الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : فريقنا الحكومي .. لم يتعلم من تجاربنا الحديثة

العين .. الثالثة : فريقنا الحكومي .. لم يتعلم من تجاربنا الحديثة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

من منا لم يصب بإحباط واستياء شديدين من مشاهد إغراق مدن وشوارع رئيسة في محافظة مسقط يوم الجمعة الماضية؟ وكيف نترك أرواح المواطنين وممتلكاتهم الخاصة ومرافقهم العامة عرضة لكل حالة مناخية طارئة؟ كل من شاهد تداعيات الحالة المناخية في ذلك اليوم من خلال الصور ـ فكيف المشاهدة الميدانية؟ ـ يعتقد أن بلادنا قد تعرضت لجونو أو فيت جديدين، وليست حالة ماطرة غزيرة مصحوبة برياح شديدة، وهي أمطار رحمة، فكيف أدت إلى وفاة حالتين وأخرى مفقودة وإلى تدمير منشآت وإغراق أحياء وطرق رئيسة؟ ومسقط عاصمتنا الجميلة هي مقياس التنمية الشاملة في بلادنا، وهي معيار نجاح أو فشل البنية التحتية في كل ربوع البلاد، وإذا قد أغرقتها أمطار الرحمة .. فكيف سيكون وضعها مع موسم التغيرات المناخية المقبل الذي سوف يبدأ خلال شهور ديسمبر ويناير ومارس القادمة، وكيف إذا ما تكررت نسخ جونو وفيت ـ لا قدر الله؟
حالة ذهول أصابتنا ونحن نشاهد تجمع المياه في الشارع العام أمام الوزارات وعند دوار جبروه وفي مدينة قابوس أو في الأسفل في الخوير وغيرها، وهذه مناطق نموذجية تعكس التطور والتمدن في بلادنا، وقد أقيمت لكي تعكس تلك الرسالة الحضارية لكل زائر وسائح لمسقط، فكيف لم تصمد بنيتها التحتية أمام أمطار الرحمة لمدة أقل من ساعة؟ فكيف لو كانت ساعتين فقط؟ ـ والمدة الزمنية منقولة من وسائل التواصل الاجتماعي ـ لن ننسى كذلك مشاهد سيارات تشفط وتسحب المياه، فأين منظومة تصريف المياه الحديثة؟ كيف تعطلت ولم تستوعب أمطار الرحمة؟ هل الخلل في التخطيط أم التنفيذ؟ هي فعلا أمطار رحمة ساقها الله عز وجل رحمة بالبشر بعد أن ارتفعت درجة الحرارة إلى مستويات غير عادية، وأصبحت الأرض كذلك في حاجة ماسة لقطرة ماء، هي أمطار رحمة جاءت لتكشف لنا الخلل في منظومة بنيتنا التحتية قبل موسم الأنواء المناخية؟ وجاءت لتؤكد أن الفعل الحكومي لم يعمل شئيا إيجابيا منذ انكشاف سلبيات البنية التحتية بعد عاصفة جونو، وهي أمطار رحمة، فقد جاءت لتعلي من حقيقة أن فريقنا الحكومي المعني بالبنية التحتية لم يستفد من تجربة جونو وما تلاها من أنواء مناخية لاحقة، فماذا نحن فاعلون الآن بعد هذه الانكشافات؟ هل سنسارع في تصحيح ما يمكن القيام به بصورة عاجلة قبل أن تداهمنا حالة مناخية أكبر منها ـ لا سمح الله ـ والعد التنازلي لموسم التغيرات المناخية الشتوية على الأبواب؟ وهي أمطار رحمة جاءت لتعري حجم الاعتمادات المالية الكبيرة للبنية التحتية من طرق وجسور.. وجاءت لتكشف خفايا التخطيط والتنفيذ وتسقط بعض النخب.. إلخ. فهل ينبغي أن نفتح باب المساءلة والمحاسبة؟ (نعم) ثروات وطنية ضخمة قد صرفت على تلك المشاريع الكبيرة، فكيف ضاقت صدرا بأمطار الرحمة؟ وقد مررنا بتجارب مناخية أكبر حجما منها، وما جونو وفيت عنا ببعيد، فلماذا لم نتعلم منهما في كيفية حماية مشاريعنا ومدننا؟ وكيف تظهر عاصمتنا الآن مكشوفة للمخاطر متوسطها وكبيرها؟ تساؤلات تطرح قضية واحدة فقط وهي فتح باب المساءلة والمحاسبة من النواحي الآتية: ماهيات التخطيط لتلك المشاريع على اعتبار أنه كان هناك لجنة عليا لتخطيط المدن ـ سابقا ـ مسئولة عن استقراء مختلف التحديات التي سوف تواجهها مشاريعنا ومدننا، سواء كانت (أي التحديات) طبيعية أم غير طبيعية، فلربما نكتشف التقصير فيها، وقد انتقلت المسئولية الآن إلى المجلس الأعلى للتخطيط، فما وضعه؟ هل ارتقينا به لكي تقوم بعمليات التصحيح لتفادي الخلل في اللجنة السابقة أم لا يزال الخلل قائما؟ ولو كان قائما، فهذا سيضعنا أمام مجموعة مخاطر كبيرة ستواجه التنمية والبنية التحتية والمواطن نفسه خلال موسم الأنواء المناخية المقبلة إذا ما تكررت نسخها كجونو وفيت مثلا، كما تفتح أمطار الرحمة الأخيرة قضية تقييم المشاريع ومدى قدرتها على المواجهة والحماية. وهنا يطرح تساؤل آخر مهم وهو: هل قام المجلس الأعلى للتخطيط ـ الجديد ـ بعملية تقييم المشاريع الاستراتيجية القائمة كسدود الحماية والطرق والجسور؛ لكي يتأكد من صلاحيتها الكاملة لمواجهة أية أنواء مناخية بعد تجارب جونو وفيت؟ إذن، لماذا لم يعمل على تصحيح الخلل في منظومة تصريف المياه على الطرقات والشوارع والجسور وحماية المدن؟ الملاحظة هنا تشمل كذلك الوحدات المعنية بهذه القطاعات، فلماذا لم تتدارك الأخطاء قبل الحالة المناخية الأخيرة؟ ولو تركناها على سلبية أدائها وقصور تفكيرها فسوف تظل الأخطاء نفسها قائمة، وبالتالي مخاطرها على البشر والتنمية ستكون أكبر.
ليس هناك من نتيجة نستخلصها مما حدث مؤخرا، وما حدث ماضيا، وما سوف يحدث مستقبلا سوى أن الفريق الحكومي لا يستفيد من تجاربنا السابقة رغم علمه بها، ورغم أنه يعمل في إطار مؤسسات دستورية رصدت لها الدولة موازنات ضخمة لتحضير البلاد لمواجهة مختلف التحديات والإكراهات، ورغم هذا يتجاهل تلك السلبيات الجسام، فمن ينبغي أن يحاسبه على التقصير والإهمال وصرف الثروات على مشاريع غير مكتملة؟ تساؤل قد يظل معلقا أو سابحا في السماء دون أن ينزل إلى الأرض .. وموسم الأحوال المناخية على الأبواب.. لذلك، نطلب من المجلس الأعلى للتخطيط تحمل المسئولية والإسراع بتشكيل لجنة فنية على وجه السرعة لفتح ملف البنية التحتية وصلاحيتها لمواجهة الأنواء المناخية “حماية للبشر ولمكتسبات البلاد”، ليس في عاصمتنا فقط، وإنما في كل المحافظات المعرضة لمخاطر الأنواء المناخية، والعمل على تحصين أساسيات المواجهة قبل موسم الأنواء المناخية، وإلا، فهل سنظل سلبيين..؟ والسلبية ستدفعنا الثمن غاليا ـ لا قدر الله ـ اللهم احفظ بلادنا من كل سوء.

إلى الأعلى