الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شهادات في الذكرى الخامسة لوفاة المناضل محمد مزالي

شهادات في الذكرى الخامسة لوفاة المناضل محمد مزالي

د.أحمد القديدي

أن تجد سياسيا ومثقفا في نفس الوقت أمر جد نادر، والقاعدة أن السياسيين يحتقرون المثقفين، والمثقفون يحتقرون السياسيين. استهواني في الرجل جمعه بين ما لا يجمع وربما كان من أين ـ لا أدري ـ القدوة والنموذج. هكذا أسس الرجل اتحاد الكتاب التونسيين (الذي سيدخل بعده في احتضار طويل وهو اليوم جثة محنطة) وفتح باب مجلته “الفكر” لكل المبدعين لا يحابي على موقف عقائدي أو ولاء سياسي.

في صيف 2010 التحق بربه صديقي المناضل محمد مزالي رئيس حكومة تونس من 1980 إلى 1986 وصاحب الإنجازات السياسية والحضارية الباقية بعده مثل التعددية الحزبية، وإطلاق سراح سجناء الرأي في وطنه تونس، وعلى صعيد تعريب التعليم وتأصيل أجيال تونس، وعلى مستوى دعم القيم الأولمبية الرياضية، وتأسيس التلفزيون الوطني، وبالطبع لم تكن مسيرة الرجل خالية من الأخطاء في التقدير وسوء اختيار أعضائه، وعدم أخذ القرار الحازم في الوقت المناسب. والحمدلله أني كنت من بين أصدقائه القلائل الذين لا ينافقونه لا في عهد الحكم، ولا في المنفى المشترك الطويل، بل إني في كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) الذي نشرته سنة 2004 في حضرة السلطان الجائر لا بعد رحيله، وفي حياة محمد مزالي لم أكتم نقدا جريئا سجلته في الكتاب وقرأه أول من أهديته إياه وهو محمد مزالي نفسه حين كنا في بقايا منفانا الباريسي، ولم يلمني الصديق العزيز على ما جاء فيه رغم قسوتي على نفسي وعلى أخطاء عهده؛ لأنه يعرف خالص مودتنا وطويل كفاحنا المشترك ومعدن صداقتنا الفكرية الطويلة من أجل وطننا، ولأنه يدرك أننا كتيار عروبي تأصيلي داخل حزب الدستور لم ننجح في النجاة من المؤامرات والدسائس، ولم نكن من المناورين. وأذكر أن مزالي كان يردد وهو في عز السلطة أو في قمتها أو في منفانا أنه (مثقف ضاع في متاهات السياسة..!) وفي ذكرى وفاته هبت بعض الأقلام لإنصاف المناضل وتقييم بصماته، ومن هؤلاء الصحفي محمد بوغلاب الذي كتب يقول:
“يذهب بعض المحللين والمتابعين عن قرب للشأن السياسي في تونس في آخر فترة من حكم بورقيبة إلى أن محمّد مزالي يعتبر من الذين حاولوا فتح الباب لحياة ديمقراطية تعددية وربط خيوط التواصل مع الإسلاميين وتفاوض معهم، ولكنه فشل في النهاية حتى في تأمين سلامته الشخصية، فقد انتهت قصته مع السلطة بهروبه خلسة إلى الجزائر يوم 3 سبتمبر 1986، وفي شهر أبريل 1987 صدر ضده حكم غيابي يقضي بسجنه خمسة عشر عاما ومصادرة أملاكه وخاصة مسكنه بسكرة الذي أصبح ناديا للقضاة. أما مسكن إبنه (الحبيب) فأصبح ناديا للمحامين، وتم إيقاف ابنه الأكبر المختار الذي كان مديرا عاما لشركة “ستيل”، وصدر ضده حكم بعشر سنوات أشغالا شاقة قبل أن يتم الإفراج عنه في 31 ديسمبر 1987 دون أن يثبت عليه شيء مما إتهم به من سوء تصرّف.
انطلقت ماكينة الدعاية ضد مزالي لتهدم ما كان يفاخر به وهو نظافة اليد، لتتهمه بإفراغ خزائن البلاد وتهريبها إلى سويسرا، ويبدو أن كثيرين من أبناء شعبنا الطيب المحب للمغامرين قد صدّقوا هذه الرواية”.
الشهادة الثانية كتبها الصديق محمد المنصف المرزوقي في نفس أسبوع وفاة مزالي من باريس، ويقول فيها حول علاقته الشخصية به:
في سنة 81 ومزالي هو الوزير الأول منذ سنة، جاءني الدكتور حمودة بن سلامة ـ وكان من نفس جيلي من الأطباء والديمقراطيين ـ قائلا سي محمد يدعوك هذه الليلة للعشاء في مطعم “المغربية” مع ثلة من المعارضين للحديث عن مستقبل الديمقراطية في بلادنا. ذهلت للدعوة وأذهلني أكثر تحمل الرجل طوال العشاء الذي ضم نخبة من المعارضين الديمقراطيين الشبان نقدي اللاذع للوضع الذي كنا نعتقده بسذاجة أسوأ وضع ممكن، وكم صدق من قال رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه. تلك الدعوة لم تكن تمويها حيث لم يكن هناك تلفزيون أو إعلام رسمي، وإنما نية صادقة في فتح الحوار مع الشبان والقوى الصاعدة التي تعبر عن التغييرات العميقة داخل المجتمع. ذلك لأنه وقع اجتماع ثانٍ بمقر رئاسة الوزارة والرجل يستمع ويكتب في كنشه ويهز رأسه بالموافقة الضمنية على كل ما كنا نقول. نعم كان محمد مزالي صادقا في نيته الهادفة إلى تأهيل النظام البورقيبي لنمر من الأبوية الاستبدادية إلى دولة القانون والمؤسسات. كان هو ابن الحزب الواحد واعيا أن عهد الحزب الواحد ولّى وانتهى، وأن مناعة تونس وتقدمها تكمن في مواكبة سير التاريخ والانفتاح على الأجيال الشابة والتجاوب مع طموحاتها بدل قمعها الغبي وتجاهلها الأخرق. يا إلهي كيف مررنا من حالة يستمع فيها رئيس وزراء لأشد المعارضين صراحة وصرامة ولا يغضب وحالة اليوم الذي تعطى فيها تعليمات لكي يضرب في الشوارع معارضون تجاوزوا الستين وتوضع الأصابع في مؤخراتهم حسب تقنيات الأوباش إمعانا في إذلالهم.
أن تجد سياسيا ومثقفا في نفس الوقت أمر جد نادر، والقاعدة أن السياسيين يحتقرون المثقفين، والمثقفون يحتقرون السياسيين. استهواني في الرجل جمعه بين ما لا يجمع وربما كان من أين ـ لا أدري ـ القدوة والنموذج. هكذا أسس الرجل اتحاد الكتاب التونسيين (الذي سيدخل بعده في احتضار طويل وهو اليوم جثة محنطة) وفتح باب مجلته “الفكر” لكل المبدعين لا يحابي على موقف عقائدي أو ولاء سياسي.
هذا السياسي المثقف كان من أكبر أنصار العربية في بلد فرض فيه بعض الأغبياء قاعدة أنه لا لحاق بركب التقدم إلا باعتماد لغة أجنبية. كان هو خريج السوربون مؤمنا بأنه لا لحاق لركب التقدم إلا باعتماد كل شعب على لغته. لما زرته في مكتبه وهو وزير التعليم العالي في نهاية السبعينات حاولت بسذاجة أن “أبيعه” فكرة تعريب الطب. ابتسم الرجل بأسى وفهمت أنني أحاول إقناع مقتنع، لكن كل أوراق اللعبة لم تكن بيده. المهم أنه اكتفى بتوصية عميدة كلية الطب في سوسة آنذاك الدكتورة سعاد اليعقوبي أن “تضع يدها عليّ”، وهكذا كان هو السبب في استلامي رئاسة قسم الطب الجماعي بكلية سوسة وإشرافي على تجربة الطب الجامعي في الأرياف والقرى الفقيرة، وهو يتابعها من بعيد ناصحا ومشجعا ومعطيا كل الإمكانيات لنجاح تجربة كانت تونس مفاخرة بها، ووضع لها نظام ابن علي حدا سنة 1994 إثر سجني تلبدت السحب شيئا فشيئا والرجل يواجه بعداوات من مصادر متعددة وأهداف مختلفة إلى أن جاءت كارثة 1984 ووضعت على كاهله مسؤولية رفع ثمن الخبز وما انجرّ عنه من تمرد الشعب. بالطبع كان لا بد من كبش فداء، وهل ثمة أحد غيره وهو الذي كان يريد الديمقراطية والتعريب وتمكين الجيل الجديد.”
هذه شهادة من رجلين صادقين لكني أعبر هنا عن أسفي لأن المرزوقي حين تحمل أمانة رئاسة الجمهورية بعد الثورة قام بتكريم عدد ممن خدموا الوطن بإخلاص مثل الملك سيدي المنصف باي والشهيد المغدور صالح بن يوسف والعجيب أنه لم يكرم محمد مزالي ورفاقه بعد أن ظلموا وتشردوا في أرض الله خمسة عشر عاما، وبعد محنة المظالم الكيدية والمنافي التي عاشها معنا المرزوقي نفسه في باريس سنوات، وأعتقد أنه هو ذاته يأسف لذلك، وله أعذاره في زحمة القضايا المطروحة على البلاد.

إلى الأعلى