الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أشباح البصرة “2″

أشباح البصرة “2″

أ.د. محمد الدعمي

يمكن للشكوك التي دارت حول إسماعيلية هوية جماعة “إخوان الصفا”، زيادة على الأفكار التي روجت لها المنظمة، تبرير بقاء وتعقيد معضلة تأصيل تأليف أو جمع (الرسائل) بسبب إشاعة الرأي القائل بأنها من تأليف “الإمام الغائب” آنذاك، وهو معتقد يرتكن إلى الإيمان بموعود مخلص غائب Messiah، يرنو الإخوان إلى ظهوره من الغيبة لخلاص العالم، زد على هذا الإرباك يأتي ما أشيع من أسماء لمؤلفين أو جامعين نسبت (الرسائل) آنذاك إليهم.

شكّل “إخوان الصفا” ظاهرة فكرية واجتماعية ترجع للقرن العاشر الميلادي، إذ إنهم عرفوا في البصرة جنوب نقطة التقاء نهري دجلة والفرات لتكوين شط العرب الذي يصب في الخليج العربي. تبدو الجماعة للباحث وكأنها تمثل الخلاصة النهائية لتفاعلات روحية وفلسفية وفكرية كانت قد بلغت أوجها فيما يسمى اليوم بـ”العصر الذهبي” للحضارة العربية/الإسلامية الذي ارتقى ذروته قبل ظهور هذه الجماعة ببضعة قرون. ومن منظور ثانٍ، فقد شهد القرن العاشر الميلادي الذي ظهرت الجماعة خلاله تدهور خلافة بغداد العباسية أيضًا، بسبب هيمنة البويهيين الذين أحالوا الخلفاء إلى مجرد دمى، كما تجايل ذات الوقت مع صعود كيانين سياسيين جديدين على أطراف دولة الخلافة العباسية، وهما: الكيان الزيدي في اليمن والكيان الفاطمي في تونس، ثم في القاهرة. وبوصفها استجابة لمرحلة تاريخية مضطربة ينقصها اليقين، يمكن أن تكون هذه الجماعة الكيان المتوازن الوحيد الذي قدر له أن يجمع بين النخب الفكرية والاجتماعية، مشكلًا أرستقراطية نخبوية لحماية أفرادها من عواصف العصر العنيفة التي قادت إلى صلب المتصوف البارز “منصور الحلاج”، بسبب إعلانه المأثور: “أنا الحق”. لقد قدر لهذا النوع من الأفكار الصوفية الممزوجة بعناصر من المنطق الأرسطي والإضاءات الفلسفية الأفلاطونية وسواهما من شذرات الفلسفة الإغريقية، أن تتفاعل بطريقة ما في دواخل مهاد اجتماعي محافظ كان يمتطيه المعممون من “حماة الدين” الموالين لسلطة الدولة. لقد خدمت السرية، في أزمنة المفارقات المشابهة لزمننا هذا، إجراءً وقائيًّا يقصد منه حماية الذات، خاصة بالنسبة للمعارضة السياسية التي سبق وأن اتخذت من “التقية” تبريرًا موائمًا لتجنب الاضطهاد والتهم السياسة القاتلة، كتلك التهم التي قادت الحلاج إلى الصلب على الملأ.
يمكن للشكوك التي دارت حول إسماعيلية هوية جماعة “إخوان الصفا”، زيادة على الأفكار التي روجت لها المنظمة، تبرير بقاء وتعقيد معضلة تأصيل تأليف أو جمع (الرسائل) بسبب إشاعة الرأي القائل بأنها من تأليف “الإمام الغائب” آنذاك، وهو معتقد يرتكن إلى الإيمان بموعود مخلص غائب Messiah، يرنو الإخوان إلى ظهوره من الغيبة لخلاص العالم، زد على هذا الإرباك يأتي ما أشيع من أسماء لمؤلفين أو جامعين نسبت (الرسائل) آنذاك إليهم، إذ قيل إنهم من أهل الكهف الذين قد أخفوا أنفسهم في كهف سري لتجنب عيون السلطات وللتخلص من سخط رجال الدين التقليديين. ومن ناحية ثانية، فقد بث النبأ الذي يفيد بأنهم قد اختبأوا في الكهف المذكور، ليس لحماية أنفسهم فقط، وإنما لحماية “مواهبهم” التي حباها الله لهم. لذا فقد تمت “أسطرة” هؤلاء المفكرين الذين ألفوا أو جمعوا (الرسائل)، بسبب مكوثهم في ذلك “الكهف” الرمزي حتى حلول الزمن المناسب لإماطة اللثام عن شخصياتهم ومعتقداتهم الحقيقية. تتبلور في هذه الرواية لازمات فكرة الإمام الغائب على نحو أكثر وضوحًا. ولكن على الرغم من أن المقصود بذلك هو التمويه والتورية، تبقى هويات مؤلفي أو جامعي (الرسائل) ذات صلة بخزين العقائد المهدوية القديم. يتوافق على هذا الافتراض عدد لا بأس به من الباحثين المعاصرين الذين كرسوا أبحاثهم لهذا الموضوع الثر، فنلاحظ ذلك فيما ذهب إليه الباحثين أ. فيضي Fayzee وريتشارد نيتون Netton ويفيز ماركيه Marquet، زيادة على برنارد لويس Lewis. إضافة إلى هذا التعقيد الشائك، زاد أحد معاصري “إخوان الصفا”، وهو رجل يعرف بابن قفطي (المتوفى سنة 1248) من غموض هوية المؤلفين أو الجامعين عندما نسب (الرسائل) إلى أحد الأئمة من نسل الإمام علي (كرم الله وجهه). وهكذا، فإن مجهولية أسماء مؤلفي أو جامعي (الرسائل) لا تزيد عن توسيع لمجهولية أسماء أعضاء الجمعية الذين لم يتمكن البحث العلمي حتى اليوم من تحديدها بدقة، باستثناء بضعة أسماء افتراضية فقط.
إذا ما تفحص المرء منظمة “إخوان الصفا” السرية بموضوعية وعدم انحياز، فلا بد أن تتبلور أمامه جمعية كانت بدرجة من الكونية والشمولية، إضافة إلى السرية ودقة التنظيم، أنها لا يمكن أن تحال إلى سلة دين أو مذهب معين. لنلاحظ هذه الكونية والشمولية في توصيف إخوان الصفا للإنسان المثالي، ذلك الوصف المنصوص عليه في (الرسائل)، إذ إن هذا الإنسان ينبغي أن يكون “العالم الخبير الفاضل، الذكي المستبصر، الفارسي النسب، العربي الدين الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة.”
إذا ما اجتمعت هذه السجايا المنتقاة كافة من كل دين وعرق في فرد واحد، فإن الخلاصة تكون هي “الإنسان الألفي” الخارق The superman، وليد إنسانية جديدة متحدة. لقد خرجت منظمة “إخوان الصفا” على جميع التصنيفات المعاصرة المحدودة الخاصة بالدين والعنصر والطبقة الاجتماعية، خاصة عندما تدرس هذه المنظمة إزاء خلفيتها الاجتماعية والسياسية العامة وإزاء نوعية عضويتها التي جمعت أنواع البشر من كل الحرف والطبقات والاختصاصات. وتأسيسًا على أنها منظمة بهذه الدرجة من الشمولية، فإنها قد تمكنت أن تضاعف نفوذها غير المنظور الذي ربما أبقى جبروتها الخفي كامنًا في دواخل قيادتها السرية التي لا بد وإن تمكنت أن تفرض كل ما كان موائمًا لرؤاها، خاصة وأنها قد ضمت الملوك والشواخص القائدة من أولي الأمر الذين ينتمون لدول أجنبية من خارج دولة الخلافة الإسلامية كذلك. لقد شكل “إخوان الصفا”، عمليًّا، “حكومة عالمية” من نوع ما، حكومة عابرة للحدود. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى