الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “مشاعر عائدة إلى أرض الوطن” إصدار ذاتي وجداني لـسعاد المعمرية

“مشاعر عائدة إلى أرض الوطن” إصدار ذاتي وجداني لـسعاد المعمرية

مسقط ـ العمانية:
صدر مؤخرا كتاب ” مشاعر عائدة إلى أرض الوطن” لسعاد بنت سعيد بن سيف المعمرية ضمن منشورات موقع بصيرة الإلكتروني بالإشتراك مع مركز ذاكرة عمان ويحمل هذا الكتاب العدد رقم 3 ضمن سلسلة أعلاق نفيسة و قام بضبط نصه الباحث سلطان بن مبارك الشيباني. والكتاب المكون من 45 صفحة يضم مقدمة للباحث الشيباني ونص الكلمة التي ألقتها سعاد المعمرية في النادي العربي للنساء في زنجبار ضمن أمسية احتفائية بعودتها إلى زنجبار في مساء يوم السبت 17 شوال 1365هـ الموافق 14 من سبتمبر 1946م، في حفل حضرته على ما يزيد على ستين امرأة من نساء زنجبار.
وقد نشر نص الكلمة لاحقًا على صفحات جريدة الفلق – زنجبار: العدد 25 ـــ 21 سبتمبر 1946م، متبوعة بتعليق من معلمتها المصرية عطية المستكاوي التي رافقتها في رحلة العودة تلك. وتتسم الكلمة التي ألقتها سعاد بلغة عربية سليمة ومتقنة عبرت بها عما تجيش بها نفسها من مشاعر وهي تعود إلى زنجبار التي فارقتها في مرحلة عمرية مبكرة. وتدلل الكلمة على مستوى الوعي الذي تحمله سعاد وعن الرؤية العميقة للتطوير والنهوض بالمرأة والمجتمع في زنجبار. افتتحت سعاد كلمتها بتصوير مشاعرها وأحاسيسها تجاه الوطن، وكيف فارقته صغيرة، ورجعت إليه بعد ان أكملت جيلا من عمرها، ثم اثنت على أهل مصر وما لقيته في تربتها الثانية من رعاية وعناية. وتوجهت بالحديث بعدها عن بنات جنسها من نساء زنجبار، فألقت عليهن دررا من النصائح والتوجيهات في تعلم اللغة العربية، والتفقه في الدين وإدارة المنزل وتدبيره وتقويم الناشئة وتربيتهم، ويشيرالشيباني إلى وجود ترجمة لهذه الكلمة إلى السواحيلية حيث قامت بالترجمة كل من زوجة الشيخ علي بن سعيد الخروصي وزوجة الشيخ محمد بن سليمان اللمكي. تقول المعمرية واصفة شوقها إلى وطنها : ” لقد كنت – يا سيداتي- وأنا في طريقي إلى وطني أود ان أدخل ماشية على قدمي لأسير وراء قلبي فأتذوق جمال الذكرى، وأنشق عطر عهدي الأول، ولأحيّي تحية خالصة من أعماق نفسي كل أثر باق وكل تذكار سام من تلك الآثار التي ارتبطت بها نفسي إبان طفولتي. سيداتي، لا يستطيع الإنسان – مهما تلونت له الحياة، وتبدت له مفاتن الدنيا -أن ينسى وطنه الذي منه نبت، ومن هوائه تنفس إليه الطريق حزينًا مبلبلاً، لا يصرفه عنه ما يجده في طريقه من وارف الورق، ويانع الثمر، ورويَ الماء، وجميل الهواء؛ فما بالكم بالإنسان قد فُضّل في الحس والشعور، ومُنح قوة الذكر وقوة الأمل! كل أولئك من عوامل الحنين وأسباب الذكريات” ص 36-37. ثم تتنقل بعد ذلك للحديث عن بوادر النهضة التي ستأتي على بلاد الشرق العربية بعد زوال الحدود والحواجز وتتحد الأوطان ويسهل التنقل وتتحد الثقافات وتكثر الصلات، ثم انّ سعاد لا يمكن لها في كلمتها أن تنسى مصر وما قدمته لها حيث تقول:” عَطفَ أهل مصر علينا عطف الأم الحنون على أبنائها البررة، فلم نشعر غربة ولا تعبا” ص 38. ويظهر حرص سعاد على كثير من الجوانب الأسرية مركزة على أهمية العناية بالمرأة ودورها في التنشئة والعناية. فهي تشدد على ضرورة عناية المرأة الزنجبارية بتعلم اللغة العربية حيث تقول :” ويحزنني أنكن تقرأن القرآن الكريم ولكن لا تفهمن معناه، وهذا تقصير مرجعه الرجال، لأنهم لا يعلمون ولا يكلمون أهل منزلهم لغة دينهم، فلعلكن تواجهن هذا النقص بتعلم اللغة العربية” ص41. كما نجدها تشدد على ضرورة عناية المرأة بأولادها وعدم ترك تربيتهم على الخادمات” فإذا كانت الأم تحزن لمرض ابنها فأحق بها أن تهتم بمستقبله، وتتألم إذا تولت خادمة تنشئته وتعوده عادات تتفق مع عقلها وعاداتها، لأنها لا يهمها من شأنه شيء طالما هي تقضي وقتها معه كيفما شاءت بلا رقيب، فإذا اعتادت الامهات عدم ترك أطفالهن للخدم أنس الرجال لمنازلهم وأولادهم، وأكبروا زوجاتهم، وراعوا عنايتهم وعطفهم عليهم، وقلّت حوادث الطلاق وما يتبعها من مشاكل تنصب كلها على مستقبل الأبناء” ص 42.
وفي الجزء الأخير من الكلمة تركز على أهمية التعليم منبهة على الدور الذي يلعبه في حياة المتعلم وعلى ضرورة تدبر نفقات تربية وتعليم الأولاد والصرف عليهم بسخاء فتقول: ” والتعليم يا سيداتي حلو المذاق، طيب الثمرات، وهو سلاح الحياة، ودرع يتقي به الإنسان غوائل الزمن، ولا بعادله أكثر ثروة، لأن المتعلمين أينما ذهبوا يكونون محل الاحترام، ويستطيعون الحياة بعلمهم واجتهادهم.واعلمن علم اليقين أن كل شيء طيب ليس الحصول عليه بالأمر الهين، بل لا بد من تحمل مشاق ومتاعب. وهذا هو الحال في تربية وتعليم الأولاد. فاعتمدن على أنفسكن وعلى رجالكن في تربية الأولاد. واجعلن همكن تدبير مصاريف ونفقات التعليم، دون الاتكال على معونة الحكومة أو مساعدة دول أخرى، لأن تلك المساعدات تكون قليلة ومحدودة في أفراد قليلين، ولديكم من الشباب عدد وافر يحتاج لهمة كبيرة، ورعاية قديرة من النساء والرجال، ويجب الصرف بسخاء زائد يتفق مع ما عرف عن العرب من كرم وجود” ص43 – 44 . ولدت سعاد بنت سعيد بن سيف بن سعيد المعمرية في زنجبار بالشرق الأفريقي وتقدر ولادتها سنة 1908م، وتعود أصولها إلى أسرة عمانية خرج منها علماء ووجهاء حيث كان مستقرهم في ولاية إبراء ببلدة المنزفة. وقد قدّر لهذه الأسرة أن تعيش قصة ارتحال عبر الأجيال المتلاحقة، ترجع الهجرة الأولى للعائلة إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري أو مطلع القرن الرابع عشر الهجري في زمن الجد سيف بن سعيد بن ماجد المعمري. ثم ان ولديه سالم (والد الرائدة العمانية فاطمة بنت سالم المعمرية) وسعيد(والد سعاد) قد هاجرا من زنجبار إلى مصر في حدود سنة 1913م وذلك عقب وفاة والدهما وأخيهما الأكبر ماجد، وقد انتقلا إلى مصر بعائلتيهما واستقرا في القاهرة لتدريس أبنائهم دراسة عصرية. كان عمر سعاد حينها خمس سنوات ولما وجدت البيئة التعليمية الخصبة أخذت تنهل من معين العلم وقد ظهرت عليها ملامح النبوغ حيث تصفها معلمتها عطية المستكاوي قائلة: ” حضرت أختي سعاد مع المرحوم والدها وهي طفلة صغيرة، ولمَّا حاول إدخالها مدرسة حكومية رفضت قبولها لصغر سنّها، ثُم رحبت بها بصفة خاصة في قسم روضة الأطفال، لأنها عربية غريبة حضرت خصيصا لنهل العلم من موارد المدارس المصرية، فكانت مثال الجد والنشاط بامتياز لفت إليها أنظار مدرسيها، إلى أن حصلت على دبلوم مدرسة السَّنِيَّة للمعلمات، فلم تر الحكومة المصرية بدًا من تكريم هذا النبوغ – مع صغر السّنّ- ولانهوض به ما أمكن في مراحل أوسع من نطاق المدارس المصرية. فاختارتها في بعثة إلى إنجلترا، مع أنها غير مصرية، ولم يحصل هذا أبدا إلى الآن [تقصد إلى سنة 1946] وفي نظام البعثات المصرية، لأن البعثات قاصرة على المصريين فقط، وقد أتمت دراسة علوم التدبير المنزلي هناك، وعيّنتها الحكومة المصرية مدرسة في مدارس البنات، ثم رُقيت إلى ناظرة لمدرسة الثقافة النسوية في طنطا، فجعلتها أنموذجًا لمدراس علوم التدبير المنزلي في مدى سنتين، مما جعل الحكومة تختارها مفتشة لهذه العلوم، لتنهض بها في باقي المدارس المصرية، بتوجيهاتها وإرشاداتها، فتولَّت تنظيم هذه العلوم في جميع أنواع المدارس المصرية، واخيرًا وضعت كتابًا في أحد فروع التدبير المنزلي: (الغسيل والكي) وقرَّرت الحكومة المصرية تدريسه في المدارس والكليات” ص11. فهذه الكلمة تعكس عمق التقدير الذي لقيته سعاد المعمرية والمستوى المتقدم في السلك التعليمي المصري الذي حازته في تلك الفترة حيث بقيت في مصر مدة تقرب من 33 سنة لتقرر بعدها العودة إلى زنجبار. بعد 1946م بقيت سعاد المعمرية لمدة غير قصيرة في زنجبار، ولكنها عادت ثانية إلى مصر ولكن بفضل الصلات التي نتجت عن زيارتها لزنجبار منحها لأن يكون لها الدور الكبير في تنشيط حركة البعثات العلمية العمانية إلى مصر. اقترنت سعاد المعمرية بالشيخ الجزائري أبي إسحاق إبراهيم بن محمد أطفيش في 1951م (وإن كان الباحث الشيباني يشير إلى أنّ هناك ما يؤكد أن الاقتران قد يكون أبكر من ذلك بحسب بعض الوثائق أي سنة 1949م). ولكنها لم تنجب منه ولم تتزوج بعد وفاته، كان الشيخ ابو إسحاق ينعتها ب”السيدة العمانية” في كتاباته. عادت إلى زنجبار بعد وفاة العلامة أبي إسحاق سنة 1965م ولكن الأوضاع التي عاشتها زنجبار عقب انقلاب 1964م لم تتح لها فرصة مواصلة نشاطها فانتقلت إلى بلدة “ممباسة” في كينيا وقد تركت أثرًا واضحًا في نساء أفريقيا وكانت تتقن التواصل معهن باللغات العربية والسواحيلية. وفي السنوات الأخيرة من مسيرة عمرها الحافل بالجد والمثابرة عادت سعاد إلى موطن آبائها عمان لتستقر فيه مع اهلها، وتدفن في تربته عن عمر يناهز التسعين عامًا سنة 1996م.
يأتي هذا الكتاب ضمن منشورات موقع بصيرة الإلكتروني بالاشتراك مع مركز ذاكرة عمان، ويحمل هذا الكتاب العدد رقم 3 ضمن سلسلة أعلاق نفيسة ويُعنى بهذه السلسلة الباحث سلطان بن مبارك الشيباني حيث تهتم هذه السلسلة بنشر عدد من النصوص العمانية ذات القيمة الأدبية الفكرية والتاريخية، وهي نصوص مفردة مع تقديم من الباحث إضاءة حول كل نص. بحيث تكون الغاية من ذلك لفت اهتمام الباحثين والقراء إلى كل نص على حدة. و كان العدد الأول من سلسلة أعلاق نفيسة بعنوان “قصيدة جوهرة النظام” للشاعر الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، وهي قصيدة استنهاضية تهدف إلى دعوة الأمة الإسلامية إلى الوحدة والتكاتف والتآزر. أما العدد الثاني من السلسلة فهو بعنوان ” كلمات في الاتحاد والتعاون” بقلم الشيخ محمد بن سالم بن محمد الرواحي، وهي كلمة ألقيت في اجتماع تشكيل الجمعية العربية في زنجبار سنة 1937م.

إلى الأعلى