارجي ومن تسريحة شعرك، ونحن قوم نبجل الموسيقيين ونجلهم على غيرهم، فرد قائلا وحتى على الطبيب والمهندس (!)، فقال: هؤلاء لا يملكون الموهبة بل إنهم يتعلمون اختصاصهم علما في الجامعات، أما الموسيقي فيولد موسيقيا. وأذكر أني حين قرأت عن عبقرية الموسيقي العربي المميز سيد درويش، وجدت كلاما منقولا عن أمه، أنه حين كان لا يزال في عمر الشهور القليلة، وحين كانت أمه ترضعه ما أن يسمع نغمة موسيقية حتى يلتفت باتجاه المصدر، ويتوقف عن الرضاعة إلى أن تتوقف الموسيقى.
لكن الموهبة وحدها لا تكفي، إنها خميرة مخبأة في عقل المرء وأحاسيسه وأعصابه ونظرته، فكم موهوب تفجرت فيه الموهبة منذ صغره، لكنها لم تعمر حتى شبابه لأن ثمة من لم يرعها ويهتم بها، نساها الأهل في غمرة الاهتمام بعمله أو لم يريدوا أن يكون مثلما هو اهتمامه .. في كل الأحوال يحتاج الموهوب إلى دراسة مادة موهبته كاختصاص، في الوقت الذي يجب أن يتمكن فيه من شتى المعلومات الأخرى، وأن يعمق اختصاصه في موهبته وأن يزيد من التدريب .. كان عبدالحليم حافظ حتى وهو متمرس في فن الغناء وكان من أوائل من حصلوا على شهادات تقدير في عالم الأداء، يتدرب دوما في ساعات معينة على الغناء .. ظل محمد عبدالوهاب يمارس الغناء والتدريب حتى عمر متقدم فقدم أغنتيه المعروفة “من غير ليه”، فيما ظلت أم كلثوم وهي الأقدر عربيا في قدراتها الصوتية الهائلة التي تتجاوز أحيانا قدرة الميكروفونات، ظلت تتدرب، تقرأ القرآن بعناية قارئ محترف، ويوم نشزت في أواخر أغنياتها بكت على المسرح، عرفت أن الحبال الصوتية لها عمر شبيه بعمر ما هو موجود في جسم الإنسان، لكن ذلك لم يمنعها إن ظلت تغني حتى آخر عمرها.
الموهبة لا تتوقف عن عمر، تزيدها الخبرات جمالا وأناقة وقدرة، الخبرة بالنسبة للموهوب هي حقله الأساسي الذي يبلغه بعد .. ولكي يصل إلى هذا المستوى، يحتاج لتعب الليالي وإلى عرق الجبين، وإلى الصبر مهما واجه من صعاب. أذكر أن عبدالحليم حافظ عندما غنى لأول مرة أغنيته “صافيني مرة” رماه الجمهور المستمع بالبيض والطماطم والبطاطا، وبصقوا عليه، لأنهم ما اعتادوا هذا النوع الجديد من الغناء، فقد كان مغنيهم هو من ينشد ويقول الآهات فيترنمون، وأحيانا يردد جملة “أنا زعلان” يظل يرددها حتى نهاية السهرة دون أن يقول سبب زعله. أما عبدالحليم حافظ فأغنيته جديدة على السماع ولحنها سريع وهو ما لم يهضمه الجمهور، ومع ذلك صمد المغني وقدم أغانيه تباعا إلى أن استساغها الشعب فتحول إلى نجم مشى يوم وفاته في جنازته أكثر من مليون شخص وانتحر نسوة وفتية، واليوم تحول ضريحه إلى مزار.
ليس إذن من يخطئ في المرات الأولى في حياته أو يقدم فنا لا يعجب، أن يتخلى عن فنه إذا كان موهوبا، إحدى السيدات اللواتي تخصصن بتدريب المغنين والمغنيات أخبرتني أن كل إنسان يمكنه أن يغني طالما أنه يملك الموهبة الموسيقية .. لكن ذلك لا يعني أن كل واحد يمكنه أن يصير مشهورا، والشهرة مطلب الجميع ويسعى إليها كثيرون مع أن عمر الشريف لم ير فيها أبدا حالة مميزة، بل إنه لم يشعر بها كما قال.
عندما سألت يوما المفكر اللبناني ميخائيل نعيمة عن بلوغه هذا المقام من الكتابة، أجابني بأنه قرأ العشرات والمئات من الكتب التي تمد العقل الإنساني بخبرة الكتابة. وأضاف أنه يستحيل أن يكون المرء كاتبا إذا لم يقرأ، تماما مثل النهر الذي إن توقف نبعه عن صب مائه جف واندثر .. ولهذا يقول الشاعر أحمد شوقي “أنا من بدل بالكتب الصحابا / لم أجد لي وافيا إلا الكتاب”. يمكن أن يكون الأصدقاء مزعجين أو حسودين أو حقودين أو… لكن الكتاب له معنى الحياة في يد الإنسان، وخصوصا في يد صاحب الموهبة، وكل منا يمكنه إن عشق القراءة أن يصل إلى الهدف الذي يقصده نعيمة في مطلبه بكثير القراءة، مع كثير التأمل كما كان يطالب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر.
المرء إذن، إما أن يرث مالا عن أهله، وقديما قيل السارق والوارث لا قيمة للمال عنده، لكن ثمة من يتفاعل مع ما ورثه كي يحقق نجاحات أكثر من أهله أحيانا، وهذا أيضا يحتاج ليس لموهبة التدبير، بل لاختصاص أيضا، فعالم اليوم لم يعد يعتمد على السليقة وحدها بل صار تخصصا .. أبناء أهل السلطة يتعلمون شتى المعارف ليس فقط لوراثة أهلهم في مواقعهم السياسية، بل لإدارة شؤون عملهم فينجحون إن كانوا فعلا متخصصين.
الحياة إذن، مشوار سواء قصر أو طال، فمكتوب له أن ينتهي .. في عمر الفتوة والشباب لا ينتبه هؤلاء إلى أن هناك مزيدا من العمر المختلف روحيا وجسديا، عندما يبدأ الجسد بخسارة نتف منه تقل القدرة .. لكن الأساس في الحياة يكمن في عمر الشباب الذي هو عمر التأسيس والخيارات التي ستكون نهائية في مشوار العمر، ومع ذلك فإن هذه المرحلة تتميز بالضبابية في التفكير وأحيانا باللامسوؤلية فتصيب الإنسان طوال عمره ما كان قد اختاره أو سقط فيه أو فعله. الانتباه كل الانتباه إلى هذه المرحلة الوردية، فهي مثل أعمدة العمارة يمكن أن تتحمل طابقا فإذا ما زدنا عليها سوف تتهدم، ومنها ما تتحمل طابقين وأكثر .. المهم هي الأعمدة وقدرتها على تحمل ثقل الحياة اللاحقة وشروطها وتنوعها ومشاكلها سواء العملية أو الصحية.
نحن إذن نغوص في خيارات الحياة، وفي أسرار بعضها، فالحياة أكبر بكثير من هذا النهج أو ذاك، إنها نهر هائل لا يمكن أن تستحم فيه مرتين كما يقول المثل، أي أن هذه الحياة تعطي المرء فرصة يجب أن لا تضيع، فكيف إذا قدر له أن يحصل على فرصتين مثلا فذاك محظوظ جدا بلا شك، وهو قد نال حظوة لم يبلغها غيره. ولكي نتمكن من تلك الحياة التي هي مشوار يجب أن نمارسه بعناية منذ أن نسلك الطريق الذي نعبده أحيانا بأنفسنا إذا كان وعرا، وهنا قيمة المرء في ما فعله، وهو تجاوز للواقع المر الذي رأى نفسه فيه فإذا بقدراته تحيل الطريق الوعر إلى سهل منبسط سوف يمر عليه بسهولة هو وأولاده وأحفاده، وكل من هم علاقة به .. إني أشجع هذا النوع من الأفراد الذين يشقون دروبهم بأنفسهم، على الرغم من أن تشي جيفارا كان طبيبا إلا أنه ترك اختصاصه ونذر نفسه لمساعدة فقراء العالم، وكان وهو طفل كلما رأى فقيرا يأتي إلى جدته وهو يبكي ليسألها عن سبب فقره.
والحياة بشكل عام جميلة ومتزنة إن أحسنا القيادة فيها، عندما يتهور السائق فإنه سيفقد السيطرة على سيارته وقد تأخذه إلى الهلاك .. أما القيادة الحكيمة الواعية والمدركة لكل الأصول، فهي التي لا يغيب عنها قيمة أن يعيش الحياة لأنها مشوار جميل جليل الخيارات عظيم الأبعاد، وفي النهاية كما يقول الشاعر المتنبي “لكل امرئ من دهره ما تعود”، ومن عادة الناس أن يصنعوا مصالحهم من أجل أن تكون لهم حياة مثالية.

زهير ماجد

إلى الأعلى