الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غرق إيلان هربا فغرقت الإنسانية بين أظافرها خجلا

غرق إيلان هربا فغرقت الإنسانية بين أظافرها خجلا

إن ايلان ما هو إلا نموذج حظي بتسليط إعلامي نتيجة الصدمة التي سبببتها انكفاءة جسده البريء بعد تناقلها على وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم، في وقت وصل فيه عدد مستخدمي خدمة (الواتس آب) للتراسل عبر الهواتف الذكية إلى تسعمئة مليون مستخدم حول العالم حسب تأكيد جان كوم مؤسسة الخدمة، غير أن وسائل التواصل نفسها تحمل صور الكثيرين أمثال ايلان..

في نهاية الأسبوع المنصرم تباعدت ذرات الثرى في عين العرب بالحدود السورية ـ التركية متسارعة لتواري جثمان ايلان الكردي وشقيقه غالب وأمه ريحانة الذين غرقوا هربا من ويلات الحروب العربية ـ العربية على مسمع من آذان العرب، فغرقت الإنسانية بين أظافرها خجلًا.
غرق ايلان وصحبه فلم يحتمل البحر عار ابتلاعه، فلفظته أمواجه متبرئة من هذا العار ليتسجى منكبًّا على بطنه على رمال شاطئ بودروم بالسواحل التركية، لتنكشف بتلك الجثة سوءة الإنسانية جمعاء عربًا كنا أو أوروبيين، مع اختلافات نسبية في مستوى الانكشاف بحسب تفاوت المواقف.
إن ايلان ما هو إلا نموذج حظي بتسليط إعلامي نتيجة الصدمة التي سبببتها انكفاءة جسده البريء بعد تناقلها على وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم، في وقت وصل فيه عدد مستخدمي خدمة (الواتس آب) للتراسل عبر الهواتف الذكية إلى تسعمئة مليون مستخدم حول العالم حسب تأكيد جان كوم مؤسسة الخدمة، غير أن وسائل التواصل نفسها تحمل صور الكثيرين أمثال ايلان الذين ترزح أقدامهم في وحل الظلم الإنساني، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
لقد طال الانكشاف الذي سببه غرق ايلان الضمير الإنساني “الأوروبي” قبل أن يطول نظيره “العربي”. إلا من رحم ربي، فقامت على أثر ذلك الدنيا في أوروبا وما قعدت، فنضح بذلك كل إناء بما فيه، فتباينت المواقف من اللاجئين وتداعت الحكومات الأوروبية للقاءات والاجتماعات وكل له منطلقاته، فوصل الشأن الإنساني فيه إلى طاولات الحوار بردهات الاتحاد الأوروبي ولكن…
فقد جاء من كانت منطلقاته إنسانية معبرًا عن تجذر قيمة “الحق الإنساني” في البقاء والتنقل والعيش الكريم، فسارعت فرنسا وإيطاليا وألمانيا بتقديم مبادرة لاستقبال أعداد متساوية من اللاجئين في أوروبا، فيما تفاعل الإعلام “السوي” معها كالذي ذهبت إليه صحيفة الانديبيندنت البريطانية بقولها متسائلة: “إذا لم تغير صورة ايلان موقف أوروبا تجاه أزمة اللاجئين فما الذي سيغيره”.
وفي سياق المواقف الإنسانية أيضًا جاءت تأكيدات بريطانيا على لسان رئيس وزرائها كاميرون بأنها ستستقبل آلافا أخرى، وشاركه الموقف رئيس وزراء كيبيك فيلب توبار، مبينًا استعداه لاستقبال المئات، فعرض رئيس وزراء فنلندا يوها سبيلا في يوم السبت منزله الخاص على طالبي اللجوء، بل تعدى الأمر الثوابت الأوروبية لتدعو إيطاليا إلى إعادة كتابة قواعد اللجوء في أوروبا.
وعلى الجانب الآخر وفي أوروبا أيضا كشف غرق ايلان وصحبه عن بعض السفور الأخلاقي لبعض الإعلاميين في أوروبا حيث انبرى أحد الكتاب بجريدة ذي صن البريطانية ليصف اللاجئين “بالصراصير”، فيما شاطره الفكرة ـ ولكن في صياغات أخرى ـ التخوف المجري من تغير التركيبة السكانية لأوروبا، والخوف من “المساس بجذور أوروبا المسيحية”.
كافة المواقف أعلاها السلبي منها والإيجابي هي أوروبية المنشأ، فيظل باب الترقب مفتوحا لنسمع صوتًا جهوريًّا خطابيًّا من وراء مكبرات الصوت بجامعة الدول العربية التي أجادت الشجب والإدانة والتنديد.
فلا يرجو منها اللاجئون تنديدا هذه المرة، بل يأملوا أن تحذو حذو (بلفوريا) على أقل تقدير لتستقطع قطعة من الصحارى العربية الشاسعة الغنية بمناجمها ونفطها وغازها ومياهها الجوفية لتستضيف فيها شركاءهم في الإنسانية والعروبة ومدهم بما يحتاجون من أبسط مقومات الحياة حفظًا لحياتهم وخروجًا من هذا المأزق الإنساني الحرج.
فقد تكون الصحاري العربية مخرجًا لأمة ما زالت مترددة في حسم المآسي الإنسانية في كافة مواقع الصراعات العربية بلا تحديد … وليس بين ألسنتنا إلا أن نقول لايلان وريحانة وغالب، ما درج الليبيون على قوله عند الحيرة .. …..(الله غالب).

طارق أشقر
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى