الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “الإخوان المسلمون” والمسيحيون العرب!

“الإخوان المسلمون” والمسيحيون العرب!

د. فايز رشيد

لقد شارك المسيحيون في كل الثورات الفلسطينية والعربية ضد المُستعمرين, قديمها وحديثها, وما زالوا يشاركون في الثورة الفلسطينية. التاريخ الإسلامي يدعو إلى الحفاظ على المسيحيين، وليس أدل على ذلك من العهدة العمرية.. وأبواب كنيسة القيامة ما زالت محفوظة منذ ذلك الوقت وحتى اللحظة لدى عائلة إسلامية.

قرأت تصريحا للسياسية المصرية السيدة زينب الغزالي(وهي سميّة زينب الغزالي الأولى, المؤلفة والناشطة السياسية من قادة الإخوان المسلمين والمتوفية عام 2005), وهي تنتمي أيضا إليهم, قالت فيه: “نعد النصارى العرب بأننا سنعاملهم في الدولة الإسلامية ليس كما تعامل حكوماتهم الغربية, الأقليات المسلمة فيها)! استرعاني خطأ اقترفته الغزالي وهو: كيف تكون الحكومات الغربية حكومات للمسيحيين العرب؟ هؤلاء الذين كانوا, وهم الآن, وسيظلون عربا .. شاءت المعنية أم أبت! فالمسيحيون العرب تابعون لحكوماتهم العربية أبا عن جد, مثلما المسلمون العرب وغيرهم من المذاهب والديانات لها! هي تقول أيضا: إن للذميين حقوقًا. أولًا لعلم السيدة الفاضلة أن المسيحيين العرب, مواطنون لا ذميون، والعالم لا ينقسم إلى مسلمين ومسيحيين ويهود فقط، بل يتكون من شعوب وأمم، والأمة العربية موجودة.. شاء البعض أم أبى! بالتالي.. فالمسيحيون العرب مكوّن رئيسي من مكوناتها. أما الحقوق التي تذكرها السيدة الغزالي فمنها: حماية الأبدان والدماء، وحماية الأعراض، وحماية الأموال، (من استدان من ذمي فعليه أن يقضي دينه). هذه الحقوق لا تجعل أحدًا يشعر بالانبهار لأنها حقوق أساسية تضمنها العديد من الدول حتى للأجانب فيها.
بعض قادة الإخوان المسلمين, ومن لف لفهم يحاولون التفريق بين مواطنين مسلمين ومواطنين مسيحيين! أتساءل: ما الذي يخيفهم من المساواة والتسليم بحقوق المواطنة الكاملة لزملائهم وإخوانهم في العروبة من المسيحيين, الذين أسهموا في الحضارة الإسلامية, وكان لهم دور كبير بارز في كل القضايا الوطنية العربية, وحافظوا على اللغة والحضارة العربيتين؟ “داعش والنصرة” ليسا مجرد تنظيمين إرهابيين يأخذان شكل “دولة الخلافة إسلامية” بل هما وأمثالهما مع ذلك وقبله, عقلية وأسلوب تفكير موجود يعشش في أذهان الكثيرين من الأحزاب الإسلامية! التنظيمات الأصولية المتطرفة تعبّر عن نفسها دون مكياج تجميلي!.. أما هؤلاء القادة فيحرصون على تجميل ما يقولونه بألفاظ جميلة ومهذبة لكنها تحمل ذات المضمون! “داعش” هدد مسيحيي القدس بمغادرتها قبل شهر رمضان الفائت تحت طائلة الذبح! في نقاش مع أحدهم من نهج ذات الحركة استغربت لتساؤله: ولماذا لا يغادرون؟ تصوروا!؟
الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية البينية المشتعلة حاليا في أكثر من بلد عربي, والقابلة للانتقال إلى دول عربية أخرى, لم تُلحق ضررا فحسب ببلدانها فقط, وإنما أيضا بتغييب الصراع والتناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني, كما تساهم بإلحاق أفدح الضرر بكل القضايا العربية, وبالاستحقاقات الشعبية العربية، كالديمقراطية على سبيل المثال لا الحصر. هذا إلى جانب خلخلة النسيج الاجتماعي الداخلي للشعوب العربية في أقطارها, ولزوم سنوات طويلة لعودة هذه البلدان إلى ما كانت عليه عند بدء الصراع فيها، بالتالي فإن الأضرار تلحق الكوارث والمآسي بالأمة العربية قاطبة. من الخطأ إلقاء تبعية ما يحصل في الوطن العربي على نظرية المؤامرة فقط.. والتي يرى البعض فيها (أنها ليست نظرية من الأساس, بقدر ما هي مزاج سياسي خرافي عاجز عن التحليل السببي للحدث)، إلاّ أن جزءًا من الصحة ينطبق على هذه النظرية، والجزء الآخر وهو الأكبر, يعود إلى التحليل السببي بالتأكيد, والمتمثل في “قصر نظر” وجهات بعض الاتجاهات الحزبية العربية, وعلى رأسها الإخوان المسلمون.
الكيان يلعب دورا كبير في محاولة فصل المسيحيين عن أمتهم العربية, فمثلما حوّلت “إسرائيل” الدروز في منطقة 48 رسميًّا إلى قومية أخرى غير عربية, يحاول الكيان بدوره الدخول على خط المسيحيين الفلسطينيين في ذات المنطقة من فلسطيننا المحتلة, فهو يخطط لـ”مسح” عروبتهم، وقد أعلن الكيان رسميا عن استعداده لاستقبال كل المهاجرين أو المُهجّرين من الحرب في سوريا. نعم, الكيان وكما أعلن رئيسه ريفلين: بصدد تشريع مجموعة من القوانين, تسعى لإسقاط عروبة المسيحيين, وإلى توزيعهم لطوائف, واختلاق قومية جديدة لهم تمامًا مثلما فعلت مع الدروز.
قلناها مرارًا: إن ما يجري من تفرقة مؤخرًا بتقسيم المجتمعات العربية إلى طوائف وأديان ومذاهب وإثنيات, لا يخدم إلا العدو الصهيوني. بالفعل فإن العديد من الأطروحات التي تقسّم الأمة العربية إلى سنة وشيعة ومسيحيين (بمختلف جماعاتهم) تلتقي بشكل واضح مع ما يريده الكيان الصهيوني. إن المسيحية: هي إحدى الظواهر العربية كما تبين الأحداث التاريخية الأديان كما التاريخ والواقع تُثبت أنها نشأت في فلسطين والمشرق العربي, ويسميها البعض بــ(النبتة الوطنية العربية التي ظهرت ونشأت في التربة الوطنية العربية ـ جورج حداد)، وفيما بعد تم نقل مركز القرار المسيحي إلى روما, في عهد الإمبراطورية الرومانية ـ البيزنطية.
لا يستطيع أحد إنكار دور المسيحيين العرب في النهضة العربية، منذ القرن التاسع عشر وحتى اللحظة، ولا دورهم الأساسي في الحركة القومية العربية, ولا في الثقافة العربية: المفهوم الأشمل من العقيدة الدينية، ولا في الحضارة العربية, التي تعتمد على البنية المؤسسة في حياة الشعوب. وأيضًا في حركة التحرر الوطني العربية, بمعنى أن المسيحية هي إحدى البوتقات الأولى لظهور حركة القومية العربية. وبالرغم من اتفاقي المطلق مع ما يصل إليه المفكر العربي جورج قرم في كتابه القيم (انفجار المشرق العربي), عن استحالة كتابة التاريخ العربي من منظور الدولة القطرية. أيضًا، من الضروري التأكيد على أن بعض الاتجاهات الغربية وانطلاقًا من مبدأ(تغريب المسيحية في العالم العربي), ترى أيضًا بأن فلسطين هي قضية إسلامية، من خلال الترويج للصراع, بأنه صراع ديني, وفي الأساس: إسلامي الوجه ضد القضية اليهودية المدعومة لأسباب عقيدية من المسيحية. وفي الرد على هذا الادعاء وإنصافًا للحقيقة نقول:
لقد شكّل المسيحيون العرب ما يقارب الــ50% من عدد سكان مدينة القدس وفقًا لإحصائية 1922. استشعر المسيحيون الخطر الصهيوني منذ نهايات القرن التاسع عشر, وبدايات القرن العشرين(كتابات الأب هنري لامنسي اليسوعي، كتاب نجيب العازوري بعنوان: يقظة الأمة العربية, صدر في باريس في عام 1905، الذي بين بوضوح حقيقة الصراع العربي ـ الصهيوني, وهذا على سبيل المثال لا الحصر). دعونا نذكّر بمنع البابا شنودة منذ احتلال 1967(وحتى الآن يجري تنفيذ التحريم), للأقباط, من الحج إلى فلسطين, ما بقيت تحت الاحتلال “الإسرائيلي”, كما وأكد في تصريحاته العديدة على: أن الأقباط لن يدخلوا القدس إلا مع إخوانهم المسلمين, (ظل هذا الموقف قائما برغم اتفاقيات كامب ديفيد).
لقد شارك المسيحيون في كل الثورات الفلسطينية والعربية ضد المُستعمرين, قديمها وحديثها, وما زالوا يشاركون في الثورة الفلسطينية. التاريخ الإسلامي يدعو إلى الحفاظ على المسيحيين، وليس أدل على ذلك من العهدة العمرية.. وأبواب كنيسة القيامة ما زالت محفوظة منذ ذلك الوقت وحتى اللحظة لدى عائلة إسلامية. نعم, لقد أخطأت الغزالي..

إلى الأعلى