الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بناء القيادات وضرورات المرحلة الوطنية الراهنة

بناء القيادات وضرورات المرحلة الوطنية الراهنة

محمد بن سعيد الفطيسي

عليه فإننا ومن باب الأمانة الوطنية أولا، والأخلاقية والمهنية ثانيا، أن نذكر كل من قدر له أو سيقدر له في يوم من الأيام أن يكون في موضع المسئول عن اختيار القيادات الوطنية بشقيها الاستراتيجي التخطيطي أو الإداري الخدمي أن يتقي الله ويخافه عند اختيار تلك القيادات، وأن يحرص كل الحرص على اختيار الأنسب منها والأحق والأجدر والأنسب للمكان المناسب، لأنه سيحاسب على ذلك عندما يقف أمام الله عز وجل، وسيحاسب أمام التاريخ والأجيال القادمة عن ذلك الاختيار..

القيادات والسياسات، جناحان يحتاجهما كل وطن يريد أن يحلق إلى سماء المجد والرخاء والأمن والاستقرار بمواطنيه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يحلق بأحدهما مهما بلغت درجة قوته دون الآخر، كما لا يمكن كذلك أن يتمكن من الطيران بشكل صحيح ومتزن إذا كان أحدهما ضعيفا أو يعتصره الوهن، فالمسألة مسألة اتزان ودقة، وتكامل وتجانس، لا يمكن أن يتحقق بالاعتداء أو الاعتلاء أو تغافل أو تهميش أو ضعف طرف على حساب آخر.
وبكل تأكيد لا نتحدث هنا عن أي قيادات وطنية أو أي سياسات حكومية، بل الحديث عن قيادات وطنية مؤهلة وجديرة بالثقة الوطنية والسلطانية السامية، لأنها تملك أولا الضمير الوطني الحي والحر، وثانيا الفكر الوطني المستنير، وأخيرا الإمكانيات والإنجازات الشخصية، القادرة على التعاطي مع المرحلة الوطنية والتاريخية بكل تحولاتها ومتغيراتها الحضارية والإنسانية والتنموية، وفي مختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك، وسياسات حكومية تحمل بين طياتها رؤية ثاقبة للحاضر القائم والمستقبل القادم، لأنها في الأصل وليدة تلك القيادات الوطنية التي استحقت أن تكون في الزمان والمكان المناسبين، فإذا وجدت القيادات المناسبة وجدت معها السياسات المناسبة، والعكس صحيح.
فكما هو معروف أن واحدا من أهم أعمدة الجودة الإدارية وأسس إدارة المستقبل الوطني لأي مؤسسة وطنية، بل أهمها على الإطلاق ـ من وجهة نظرنا ـ هو اختيار القيادات المناسبة في مختلف مجالات وفروع العمل الإداري, ووضعها في المكان المناسب والسليم لتحقيق الأهداف والطموحات الوطنية التنموية والنهضوية المأمولة، فوجود الرجل المناسب من حيث امتلاكه لسيرة ذاتية مليئة بالإنجازات الشخصية والوطنية والمؤهلات القيادية والأكاديمية والأخلاقية، بداية من القدرة على الإبداع والتخطيط الاستراتيجي والنظرة المستقبلية والاستشرافية والثقافة العامة، والمؤهلات الوطنية كالولاء للوطن ومحبته والإخلاص له، والمؤهلات المهنية والعلمية كالشهادة التخصصية والخبرة الأكاديمية والعملية، هي معايير رئيسية لا يجب التهاون بها أو إهمالها لتأثيرها سلبا أو إيجابا على جودة العمل الوطني أو السياسات الوطنية، وبالتالي مستقبل الوطن واستقراره وأمنه وتقدم نهضته.
وبمعنى آخر، أن وجود أفراد من أبناء الوطن أو حتى وافدين غير مناسبين في أماكن ومؤسسات وطنية بسبب عدم امتلاكهم لسيرة ذاتية مناسبة تؤهلهم وتدعم ترشيحهم لتلك المناصب والأماكن القيادية الوطنية ذات الطبيعة التخطيطية بشقيها الاستراتيجي أو التكتيكي أو حتى الإدارية منها باختلاف أهميتها ومستوياتها وقطاعاتها وتوجهاتها، أو بسبب وضعهم في أماكن لا تتناسب وقدراتهم أو مؤهلاتهم هو جريمة وطنية لا تغتفر، وتدمير ذاتي لمستقبل البلد، وسبب من أسباب تخلفه وضعف تنميته، وجزء لا يتجزأ من امتدادات الفساد الإداري، وضياع وهدر غير مقبول لثروات الوطن ومقدراته “لا قدر الله”، وعقبة في طريق تقدم نهضة “أطال الله عمرها وعمر بانيها” قدم لها قائد هذا الوطن العزيز أجمل ثمرات عمره وشبابه، فكان من الواجب الوطني المحافظة عليها بكل قوة وحزم.
ولهذا فقد كان من الاستراتيجيات التي تعمل عليها إدارة الموارد البشرية وجودتها، استراتيجية وضع الشخص المناسب في المكان المناسب للوصول إلى الهدف المنشود بأسرع وقت وأقل مجهود وبجودة عالية، فلا يجوز على سبيل المثال لا الحصر اختيار فرد من الأفراد لديه مؤهل علمي تخصصي مهما بلغ مستواه الأكاديمي في الزراعة او التجارة لإدارة مؤسسة رياضية أو تربوية، أو مؤهل تربوي لإدارة مؤسسة زراعية، أو مؤهل في التربة أو البيطرة أو علم الحيوان أو النبات لإدارة مؤسسة تدير خدمة اجتماعية مدنية أو عسكرية أو موارد بشرية لا شأن لها من قريب أو بعيد بذلك التخصص الذي يملكه ذلك الشخص، كما لا يمكن القبول لا من حيث المنطق ولا العقل ولا الحكمة ولا الولاء الوطني بوضع شخصية أو فرد لمجرد انتماء قبلي أو ولاء شخصي أو كمكافأة أو منحة، فالوطن وثرواته ومقدراته ومستقبله فوق كل الاعتبارات والاستثناءات القبلية السياسية أو الولاءات الشخصية.
أمر آخر يجب الانتباه إليه جيدا، وهو أمر في غاية الخطورة والأهمية القصوى، ونقصد مؤسسات ومراكز ومجالس التخطيط الوطني في مختلف مجالاتها وفروعها وتوجهاتها المدنية أو العسكرية، والتي تعمل في الأصل على التخطيط المستقبلي ورسم السياسات الاستراتيجية الوطنية، وهي تختلف بشكل كامل وكلي عن تلك المؤسسات الإدارية أو الخدمية، حيث يجب أن ترتكز (أي تلك المؤسسات الاستراتيجية والتخطيطية) على أساس التنوع المهني والأكاديمي، بحيث يجب أن يتم اختيار الأفراد والقيادات التي ستنتسب إليها على أسس بالغة الدقة والجودة والموضوعية والمهنية والتنوع، ويجب أن تقسم إلى فئتين، أولاهما: فئة المتخصصين والثانية: فئة المبدعين، بحيث تعزز تلك المراكز بأفراد لهم ملكات ومميزات خاصة جدا, أكان ذلك من حيث التخصص أو من حيث القدرة على الإبداع والاستشراف والتخطيط المستقبلي, فليس بالضرورة أن يكون الأكاديمي أو التخصصي قادرا على القيادة والتخطيط ورسم السياسات، وهو عكس المبدع والاستراتيجي وصاحب النظرة المستقبلية الذي يملك صفات القيادة، ولكنه يحتاج إلى عون المتخصص، وهو ما يجب أن نعيه وندركه في اختيار القيادات ووضعها في الأماكن المناسبة لها.
(فقد بينت التجارب الكثيرة في المنظمات أن العديد من الانتكاسات والمشاكل في العمل كان سببها سوء إدارة العمل وضعف القرار المتخذ، وعدم الخبرة في التعامل مع الآخرين مهما كانت صفاتهم، وهذا الأمر لا يعود إلى وجود مشكلة أو خلل في الوظيفة أو العمل فحسب، بل لأن هناك خللا في عدم قدرة من يديرها ويتحمل مسؤوليتها، فتطبيق قاعدة الشخص المناسب في المكان المناسب لا تشمل فقط المناصب العليا القيادية في المنظمات بل إنها تتوافق مع كل مستويات الوظائف الموجودة، فإن تنظيم هيكل الوظائف يعتمد على وجود مواصفات فنية أو مهارية أو علمية لكل مستوى من هذه الوظائف تعتمد بالأساس على نوع المورد البشري المؤهل لشغل المسؤولية في كل واحدة من هذه الوظائف).
عليه فإننا ومن باب الأمانة الوطنية أولا، والأخلاقية والمهنية ثانيا، أن نذكر كل من قدر له أو سيقدر له في يوم من الأيام أن يكون في موضع المسئول عن اختيار القيادات الوطنية بشقيها الاستراتيجي التخطيطي أو الإداري الخدمي أن يتقي الله ويخافه عند اختيار تلك القيادات، وأن يحرص كل الحرص على اختيار الأنسب منها والأحق والأجدر والأنسب للمكان المناسب، لأنه سيحاسب على ذلك عندما يقف أمام الله عز وجل، وسيحاسب أمام التاريخ والأجيال القادمة عن ذلك الاختيار, فلا تكونوا سبة الدهر وممن ستلعنهم الأجيال القادمة على ما اقترفته أيديهم في حق هذا الوطن ومقدراته وثرواته ومستقبله.
وأخيرا وقبل أن نختم هذا الطرح، نكرر رؤية طرحناها مرارا وتكرارا وهي ضرورة استحداث أو إنشاء مؤسسة وطنية لإعداد القادة المستقبليين، وعندما نتحدث عن مؤسسة وطنية لإعداد القادة المستقبليين في شتى مجالات الحياة، وخصوصا تلك التي تلامس شؤون ومصالح الشعب والوطن الداخلية والخارجية، فنحن حينها نتحدث عن مهمة وطنية عليا، فالمستقبل كما قلنا في أطروحات كثيرة لا ينتظر واقفا في محطة ما، بل هو في حركة دائمة وسريعة جدا، يتطلب منا كأفراد ومؤسسات أن نسعى بشكل دائم ومتواصل لمواكبة سرعته ومتغيراته وتحدياته الحضارية والإنسانية، لذا فإن ذلك وكما يتطلب منا حركة مستمرة ودائمة في تطوير البنية الوطنية التحتية للعمران، فكذلك وهو الأهم، أن يواكب ذلك حركة أكثر استمرارية ومداومة على تطوير وبناء وإعداد العقول الوطنية التي ستقوم بإدارة تلك البنية العمرانية.
فالحاجة اليوم إلى مؤسسة وطنية أكاديمية متخصصة في إعداد العقول الإدارية المستقبلية المدربة على التخطيط والتفكير الاستراتيجي والمستقبلي غير التقليدي، وإعداد السيناريوهات والخطط المستقبلية لمواجهة مختلف التحديات والتحولات والظواهر التي من المؤكد أنها ستصادفنا في طريق المستقبل الوطني، هي مهمة وطنية مستقبلية في غاية الأهمـية. وبمعنى آخر، نحن اليوم بحاجة ماسة وملحة إلى صناعة جيل من الشباب الوطني المبدع من المفكرين والمصلحين في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وخلافه.
إن هذه المسألة ليست مجرد بذخ علمي كما يدعي البعض، فنحن اليوم نمر بعقود من التحولات السوبرانية، في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وهو ما يدفعنا لأن نقرر أن نخطو خطوة متقدمة بالنسبة لنا، سبقتنا بها العديد من الدول، ولا أتصور شخصيا أن ذلك يمكن أن يتحقق إلا من خلال المؤسسات المستقبلية المتخصصة، كمراكز الدراسات وأكاديميات إعداد القادة وجامعات الدراسات المستقبلية والاستراتيجية, ومن خلال الاستغلال العلمي الأمثل والمخطط له لشريحة “الأقلية الوطنية المبدعة” أو “العباقرة من القادة” أو “النخبة والصفوة من أبناء المجتمع”، وهم أشخاص ذوو ملكات وعقول ومواهب مبدعة وغير تقليدية التفكير والنظرة المستقبلية للأحداث والمتغيرات والتحولات الوطنية والإقليمية والعالمية.
ومما لا شك فيه أن الاستثمار في البشر أهم بكثير من الاستثمار في المدر، فكيف إذا وجه ذلك الاستثمار إلى صقل ورفع كفاءة شريحة يسهل كثيرا الاستفادة منها، كونها شريحة جاهزة من مخزون المواهب التي تمتلك الفكر والإبداع والقدرة على الخروج عن النص الإنساني في طريقة إدراك الأشياء والإحساس بها والنظر إلى المستقبل، وتوقع الأحداث والوصول إلى الحلول لمشاكل معقدة، وإدارة العديد من الأزمات بطرق لا يمكن أن يصل إليها العديد من أبناء المجتمع، وغيرها الكثير من الملكات التي ميز الله بها هذه الشريحة من البشر عن غيرهم من أبناء المجتمع.
لذلك وكما يقول المفكر والفيلسوف والناقد الاجتماعي البريطاني برتراندراسل (إنه إذا أرادت أي جماعة أن تتقدم، فلا بد لها من عدد من الأفراد لا تتقيد بالأوضاع المعمول بها في هذه الجماعة، وما التقدم في الحقيقة فنيا أو أخلاقيا أو عقليا إلا ثمرة لجهود هؤلاء الأفراد الذين كانوا قوة فعالة في الانتقال بالمجتمع من الوحشية إلى المدنية، ولو كتب لمجتمع أن يتقدم فلا بد له من أفراد استثنائيين يقومون بلون من النشاط لا ينبغي أن يكون عاما على الرغم مما فيه من نفع).
نعم …. إننا اليوم كغيرنا من دول وشعوب العالم نعايش ونعيش مرحلة وحركة تاريخية وحضارية وإنسانية استثنائية فرضتها علينا العولمة العابرة للقارات، وتلك التحولات والمتغيرات والظروف السياسية والحضارية الاستثنائية التي بدأت مع مطلع العقد الثاني من القرن الـ21, وكما نعلم أنه لا بد من تمهيد إنساني مستقبلي لكل حركة تاريخية ذات مغزى حضاري، وهذا التمهيد هو يطلق عليه “بالوعي الحضاري” للأمة والأفراد.
وليس من الضروري كما يؤكد ذلك الأستاذ حسين مؤنس في كتابه، الحضارة ـ دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطويرها ـ أن يكون ذلك النوع من الوعي قائما في ذهن كل أفراد المجتمع، بل يكفي أن تكون هناك أقلية قائدة وواعية، وهي قائدة لأنها واعية، وهذا يعني أن لكل أمة أو جماعة إنسانية واعية ومتقدمة صفوتها المختارة التي تقود وتبدع، وتبني وتنظر إلى الأمام وتحسب حساب الحاضر والمستقبل.
إذًا، لا بد من الانتباه والتنبه لقيمة وأهمية تلك المواهب الإبداعية والقيادية في المجتمع، والسعي لتهيئة الظروف والمناخ والبيئة الاجتماعية والعلمية المناسبة للارتقاء بها، فالأمة الواعية تنتج الأبطال والشخصيات والنخب والمبدعين والقادة القادرين على تحمل مسؤولية مرحلتها والنهوض بشعبها، وبدورها فإن تلك النخب، تنتج الأمة العظيمة القادرة على مواكبة المتغيرات والتحولات المستقبلية، والسير بها بخطوات ثابتة نحو المستقبل، (فالمواهب الكبيرة تظهر حينما تكون الشروط الاجتماعية مناسبة لوجود التطور، وهذا يعني أن كل الرجال والقادة الموهوبين الذين يصبحون ـ فيما بعد ـ قوة اجتماعية ويؤثرون في الأحداث، هم إنتاج العلاقات الاجتماعية).
إننا اليوم بكل تأكيد بحاجة إلى مؤسسة وطنية استثنائية يتم من خلالها تخريج وصناعة جيل وطني قيادي غير تقليدي، عاشق لتراب هذا الوطن الحبيب، يقدر تاريخه وحضارته وعظمة شعبه، وعلى أعلى المستويات الإدارية والفكرية والعلمية، يتم اختياره من خلال تلك النخب والمبدعين والقادة والمفكرين في مختلف نواحي الحياة، والذين أثبتوا قدرتهم الخاصة وإمكانياتهم الاستثنائية على قيادة دفة الأمة الوطنية إلى المستقبل من خلال نفاذ البصيرة والعمل على تغيير الواقع والقدرة على استشراف آفاق المستقبل وتحدياته.

إلى الأعلى