الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإصلاح عراقيا بين التشخيص ومقتضيات التنفيذ

الإصلاح عراقيا بين التشخيص ومقتضيات التنفيذ

عادل سعد

نشهد في العراق هذه الأيام استخدامات واسعة لمفهوم الإصلاحات السياسية والإدارية مع تباين الآراء في تفسير هذا المفهوم، فهناك من يرى فيها متغيرًا كبيرًا لصالح بناء دولة مدنية حقيقية قائمة على العدل وتكافؤ الفرص، وهناك من يعتقد أنها إجراءات ترقيعية بعد أن طفح كيل الفساد والترهل واستمرار الصراعات الفئوية والطائفية والمناطقية، بل إن هناك من يقول (رب ضارة نافعة) تأسيسًا على قراءة أن هذه الإصلاحات ما كانت تحصل بالنسخة التي قدمها رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي ووافق عليها مجلس النواب، إلا بعد التدهور الذي حصل في أسعار النفط، وانخفاضها إلى معدلات مرعبة الوضع الذي جعل العراق على حافة الإفلاس حتى من فرصة تغطية رواتب الموظفين الحكوميين، والالتزام ببعض النشاطات الخدمية وليس كلها، في حين أن القراءة المخلصة لموضوع الإصلاحات ينبغي أن تنطلق من التشخيص الذي يرى أن حالة الفساد الإداري والمالي قد أصابت أغلب أجهزة الدولة العراقية إن لم نقل جميعها، الأمر الذي جعل البلاد على حافة حالة غير مسبوقة فيه، وإذا كانت منظمة الشفافية العالمية قد وضعت العراق ضمن عشرة دول هي الأكثر غرقًا في الفساد فإن حالات الفساد التي ضربت البلاد (تميزت) بأنها بتشعبات وأذيل ليس لها ما يضاهيها في دول أخرى، بل إن تعريف قاموس أكسفورد للفساد لا ينطبق إلا على جزئيات من حالات الفساد في العراق، ويقع ضمن ذلك حزمة الرواتب والهبات لموظفي الدرجة الأولى في الدولة العراقية ابتداء من الرئاسات الثلاث ومرورًا بالنواب والوزراء، وصولًا إلى أصحاب الدرجات الخاصة والمديرين العامين.
يضاف إلى ذلك الترهل الواضح في البناء الحكومي العام ضمن وظائف الدرجة الأولى في الدولة العراقية بهدف إرضاء المكونات السياسية المساهمة في السلطة، وإلا ماذا يعني تعيين ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية، في حين أن منصبه عموما هو منصب بروتوكولي.
كما لا يوجد في الدولة العراقية اهتمام للخبرة فيها ابتداء من تعيين الوزراء ورؤساء المؤسسات والمنشآت، إذ إن أغلب موظفيها هم من غير الاختصاصات التي تحتاجها هذه الموئسات. ومن الطريف هنا أن نشير إلى أن في وزارة الخارجية وحدها هناك أكثر من ستة سفراء هم في حقيقة الأمر أطباء بيطريون حاصلون على بكالوريوس في الطب الحيواني والألبان وغيرها.
فضلًا عن ذلك يفتقد المجتمع العراقي الآن مع الأسف لمبادئ الضبط الاجتماعي القائم على الاقتداء بالنموذج السياسي والإداري الذي يمثل قوة جذب للآخرين من أجل الاقتداء به، حيث تتكرر لنا مشاهد وزراء سرقوا وهربوا خارج البلاد، وكذلك الحال بالنسبة لنواب ورؤساء مؤسسات بدون أي حياء.
وكذلك ما أصاب القضاء من تسيب وعجز واضح في تحقيق العدالة، وجعل السلطة القضائية فوق الجميع وفي إطار من الإجراءات المنصفة التي يمكن أن تضع حدًّا لكل الخروقات الحاصلة في حياه العراقيين، ومن المؤسف حقًّا أن الفساد تسلل إلى الجسم القضائي بأغطية طائفية وسياسية ومناطقية، وإزاء ذلك نقول إن التوجه بالإصلاح من أجل إعادة بناء الدولة العراقية على أسس صحيحة في المجال القضائي تقتضي إعادة النظر في الهيكلية القائمة لهذا الجسم. وعلى العموم هناك حقيقة تقول إن ظاهرتين لا يستطيعان الانتظار الفساد والإصلاح، وما دام موضوعنا هنا هو الإصلاح فإن من أهم عوامل نجاح الإصلاحات أن تكون هناك توقيتات للإجراءات المنفذة؛ لأن التسويف وتشعب طرق الإصلاح تمثل فرصة لضياع الوقت وعندما يضيع الوقت، وأن تكون الإصلاحات بالتوقيتات المطلوبة متلازمة بمعنى متكاملة، إذ ليس من النجاح أن نبدأ في الإصلاح المالي دون أن يكون هناك إصلاح يوازيه في الجانب الإداري، ولا يمكن أن نبدأ بتغيير قناعات ومنهج العمل الحكومي إلا إذا كان هناك موظفون على درجة من الحرص في التعامل اليومي، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإصلاحات الاقتصادية وفي قطاع الخدمات، وينبغي أن تعاد هيكلة المال العام بما يضمن توزيعه على المحافظات وفق خطة تأخذ بنظر الاعتبار الكثافة السكانية لكل محافظة وحجم المظلومية التي لحقت بها.
وكذلك العمل وفق برامج اقتصادية تأخذ بنظر الاعتبار تحرير الاقتصاد العراقي من دائرة خضوعه لتأثيرات الاقتصاد الأحادي الجانب الذي يعتمد على الريع المتأتي من مبيعات النفط والغاز، فعمومًا أن الاقتصاد الريعي هو أكثر الاقتصادات المعرضة للتراجع والنكوص، بل والكساد؛ لأن حجم الإيرادات المالية التي تحتاجها التنمية ترتبط بحجم ما يأتي من مبيعات النفط والغاز، وإذا كان الصبر الجميل هو الأرضية اللازمة لتحقيق إصلاحات حقيقية، غير أنه لا يمكن أن يكون صبرًا جميلًا في الحالة العراقية، إلا إذا ارتبط بمبدأ تسريع الإصلاحات وإيجاد جسور تحقق الثقة بين المواطن والحكومة.

إلى الأعلى