الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. أين دلالات الوعي الجديد .. بالأزمة النفطية المفتوحة؟

العين الثالثة .. أين دلالات الوعي الجديد .. بالأزمة النفطية المفتوحة؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

تهتز موارد بلادنا المالية مع كل هزة تصيب قطاع النفط، ومعها نندب الحظ على عدم تنويع بنية اقتصادنا الوطني، ونتبنى خيارات عديدة لمواجهة الهزات تمس مكتسباتنا الاجتماعية، بعضها مؤلم، كالإحالة الإجبارية للتقاعد ـ في التسعينيات ـ ووقف الترقيات، والتفكير في رفع الدعم عن المحروقات ـ حاليا ـ وبعيد انتهاء كل هزة، نعود إلى الصمت، وكأن شئيا لم يقع أصلا، والمفارقة المثيرة والمحيرة، أن مسارات الإنفاق العام لم تتغير حتى الآن رغم الهزة النفطية الجديدة، وآفاقها المقبلة، بدليل ما يحدث الآن، فكل التصرفات المالية والسلوكيات الإدارية الحكومية لا تشير من قريب أو من بعيد على أننا نواجه أزمة نفطية غير محدد زمنها، ولا تشير كذلك إلى خيار الترشيد لمواجهة أزمة قد تطول كثيرا، وكما يقال إن تلك موارد مالية قد اعتمدت ولا مجال لاسترجاعها من الوزارات، وهذا يعكس الخلل في إدارة مالية الدولة في ظل الأزمات، فما سببه؟
قد يكون مرده أي الخلل بنيوي يكمن في غياب قائد الفريق الميداني في منظومة العمل الحكومي، قائد يوجه ويؤطر ويسير منظومة العمل الحكومي، ويكون مسئولا عنها بصورة فردية وتضامنية معا، فاسترجاع الأموال من الوزارات خاصة تلك المخصصة لمشاريع أو بنود صرف غير استراتيجية أو غير أساسية أو ينبغي أن تؤجل .. قضية في حد ذاتها، فمن له الحق الدستوري في طلب الاسترجاع المالي أو تحديد ما هو ضروري للإنفاق وما هو يحتمل التأجيل دون أن يكون له أية تداعيات اجتماعية واقتصادية على بلادنا، كل الوزراء يقفون على قدم المساواة فيما بينهم، ومؤسستنا التنفيذية لا تمارس دورها الميداني على كامل المنظومة الوزارية، وبهذا الغياب الملموس تجد كل وزارة ملزمة بصرف الأموال المعتمد لها قبل اندلاع واشتداد الأزمة النفطية حتى لو كانت تتعارض بصورة صارخة مع الأزمة النفطية أو مع أولويات ترشيد الإنفاق، وهذا ما يكشف لنا السر في استمرار الإنفاق البذخ على المهرجانات والمؤتمرات والندوات والاحتفالات والمهمات الداخلية والخارجية … وكأن الأزمة النفطية غير معنية بها بلادنا، هذا الخلل نجده يتكرر معنا في مجموعة قضايا كبيرة، مثل قضية تنويع بنية اقتصادنا الوطني، فرغم الكل يجمع على وجود أخطاء تاريخية تجعل بلادنا تدفع ثمن أحادية الاعتماد على النفط، إلا أن الأخطاء نفسها مستمرة، بدليل أين جهود تنويع الاقتصاد؟ ربما أنهم ينتظرون الخروج من الأزمة الراهنة؟ وهذا تفكير لا يعكس لنا وجود إرادة أو تفكير جديدين قد خرجا من رحم الأزمات خاصة الأزمة الراهنة، وإنما الاستمرارية في المسارات السابقة ببناها الفوقية والتحتية، لذلك ستظل بلادنا تعاني كثيرا وطويلا من المصدر الوحيد ـ النفط ـ والطريق الأصح الذي يفترض أن يعكس لنا القناعة الجديدة، يكمن في أن نبدأ فورا في التنويع الاقتصادي، وهو متاح لبلادنا رغم الأزمة النفطية، وممكن أن نحقق فيه اختراقات إيجابية حتى لو كنا في عنق زجاجة هذه الأزمة، ليس هناك مستحيل أمام طاقات الإنسان وقواها الخفية التي زرعها الله سبحانه وتعالى فينا كبشر دون غيرنا من الكائنات، كان يجب أن تبدأ جلسات العصف الذهني لقضية التنويع الاقتصادي فورا وفق رؤية التدرج المحسوب زمنيا على مبدأ قلب قاعدة الهرم، وليس مبدأ الهرم المعتدل، بحيث يشمل التنويع كل قطاع يمكننا أن نحقق فيه رفع نسبة مشاركته في الدخل القومي، وهنا سوف تظهر لنا عدة قطاعات على رأسها قطاع السياحة والتعدين والصناعة والزراعة وقطاع الموانئ، وهي قطاعات تشكل قاعدة إنتاجية راسخة لا تتأثر بتقلبات الأسواق، وبالذات بعضها إذا ما اعتمد على التكنولوجيا المتقدمة ـ سنأتي الحديث عنها في مقال لاحق ـ لكن من يحق له دستوريا أن يقود هذه الجهود الآن، سواء كان كيانا معنويا فرديا أو كيانا معنويا عاما؟ ربما يكون من الخطأ الاستراتيجي إلغاء وزارة الاقتصاد الوطني؛ لأنها المعنية بمثل هذه القضايا، ورغم أنها كانت معنية إلا أنها متهمة أكثر من غيرها في فشل سياسة التنويع الاقتصادي، وهنا لا ينبغي أن نحمل المسئولية هذه المؤسسة الدستورية ـ السابقة ـ وإنما الفاعلون فيها، فنجاح المؤسسات أو فشلها يكمن في فاعليها وليس فيها ككيان معنوي عام، والدليل، الهيئة العامة لحماية المستهلك. إذن، عودة هذه الوزارة مطلب المرحلة الراهنة شريطة اختيار فاعليها بمواصفات وقياسات المرحلة الراهنة مع إعادة النظر في الهندسة الوزارية عبر تفعيل بعض مواد النظام الأساسي للدولة، فقد حان أوانها، وقد أنضجتها المرحلة الراهنة، وتلح عليها لمعالجة مجموعة اختلالات في منظومة العمل الحكومي، وهذا لا يبرر الشلل في العمل على التنويع الاقتصادي ولو من منظور الوحدات الوزارية المعنية بالقطاعات البديلة، فلماذا لم تعمل على جعل القطاعات التي هي من صلب اختصاصاتها مصادر منافسة للنفط؟ هل تحتاج إلى توجيه مباشر من السلطة العليا؟ هنا الثغرة التي تتحطم حولها مختلف الجهود، فمعظم الوزارات ـ إن لم يكن كلها ـ تعمل على التسيير والتدبير اليومي فقط رامية بالتخطيط المستقبلي في وادٍ سحيق، وهذه إشكالية كبيرة جدا خاصة إذا ما أضفنا إليها غياب وتغيب السلطة المحورية القيادية التي تدفع بالوزارات إلى العمل الممنهج لتحقيق الأجندة الوطنية الاستراتيجية، وتحاسبها على نجاحها وإخفاقها، ووفق هاتين الرؤيتين التشخصيتين يتم تفسير بقاء رهانات بلادنا على النفط رغم رفع سياسة التنويع الاقتصادي منذ أول خطة خمسية عام 1975، وسيظل الوضع قائما ما لم يتم حل هاتين الإشكاليتين، وحلهما يأتي من خلال إدخال إصلاحات جديدة، يستوعبها فعلا النظام الأساسي للدولة وفق ما أوضحناه في مقالات سابقة عديدة، ويأتي كذلك عبر إنشاء مركز للعصف الذهني يضم خبرات تنكوقراطية من عمانيين وأجانب عالي التخصص والوعي دون أن تثيرنا أية حساسية من الأجنبي المتخصص، فجلسات العصف الذهني تتطلب تلاقي الأفكار بل وصراعاتها، وقد حضرنا بعض جلسات العصف الذهني لتنويع مصادر الدخل في الإمارات، ورأينا ماهية وحجم الاستعانة بالخبرة الأجنبية العالية التخصص، وتعرفنا على حجم الفاتورة التي تصرف على مثل هذه الجلسات، وماذا كانت نتائجها؟ نزول اعتماد الإمارات على النفط من (90%) عام 1971 إلى (30%) عام 2013، ومخطط لها أن تصل عام 2020 إلى (3%) فقط، هذه نتائج جلسات العصف الذهني، فمنها تخرج الأفكار والآليات التنفيذية برعاية سياسية عليا، ومن ثم تطبقها الوزارات المعنية وبإرادة سياسية رقابية ضاغطة، تجعل من نجاح كل وزير سبب بقائه ومن إخفاقه سبب رحيله.
بحثنا عن دلالات وحتى عن مؤشرات تعكس لنا الوعي الجديد بتداعيات الأزمة النفطية المفتوحة، فلم نجدها سواء على مستوى كل وحدة وزارية أو في إطار المنظومة الوزارية الجماعية. إذن، علينا أن نتساءل عن الوعي نفسه: هل هناك وعي جديد ملتزم باستحقاقات التحقيق قد خرج من تراكم الأزمات النفطية أو حتى من رحم الأزمة الراهنة؟ الوضع العام، الكل ينتظر ويترقب عودة ارتفاع أسعار النفط، يخلدون للنوم على أمل أن ترتفع الأسعار مع إشراقة كل شمس جديدة، وفي حالة تعمق حالة التشاؤم، تتأجل التمنيات.. هاجسهم الأوحد عودة الارتفاع وكأن بلادنا محكوم عليها أن تظل رهينة النفط القابل للنضوب رغم مسيرته المتقلبة، وعندما تنزل الأسعار يفكرون في حلول مؤلمة اجتماعيا، هذا الواقع للأسف، وبكل تأكيد هذا لن يؤمن استدامة أمننا واستقرارنا، ويلغي إعمال الفكر … فهل من حل يا وطن؟ ربما علينا أن نتناول في مقالنا المقبل اقتصاد الخريف، لنرى من يستفيد منه؟ ونرى كذلك كيف يمكن لبلادنا من خلاله خاصة والسياحة عامة أن ينعش اقتصادنا الوطني من جهة وتحويل السياحة إلى قطاع بديل واقعي لا دعائي.

إلى الأعلى