الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اكتشافات الغاز .. لا تكفي وحدها لإنقاذ الاقتصاد المصري

اكتشافات الغاز .. لا تكفي وحدها لإنقاذ الاقتصاد المصري

محمد عبد الصادق

جاء اكتشاف حقل الغاز الجديد في وقته, قبل اضطرار مصر لاستيراد الغاز من إسرائيل لتلبية احتياجاتها الملحة, ويجب على الحكومة المصرية ألاّ تكرر أخطاءها وتتورط في إبرام عقود طويلة الأمد لتصدير الغاز, ولا بد أن تكون الأولوية للاستهلاك المحلي المتزايد, واستخدام الفائض في الصناعة بدلًا من تصدير الغاز الخام, واللجوء لبيع الغاز المسال بنفس طريقة بيع النفط في صفقات فردية, خصوصًا ومصر تمتلك بنية أساسية في مجال إسالة وتعبئة وصب الغاز في البحر المتوسط.
جاء الإعلان عن اكتشاف حقل الغاز الضخم أمام السواحل المصرية, كطوق نجاة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي, الذي يبذل جهودًا جبارة منذ تولى الحكم منذ أكثر من عام, لانتشال الاقتصاد المصري من حالة التدهور التي أصابته, منذ اندلاع ثورة يناير 2011م, التي صاحبها حالة انفلات أمني وسياسي, تسببت في وقف عجلة الإنتاج وتراجع الصادرات وتوقف السياحة (سجلت 14 مليون سائح و12مليار دولار عائدات في 2010م), ورغم تحسن الحالة الأمنية في مصر ونجاح أجهزة الأمن في السيطرة على الحوادث الإرهابية إلى حد بعيد, وانعقاد المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ مارس الماضي, ونجاح السيسي في إنجاز توسعة قناة السويس خلال سنة كما وعد, والدعاية الدولية التي واكبت الحدثين, وما صاحبهما من جهود لجذب استثمارات عربية وأجنبية بمليارات الدولارات لتوفير فرص عمل والإعلان عن استثمارات جديدة وتوقيع مذكرات تفاهم لتنمية وتعمير محور قناة السويس.
رغم هذه الآمال والخطط الواعدة لم يشعر المواطن المصري بتحسن ملموس, وما زال الاقتصاد يعاني؛ فمعدلات التضخم في ازدياد, وأسعار السلع والخدمات في اشتعال, وأصبح تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطن المصري البسيط حلمًا بعيد المنال, وباستثناء زيادة دخل قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين في الخارج وتحسن طفيف في مداخيل السياحة؛ تراجعت معظم مؤشرات الاقتصاد المصري؛ فانخفضت قيمة الجنيه المصري وتراجع الاحتياطي النقدي لأقل من 20مليار دولار ـ رغم المساعدات الخليجية ـ وارتفع عجز الموازنة ووصل معدل البطالة لـ13% بين الشباب وتوقفت آلاف المصانع عن الإنتاج؛ بسبب مشاكل تمويلية وسوء العلاقة بين العمال وأصحاب العمل؛ مما أدى لتراجع قيمة الصادرات المصرية بأكثر من 40% مقارنة بالعام السابق؛ في الوقت الذي زادت فيه قيمة الواردات بنفس النسبة رغم الاستقرار السياسي والأمني, وإن أرجع البعض هذا التراجع للأزمة الاقتصادية العالمية, وتحول مصر لاستيراد النفط والغاز بعدما كانت دولة مصدرة حتى يناير 2011م.
وانعكست الأزمة السياسية التي تعيشها مصر منذ الإطاحة بحكم مرسي والإخوان وحالة الانقسام المجتمعي على أخبار اكتشاف حقل الغاز الجديد؛ رغم أن شركة إيني الإيطالية هي من أعلنت عن الكشف, وأكدت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية المعلومات التي ذكرتها الشركة الإيطالية, والتي قدرت قيمة احتياطات الغاز المكتشف بـ30 تريليون قدم مكعب؛ فقلل البعض من قيمة الاكتشاف وبعضهم شكك في صحته ووجوده من الأساس, ووصف آخرون الكشف بـ”الفنكوش” وادعوا أن نظام السيسي “فبرك” هذا الخبر كغيره من الأخبار للمداراة على الأزمة الخانقة التي يعيشها النظام, ولإعطاء المواطن المصري المغلوب على أمره أملًا كاذبًا يلهيه عما يكابده من معاناة يومية في سبيل الحصول على “لقمة العيش” ومحاولة دعائية من النظام لامتصاص الغضب الشعبي تجاه الأداء الحكومي الهزيل الذي فشل في توفير الاحتياجات الأساسية للمصريين.
وبعيدًا عن التهويل والتشكيك, وبنظرة موضوعية: الاكتشاف يمثل إضافة مهمة للاقتصاد المصري, الذي يحتاج بشدة إلى الطاقة ليستطيع إعادة تشغيل آلاف المصانع التي توقفت أو تأثرت؛ نتيجة نقص الغاز وارتفاع تكلفة استيراده بعد تحرير الحكومة لأسعار الغاز الموجه للصناعة, وتوجيه معظم الإنتاج للاستهلاك المنزلي لمواجهة أزمة انقطاع الكهرباء التي شهدتها مصر في الصيف الماضي, واستطاعت الحكومة التغلب عليها بدرجة كبيرة هذا الصيف, ولكن تحمل تبعاتها القطاع الصناعي الذي عجز عن تدبير احتياجاته من الطاقة.
وكانت مصر على وشك الاتفاق على استيراد الغاز من إسرائيل, التي تحولت من مستورد للغاز المصري إلى مصدر بعد سطوها على مكامن الغاز في عمق البحر المتوسط؛ من مصر ولبنان وسوريا مستغلة انشغال هذه الدول بالاضطرابات التي أشعلها الربيع العربي خلال السنوات الخمس الماضية, والتي عجزت مصر خلالها عن دفع مستحقات شركات التنقيب واستخراج النفط والغاز الأجنبية, حتى توقفت عن العمل وغادر بعضها الأراضي المصرية, بعد يأسه من تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية, ويرجع الفضل للسيسي في عودة بعض شركات التنقيب للعمل في الأراضي المصرية, بعد سداده جزءًا كبيرًا من مديونياتها, وتعهده بسداد باقي مستحقاتها, ومنها شركة إيني الإيطالية التي كانت على وشك مغادرة الأراضي المصرية, لولا تدخل السيسي وإقناعها بمعاودة العمل في يناير 2014م, والذي كانت ثمرته هذا الكشف الأخير.
وعلاقة مصر بإسرائيل في مجال الغاز بدأت, منذ عام 2005م عندما وقعت الحكومة المصرية اتفاقية مع إسرائيل تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا, لمدة 20عامًا بسعر يتراوح بين 70 سنتًا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية, بينما كان سعر التكلفة في ذلك الوقت 2.65 دولار, كما حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات, مقابل إنشاء خط أنابيب طوله مائة كيلومتر لنقل الغاز من العريش بشمال سيناء إلى مدينة عسقلان على ساحل البحر المتوسط, وأمام الاحتجاجات الشعبية واعتراض نواب مجلس الشعب على هذه الاتفاقية المجحفة بحق مصر, لجأ الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى حيلة لرفع الحرج عن الحكومة, وهو إسناد مهمة تصدير وإدارة خط الغاز مع إسرائيل, لصديقه رجل الأعمال حسين سالم من خلال شركة غاز شرق المتوسط, ورغم صدور حكم قضائي بوقف تصدير الغاز لإسرائيل, إلاّ أن الحكومة المصرية طعنت لإلغاء الحكم, وضرب مبارك بحكم القضاء والمصالح الاقتصادية لمصر عرض الحائط, وكان ملف الغاز أحد أسباب تراجع شعبية مبارك في آخر سني حكمه, وإسقاط نظامه في نهاية المطاف.
جاء اكتشاف حقل الغاز الجديد في وقته, قبل اضطرار مصر لاستيراد الغاز من إسرائيل لتلبية احتياجاتها الملحة, ويجب على الحكومة المصرية ألاّ تكرر أخطاءها وتتورط في إبرام عقود طويلة الأمد لتصدير الغاز, ولا بد أن تكون الأولوية للاستهلاك المحلي المتزايد, واستخدام الفائض في الصناعة بدلًا من تصدير الغاز الخام, واللجوء لبيع الغاز المسال بنفس طريقة بيع النفط في صفقات فردية, خصوصًا ومصر تمتلك بنية أساسية في مجال إسالة وتعبئة وصب الغاز في البحر المتوسط.
ويبقى العمل ودوران عجلة الإنتاج والسعي لإعادة اللحمة الوطنية, هو المخرج الوحيد لمصر والمصريين, إذا كانوا جادين في عبور الأزمة والولوج للمستقبل بخطى ثابتة, بعيدًا عن التناحر والانقسام والمكايدة, التي لم يجن من ورائها المصريون سوى الفقر والخراب, أما التعويل على حقل غاز أو بئر بترول, فقد ولى هذا الزمن, وكلنا نرى كيف تدهور سعر النفط حتى اقترب من تكلفة إنتاجه, وكيف أن الدول البترولية تسعى جاهدة, لتنويع مصادر دخلها, حتى لا تبقى أسيرة لأسعار متقلبة لا يمكن الاعتماد أو التعويل عليها.

إلى الأعلى