الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : ليست آخر الأزمات

باختصار : ليست آخر الأزمات

زهير ماجد

من الخطأ الاعتقاد أن الأزمات الحالية في الوطن العربي هي آخر إشكالات طارئة .. إنها ببساطة مقدمات لما هو أدهى، أو لما هو مرسوم ومتفق عليه بين الكيان العبري ومن يلتقي معه من قريب أو من بعيد. فوجود إسرائيل مفجر للأزمات، فهي إما أن تقود بنفسها الحرب المباشرة أو تفتعل في الداخل العربي ما يمكنها من أن تظل الأقوى في المنطقة.
وحدت إسرائيل لهذه الغاية، ممنوع على العرب أن يرتاحوا، عليهم أن يتعايشوا على الأزمات، وأن يكبر الطفل ليصبح كهلا وفي رأسه حلم الاستقرار البعيد. ستتغير أجيال، لكن ثوابت عدم الاستقرار ستظل قائمة .. والتصالح مع إسرائيل كارثة قومية وإنسانية وجغرافية وقومية وعروبية.
ولهذا نحن العرب أمام مصير تجدد الوقائع الحالية ولكن بأشكال مختلفة. لا أعني من تلك الجمل أن الإسرائيلي يملك تلك القوة المؤثرة على عالم عربي لولا القوة الأميركية الدافعة لها، وانبطاح الغرب وعرب أمام الإرادة الأميركية.
فكيف إذن نخرج من الحتمية تلك لنصنع غدا مختلفا عما عشناه .. الجيل الذي ولد منذ النكبة الفلسطينية 1948 وما تلاه من أجيال، لم ير يوما مليحا، استثناءات القاعدة أن يتمكن بعض العرب من الحفاظ على وضع فيه نسبة من الاستقرار، بل فيه إمكانية أن يجلس اثنان على طاولة في مقهى يحتسون فنجان قهوة دون شعور بالخوف من الشارع وما يختبئ به.
أكاد أكون جازما أن العرب لن يخرجوا من تلك الأحوال التي باتت أشبه بالوراثة المتأصلة، إلا بانقراض إسرائيل واختفاء العزم الأميركي وانكفاء الأوروبي الذي لا أمان له. فمتى يحصل هذا وهو أشبه بالأساطير التي لا تصدق، مع علمنا أن الدول مثل الأشخاص تولد وتقوى ثم يخف عزمها إلى أن تتراجع أو تنهار كما حصل لأقوى دول القرن العشرين، وهو الاتحاد السوفييتي الذي كان مبعث الأمل لنا، لكنه قد لا يوافق على اختفاء الكيان الإسرائيلي نهائيا من على خريطة الكرة الأرضية لأسباب معروفة تخصه.
نحن إذن نتقلب على الجمر، نخوض حروبا بأشكال مختلفة، ندافع عن مستقبل غير موثوق بأن يكون مختلفا، لكننا نذهب إليه كأنه ممحاة للواقع الحالي الصعب، وكلنا أمل أن نجد الفرصة القادمة بمثابة مخلص.
أملك الأمل، لكني أملك المعرفة والقراءة التي من أجلها وجدت إسرائيل ونمت، وكلنا يعرف أيضا لماذا انكباب أوروبا على دعمها؟ ولماذا يتفوق الأميركي في تقديم ما هو مؤثر لها من الحياة، ومن الحيوية كي تظل متفوقة على العرب؟
لا أقرأ في الغيب، بل أقرأ ما خلف الصورة الواضحة، وأحاول أن أجتهد في رسم الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن البال بأن حربنا من أجل بقاء الاستقلال مكلف وباهظ، لكننا لن نتخلص من عدم التبعية بمعناها الحر وليس المنبطح .. فليس لنا أن نعيش دون وجود قوة داعمة، لطالما ولدنا ضعفاء ومرارتنا منا وفينا كما يقال، أي أننا لا نواجه أعداء من الداخل، بل نواجه أيضا عربا يملكون قوة المال لكنهم مختلفون.
ومع ذلك دعونا نتفاءل مع أم كلثوم وهي تشدو رباعيات الخيام بقولها “غد برسم الغيب واليوم لي/ وكم يخيب الظن بالمقبل”.

إلى الأعلى