السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا بين السياسي والعسكري

سوريا بين السياسي والعسكري

طبعا، سيكون أي عمل عسكري في سوريا تحت شعار محاربة “داعش” ـ التي تتمدد وتكسب أرضا جديدة كلما زاد الغرب من حربه ضدها!!! ـ لكن الواقع غير معلوم. وهناك من يتحدث، خاصة من مصادر ومنافذ إعلامية قريبة من الإخوان والجماعات المرتبطة بها، عن أن العمليات ستكون أشبه بقصف الناتو لليبيا. بل إن البعض يشيع أن الأسد قد يكون هدفا لعملية من تلك العمليات تنهي “هذه العقدة” التي تحول دون تقسيم سوريا بين الفصائل المتناحرة والقوى الإقليمية والغربية الطامعة في البلد.
أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا قبل أيام بيانا حول خطة المبعوث الدولي لسوريا ستيفان دي ميستورا بشأن حل سياسي للأزمة في سوريا. لم يرفض بيان الإخوان خطة مبعوث الأمم المتحدة تماما، وأكد حرص الإخوان على الحل السياسي، لكنه وضع شروطا وتعديلات طالب دي ميستورا بأخذها في خطته. وبدا من بيان الإخوان أنهم يتبعون ذات الطريق الذي يتبعه الإخوان وجماعات الإرهاب في ليبيا مع المبعوث الدولي برناندينو ليون حيث تحاول الأمم المتحدة إشراكهم في الحكم رغم فشلهم في الانتخابات. صحيح أن سوريا ليست مثل ليبيا ـ على الأقل حتى الآن ـ لكن يبدو أن جهود الدفع بحل سياسي في سوريا تسير جنبا إلى جنب مع تصعيد غربي وإقليمي بحل عسكري قد يجعل الأوضاع في سوريا أسوأ من ليبيا وأفغانستان.
تصاعد الحديث عن حل سياسي في سوريا مع بداية تصريحات روسية تدعو إلى خريطة طريق ما لإنهاء الصراع مع الحفاظ على سوريا كبلد، وجاءت لقاءات بعد القادة العرب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش معرض عسكري في روسيا الشهر الماضي لتعزز الحديث عن الحل السياسي. لكن ذلك الحديث جاء متزامنا مع تصعيد عسكري على الأرض في سوريا، إضافة إلى الحرب التي بدأت تركيا خوضها ضد الأكراد في سوريا والعراق تحت شعار “محاربة داعش”. كما قويت شوكة جماعات (في الواقع ارهابية وإن وصفت بأنها معتدلة من قبل من يمولها) أخرى بتسليح ومدد بالعتاد والعدد ـ في الأغلب عبر تركيا. وإذا كان للحديث عن احتمالات حل سياسي في سوريا أي جدوى، فإن “الأطراف المعنية” تسعى لتصعيد عسكري يفرض أمرا واقعا يكون العامل الحاسم في أي حل سياسي.
تصاعد التلويح بالتدخل العسكري في سوريا، بداية مع التهليل لما وصف بأنه “مشاركة تركيا في الحرب على الإرهاب”، بمعنى القصف التركي لمواقع في سوريا والعراق. لكن ما يجري في الواقع هو أن تركيا تقصف الأكراد وليس “داعش”، ولن يكون غريبا أن يأتي القصف من جهات غربية أخرى تحت شعار مكافحة “داعش” ليستهدف تدمير المزيد من سوريا وإفراغها من كونها بلدا. فالإنجليز يسعون الآن لطلب تفويض البرلمان لتوسيع مشاركتهم في تحالف مكافحة الإرهاب لتشمل قصف سوريا. والفرنسيون سربوا لصحافتهم أنهم بصدد شن هجمات في سوريا، وبعد ذلك خرج رئيسهم فرانسوا هولاند يقول إن طائراتهم ستقوم بطلعات استكشافية فوق سوريا لضرب أهداف فيها بعد ذلك. والأميركيون أبلغوا الروس “قلقهم” من الدعم العسكري الروسي للنظام السوري. ولست أدري لماذا يذكرنا هذا (مع الفارق طبعا) بموقف الأميركيين من الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وكيف كانت سياستهم هناك تشجيع طالبان وإفراز تنظيم القاعدة، وكل ما شهدناه بأعيننا من تحول أفغانستان إلى دولة فاشلة.
طبعا، سيكون أي عمل عسكري في سوريا تحت شعار محاربة “داعش” ـ التي تتمدد وتكسب أرضا جديدة كلما زاد الغرب من حربه ضدها!!! ـ لكن الواقع غير معلوم. وهناك من يتحدث، خاصة من مصادر ومنافذ إعلامية قريبة من الإخوان والجماعات المرتبطة بها، عن أن العمليات ستكون أشبه بقصف الناتو لليبيا. بل إن البعض يشيع أن الأسد قد يكون هدفا لعملية من تلك العمليات تنهي “هذه العقدة” التي تحول دون تقسيم سوريا بين الفصائل المتناحرة والقوى الإقليمية والغربية الطامعة في البلد. ويتصور هؤلاء أن اغتيال الأسد بغارة أو تفجير سيجعل المسار السياسي ممكنا، وسيضع حدا للعمل العسكري بشكل أو بآخر. وليس هناك ضمان لمثلك تلك النتائج إذا تحققت الاحتمالات المتصورة.
وما بين السياسي والعسكري، يبدو أن كل الأطراف (وهي غير سورية وإن استخدمت أدوات وأذرع سورية) تريد استعجال حل ما. ولقد تعلمنا من التجارب الحديثة جدا والمعاصرة أن النتائج غالبا ما تكون كارثية، ودعونا من هذا التهليل المفتعل بالتعاطف “الإنساني” من قبل العالم تجاه الشعب السوري فالملايين منه ينزحون، داخل وخارج سوريا، وتدمر ممتلكاتهم وأرزاقهم منذ أربع سنوات ولم يعبأ بهم أحد، ولم يتحمل عبء ذلك في الخارج أكثر من دول جوار سوريا ودول عربية أخرى. إنما تلك الحملة التي بدأت بعد غرق طفل كردي تفر عائلته من تركيا إلى أوروبا يبدو وكأنه يهيئ الرأي العام العالمي لعمل ما ضد سوريا. وأقول ضد سوريا لأني لم أعد أثق أن ما يفعله كل من يتدخل عسكريا أو يشجع اشتعال حروب داخلية في بلد ما بالتمويل والتسليح والتدريب يستهدف خيرا لهذا البلد أو أهله (وبغض النظر عن الموقف من نظام حكمه).
الأمثلة أمامنا كثيرة، وليس فيها ما يبشر بخير: من أفغانستان إلى ليبيا والقائمة مفتوحة. وما بين السياسي والعسكري، يبدو ما يتم طبخه لسوريا أقرب لطريقة “إذا لم تحل دمرها” تفاديا لصداع هذه البقعة وربما الالتفات لبقعة أخرى. وآخر ما يعني أو يهم أيا من القوى الإقليمية أو الدولية (بما في ذلك الأمم المتحدة، رغم خطابها المعسول) هو الشعب السوري: الخاسر الأكبر من أي توجه للأزمة، سياسا كان أم عسكريا.

د. أحمد مصطفى كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى