الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عندما تتسلَّح “السياسة” بـ”نبوءات دينية”!

عندما تتسلَّح “السياسة” بـ”نبوءات دينية”!

جواد البشيتي

لكل عصر حقائقه وأوهامه.. واليوم، ولأسباب سياسية في المقام الأوَّل، شرعت السياسة الدولية (والإقليمية) تتدثر بما يسمونه “نبوءات دينية”، مدارها جميعًا هو فكرة “نهاية العالَم”، وما سيَقَع من أحداث في “رُبْع السَّاعة الأخير”، تُمَهِّد وتؤسِّس لـ”نهاية العالَم”.
وهذه “النبوءات” ليست من “الكلام الجامع المانع”؛ فإنَّها مكتوبة بما يسمح بتأويلها بما يُوافِق مقاصِد وغايات ومآرب الناس في أمكنة وأزمنة مختلفة؛ وفي هذا يكمن سر ديمومتها.
وفي كل زمان ومكان نسمع الناس الذين تستبدُّ بعقولهم نبوءة ما يقولون: “لقد أزفت ساعة تحقُّق النبوءة؛ وهذه هي الأدلة والشواهد”؛ فإذا ذهبت النتائج بما قالوا وتوقَّعوا، تراجعوا قائلين: “لم تتحقَّق بَعْد؛ لأنَّ الأدلة والشواهد التي اسْتُجْمِعَت لم تكن مكتملة، وبعضها لم يكن صحيحًا؛ لكنَّ هذه النبوءة ستتحقَّق مستقبلًا، وربَّما عمَّا قريب”؛ وهكذا يظلُّ للنبوءة سطوة على عقول الناس من المؤمنين بها؛ فأَمْرُ تحقُّقها، إنْ لم يكن اليوم فغدًا، هو في منزلة “المُسلَّمة”؛ لكن “توقيت” و”كيفية” تحقُّقها هما اللذان يَبْقيان، ويجوز أنْ يَبْقيا، أمرًا قابلًا للأخذ والرَّد.
و”النبوءة” نفسها لا تَظْهَر إلاَّ لتَكْمُن، ولا تَكْمُن إلاَّ لتَظْهَر؛ فإذا اقتضت مصلحة ما ظهورها، ظَهَرَت، أيْ تجدَّد واشتد اهتمام الناس بها، وامتزَجَت بالسياسة ومآربها ومقاصدها، في وقت ما، وفي مكان ما، وفي ظرف ما؛ وإذا وَهَنَ وضَعُف الاهتمام السياسي بها، لعدم وجود مصلحة سياسية في بعث وإحياء الجدل فيها، طواها النسيان لزمن يطول أو يقصر، وأصبح الاهتمام والانشغال بها أثرًا بعد عَيْن.
وذوو المصلحة في تفسير الأحداث السياسية والتاريخية، أكانت مفيدة لهم أم ضارة بهم، بما يُوافِق “نبوءة دينية ما”، يَرَوْن في استبداد هذه النبوءة بعقول العامة من الناس خير حليف لهم في معركتهم لابتناء، ولإعادة ابتناء، ثقة شعبية واسعة وقوية بهم، وبنهجهم، وبما صَنَعَت أيديهم من خَيْرٍ أو شَرٍّ.
لو قالت الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس بوش، إنَّها ستَقِف مع سعيٍ إسرائيلي إلى تهويدٍ ما للبُنْيَة الروحية للحرم القدسي (المسجد الأقصى وقُبَّة الصخرة) لتعذَّر عليها أنْ تحصل على قبول شعبي واسع لموقفها هذا؛ وكان “الحلُّ” يكمن في تصوير هذا الموقف على أنَّه خَيْر خِدْمَةٍ تُقَدَّم لنبوءة عودة المسيح؛ وهكذا آمن الرئيس بوش بالضرورة الدينية المسيحية لإعادة بناء الهيكل على أنقاض “الأقصى”؛ فالمسيح، على ما تُخْبِر النبوءة الخاصة بعودته، لا يعود قبل أنْ يُلبَّى لعودته هذا “الشَّرط (هدم “الأقصى” وإعادة بناء الهيكل مكانه)!
وكان يكفي أنْ يُلْبِس الرئيس بوش موقفه (السياسي) هذا لبوس تلك “النبوءة الدينية” حتى يَقَع كلامه في هذا الشأن على أسماع شعبية تشبه سمعه؛ فإنَّ عشرات الملايين من المؤمنين بهذه النبوءة سيتَقَبَّلون، عندئذٍ، وبرحابة صدر، هذا التأييد التلمودي لإسرائيل؛ فأيُّ قول، أو موقف، أو فعل، أو تصرُّف، أو تفسير، يشبه “النبوءة الدينية” التي يقول الناس بها، وبصدقيتها، لا بدَّ له من أنْ يَلْقى قبولًا لدى الغالبية من هؤلاء، فيًسْهُل، من ثمَّ، تحريكهم وتسييرهم في الاتِّجاه المُراد.
ويتنامى في الولايات المتحدة تأثير “الصهيونية المسيحية الإنجيلية”، وهي عقيدة تقوم على ثلاثة مبادئ”: الإيمان بعودة المسيح”، وبأنَّ عودته مشروطة بقيام دولة إسرائيل، وبضرورة تجمُّع اليهود في فلسطين .
لقد ظهر كثير من الجماعات الدينية المسيحية الإنجيلية الأصولية في بريطانيا والولايات المتحدة؛ وكان أبرزها “الحركة التدبيرية”، التي نشأت في الولايات المتحدة بعد قيام دولة إسرائيل. وتضم في عضويتها عشرات الملايين من الناس؛ ومن بين أعضائها كان الرئيس رونالد ريجان؛ وهي تسيطر على قطاع واسع من المنابر الإعلامية، وتمتلك محطات تلفزة عدة، ويشارك قادتها كبار المسؤولين في البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، في صناعة القرارات السياسية والعسكرية، الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي .
وتعتقد هذه الجماعة أنَّ الله قد ضَمَّن الكتاب المقدس نبوءات واضحة، منها: قيام إسرائيل، وعودة اليهود إليها، وهجوم “أعداء الله” على إسرائيل، ووقوع محرقة “هرمجدون النووية”، وانتشار الخراب والدمار ومقتل الملايين، وظهور المسيح المخلِّص، وتخليصه لأتباعه (أي المؤمنين به) من هذه المحرقة، وإيمان من بقي من اليهود بالمسيح بعد المحرقة، وانتشار السلام في مملكة المسيح في أرض جديدة وتحت سماء جديدة مدة ألف عام .وإنَّ مهمة أعضاء هذه الجماعة وأتباعها هي “التهيئة والإعداد” لعودة المسيح بأسرع وقت ممكن.
في معتقدهم، سيصل العالَم إلى نهايته بكارثة عالمية نهائية؛ وعلى المسيحيين المُخلِّصين أنْ يُرحِّبوا بهذه الكارثة؛ لأنَّها ما أنْ تَقَع حتى يشرع المسيح يرفعهم فوق السحاب لإنقاذهم. ويبدو أنَّ أعداد المسيحيين المؤمنين بفكرة “هرمجدون” في تزايد مستمر؛ وهؤلاء يعتقدون أنَّ المسيح وعد المسيحيين المُخلِّصين بسماء جديدة وأرض جديدة؛ وينبغي لهم، من ثمَّ، ألاَّ يقلقوا على مصير الأرض؛ فليذهب العالم كلّه إلى الجحيم، ليُنْشئ المسيح للقلَّة المُخْتارة سماءً وأرضًا جديدتين .
و”التوراة” تتضمَّن ما يفيد بعودة المسيح في آخر الزمان؛ ويرى كبير الحاخامات الإسرائيليين إسحاق قدوري أن “المسيح المنتظَر يوشك أنْ يظهر في الأرض المقدسة”، داعيًا إلى “التعجيل في هدم المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل الثالث على أنقاضه”؛ كما دعا إلى التعجيل في عودة كل اليهود المنتشرين في العالَم إلى إسرائيل؛ لأنَّ الكوارث الطبيعية تتربص بالعالم.
وكان قدوري قد قال، استنادًا إلى حسابات دينية يهودية، إن حرب “يأجوج ومأجوج” قد بدأت بالحرب التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان، وإنَّ المسيح المنتظَر سيظهر في سياق هذه الحرب.
يقول الصحافي الفرنسي جان كلود: كان الرئيس جورج بوش الابن من أشد المؤمنين بالخرافات الدينية البالية، وهو مهووس بالتنجيم والغيبيات، وتحضير الأرواح، وقراءة الكتب اللاهوتية القديمة؛ أمَّا الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك فقال: “تلقيتُ من الرئيس بوش مكالمة هاتفية في مطلع 2003، فوجئت فيها بالرئيس بوش وهو يطلب مني الموافقة على إشراك الجيش الفرنسي في الحرب على العراق، مبررًا ذلك بالحاجة إلى تدمير آخر أوكار “يأجوج ومأجوج”، قائلًا إنهما مختبئان الآن في الشرق الأوسط، قرب مدينة بابل القديمة. وأصرَّ على الاشتراك معه في حملته الحربية، التي وصفها بالحملة الإيمانية المباركة، ومؤازرته في تنفيذ هذا الواجب الإلهي المقدس، الذي تضمَّنته نبوءات التوراة والإنجيل.
قال بوش لشيراك: إن الحرب تستهدف القضاء على يأجوج ومأجوج، اللذين يعملان على إنشاء جيش من المتطرفين الإسلاميين لتدمير إسرائيل والغرب؛ ثم قال له إنه تلقى وحيًا من السماء لإعلان الحرب على العراق؛ لأن يأجوج ومأجوج انبعثا من جديد في العراق، وهو في طريقه إلى مطاردتهما؛ لأنهما ينويان تدمير الغرب المسيحي.
حتى إشعال فتيل حرب نووية مدمِّرة، إذا ما اقتضت مصلحة القابضين على زمام الحكم إشعالها، يمكن أنْ يَجِد سندًا شعبيًّا له إذا ما صُوِّرَت هذه الكارثة على أنَّها تحقيقٌ لبعضٍ مِمَّا تضمَّنته “النبوءة الدينية”.
وتستطيع جماعة سياسية ما أنْ “تُمَثِّل”، في “الشكل” من وجودها، “دَوْرًا” تَضَمَّنَتْه “النبوءة الدينية”؛ فتَلْبَسُ برجالها، وقادتها، وخطابها، وأسلوب حياتها وصراعها، وشعاراتها، ولغتها، اللبوس الذي تَضَمَّنَتْه تلك “النبوءة”؛ فيَتَقَبَّل العامة من الناس سريعًا وجودها، شكلًا ومحتوًى؛ ولقد بدا “داعش”، في شكل ومحتوى وجوده، نسخةً من عناصر عدة تَضَمَّنَتْها “نبوءة دينية”، شُرِحَت وفُسِّرَت على أنَّها تختص بهذا التنظيم.
وفي بعضٍ من الأمور والأحداث الخاصة بالصراع بين العرب وإسرائيل، رَأَيْنا كثيرًا من “النبوءات الدينية” يُفسَّر ويُؤوَّل بما يخدم غايات ومآرب ومقاصد إسرائيلية، أو بما يُبَرِّئ ساحة بعض الدول والحكومات العربية من تهمة “التَّقصير” مثلًا؛ فهزيمة حزيران 1967 صُوِّرَت على أنَّها تَحَقُّقٌ لبعضٍ مِمَّا وَرَد في “نبوءات دينية”؛ أمَّا تغيير ميزان القوى بين العرب وإسرائيل بما يسمح بإحرازهم النَّصر النهائي عليها، فصُوِّر على أنَّه أَمْرٌ عبثي ولا طائل منه؛ لأنَّ هذا النَّصر لن يتحقَّق، بحسب “نبوءة دينية”، إلاَّ قُبَيْل قيام السَّاعة، وعندما ينطق الحجر قائلًا للمسلم: “يا مسلم ورائي يهودي فاقتله”؛ ولقد ذهب بعض الشيوخ من المشتغلين بهذه “النبوءات الدينية” إلى حَدِّ الدَّعوة إلى فِعْل كل ما من شأنه التَّمكين لإسرائيل في الأرض، وتركيز يهود العالم في فلسطين؛ بدعوى أنَّ إسرائيل، وبحسب “نبوءة دينية”، لن تُهْزَم شَرَّ هزيمة قَبْل أنْ تبلغ هذا المبلغ من القوَّة والعظمة!

إلى الأعلى