السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النبي .. “الأميّ” (1ـ 2)
النبي .. “الأميّ” (1ـ 2)

النبي .. “الأميّ” (1ـ 2)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على الرسول النبي الأمي وآله بعده.
كنت صغيرا دون الثامنة عندما سمعت قصة الرسول الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) .. رسول الله إلى البشرية ومنذرها ومعلمها وشفيعها حين لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له، ومتم الرسالة الأزلية والذي يؤتى به شهيدا عليهم .. والذي رحم به الناس فقال فيه عز من قائل: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” والخُلق المصطفى الذي قال فيه: “وإنك لعلى خلق عظيم”, والذي وصل بساط القدرة “فكان قاب قوسين أو أدنى”، والذي أطلق عليه صفة ما أطلقها على أي من خلقه حين خصّه بإحدى صفتيه في البسملة فقال فيه: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم”، فأسبغ عليه صفة الرحيم التي اختصها لذاته.
هذا الإبداع الإلهي الذي شرف على مقام موسى في قول موسى (عليه السلام) : “وعجلت إليك ربي لترضى” وقوله لنبينا الكريم: “ولسوف يعطيك ربك فترضى”.
هذا الأدب الإلهي الذي قال عن نفسه: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، وقال:(.. وأوتيت جوامع الكلم) حين كان عيسى بن مريم (عليه السلام) كلمة منه ألقاها لمريم.
يومها قيل لي كما قيل للآخرين أنه كان أمّيا بمعنى أنه يجهل القراءة والكتابة.
ولا أغالي إذا قلت بأنني شعرت بضيق لازمني حتى كشف عني الغطاء .. ذلك لأني أحسست بتناقض غير مقبول بين كوني أجيد القراءة والكتابة وأنا دون الثامنة وأن يكون محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يتعلمها وقد أدرك الأربعين. أقول هذا الحديث وأستغفر الله لي ولكل من قال مقالة كهذه عن جهل أو عدم قصد .. ذلك لأن الحديث عن كون محمد (صلى الله عليه وسلم) يجهل القراءة والكتابة هو انتقاص من الكمال الإلهي.
وسوف أحاول في هذا المقال أن أوضح بطلان هذا الإدعاء بالدليل العقلي أولا والديني ثانيا، ثم أعرض ما أراه معنى الأمي التي وصف بها نبيه، وقبل أن أبدأ أود أن أبين أن منهجي في الدليل الديني يستند إلى أسلوب واحد وهو اعتماد النص الإلهي أولا وآخرا. فكل ما جاء في أية رواية مخالفا لنص إلهي فهو باطل ومفترى، فلا اجتهاد في موضع النص، ولكن الاجتهاد فيما يبدو أن النص أغفله ولو أن الحقيقة الإلهية قضت أزلا بأن النص لم يغفل شيئا قط لقوله تعالى: “قالوا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها” وقوله: “ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين” وقول علي بن أبي طالب لابن عباس “لو ضاع لك عقال بعير لوجدته لك في القرآن”، وهو أمر اختص به تعالى خاصة خاصته من المؤمنين وهو ليس موضوع هذا الحديث على أية حال.
أقول إن الاجتهاد يقع فيما لا يتضح للعين منصوصا عليه في الكتاب، وهنا لا يجوز أن يكون الاجتهاد يستند لرواية حديث منسوب إذا كان ذلك الحديث يتعارض مع نص إلهي بشكل مباشر أو غير مباشر، ذلك لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا ينطق عن الهوى “إن هو إلا وحي يوحى”، وفي هذا النص الإلهي عن نطق النبي الكريم جمع للكتاب والحديث، فما نسب لمحمد (صلى الله عليه وسلم) من حديث يتعارض نصا أو خلقا مع حقيقة أو أمر أو نص إلهي فهو محض افتراء. وهذا هو منهجي.
* الدليل العقلي
وأبدأ ببعض الشواهد العقلية التي تدعم مقدمتي بأن الرسول النبي الأمي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يجهل القراءة والكتابة، ومنها على سبيل المثال حسب وعلى شاكلتها كثير:
ولد محمد (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وكانت (مكة) أم القرى وأم التجارة وأم الأدب واللغة يجتمع إليها العرب لتقديس آلهتهم ويتبارون في الشعر والخطابة والبلاغة، وكان أبناء الجزيرة كلهم يتكلمون العربية السليمة بالفطرة لخلو الجزيرة من أية عجمة، فهل يعقل أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) الأمين الصادق قد تخلف عن أترابه وأقرانه في أنه لم يأت بالبديهي وهو قراءة ما كان ينطق به من بلاغة؟.
إن كلا من عبد المطلب وأبو طالب كان شاعرا يحسن القراءة والكتابة، ولامية أبي طالب لا تقل روعة أو قيمة عن لامية امرؤ القيس، وكلاهما أي عبد المطلب وأبو طالب رعى محمدا (صلى الله عليه وسلم)، فهل يعقل أن رعايتهما أغفلت الطبيعي أيضا وهو تعليمه القراءة والكتابة؟ فإن أغفلا ذلك فماذا كانت رعايتهما له إذا والحياة كانت محدودة إلى حد كبير إذا ما قيست بحياة اليوم وتشعبها؟.
إن عليا بن أبي طالب بإجماع الأمة كان وما زال واحدا من أبلغ العرب، وهو نشأ في بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم) أخذه وهو ابن التاسعة وشب عنده وقال ـ هذا ما زقـّني به رسول الله زقـّا ـ فأين تعلم علي القراءة والكتابة وما كان الذي زقـّه به رسول الله إن لم يكن علما، وأي علم بلا قراءة؟.
إن زيدا بن حارثة ربيب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يجيد القراءة والكتابة، فأين تعلمها؟ وإن كان تعلمها دون محمد (صلى الله عليه وسلم)، ألم يشعر ذلك الرسول (صلى الله عليه وسلم) بحرج في أن ربيبه يجيد الأمر ويجهله هو؟.
كما أن الهمز واللمز من شيم العرب في الجاهلية فقال عز من قائل “ويل لكل همزة لمزة”، فلو أن الرسول النبي الأمي (صلى الله عليه وسلم) كان يجهل القراءة والكتابة أما كان ذلك مدعاة لسخرية قريش منه؟ لكنه لم يرد في أية رواية ذات وزن عن كفرة قريش من أتباع أبي سفيان وكفرة الجزيرة من الأعراب من عاب على محمد جهله بالقراءة والكتابة وانتقص منه وممن اتبعه في وقت كانت كل العرب تجيد لغتها قراءة وكتابة وتتبارى بشعرائها وخطبائها حتى قال عز من قائل: “وما هو بقول شاعر قليلا”.
لقد نقلت السيرة النبوية بأكثر من صورة أنه (صلى الله عليه وسلم) أوجب على أسرى بدر تعليم المسلمين القراءة والكتابة لمعرفته بقيمتهما، فهل يعقل أنه أراد للآخرين أن يتعلموا ولم يرد ذلك لنفسه إذا افترضنا أنه لم يولد عالما كما أؤمن.
.. وللحديث بقية ،،

عبد الحق عبدالجبار العاني
خبير في مكتب معالي وزير العدل

إلى الأعلى