الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مدينة “شنقيط” الأثرية التي أهدت اسمها لموريتانيا
مدينة “شنقيط” الأثرية التي أهدت اسمها لموريتانيا

مدينة “شنقيط” الأثرية التي أهدت اسمها لموريتانيا

نواكشوط ـ العمانية:
مدينة المكتبات” أو “مكة موريتانيا” كلها ألقاب أطلقت على مر العصور على مدينة شنقيط الأثرية الواقعة بين كثبان الرمال على التخوم الجنوبية من الشمال الموريتاني، على بعد 516 كيلومتراً من العاصمة نواكشوط.ويعود تاريخ هذه المدينة التي أدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم) إلى حقبتين متتاليتين بدأت أولاهما سنة 160 للهجرة ــــ776 م ) ببناء المدينة القديمة التي سميت وقتها اسم “آبير” وهي كلمة تصغير صنهاجية (بربرية) لاسم “بئر” وهي عين الماء التي تأسست حوله ، ورغم انعدام المصادر المدونة حول تاريخ هذه المدينة، إلا أن الراجح عند المؤرخين أن حافر هذه البئر الذي سبق نشأة المدينة بحوالي 44 عاما هو عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الذي أرادها نقطة ربط بين مدينة “سجلماسة” في جنوب المغرب ومدينة “أوداغست” التاريخية المندثرة في الشرق الموريتاني. وتعني كلمة “شنقيط” باللهجة البربرية “عيون الخيل” وقد ورد ذكرها في مصادر التاريخ لأول مرة من طرف الرحالة البرتغالي (فالنتينو فرنانديز) عام 1507 م (912 هـ) ، قبل أن يأتي أول ذكر لها في المصادر العربية على يد عبد الرحمن السعدي ، ثم تناول العلامة الموريتاني سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم تاريخ المدينة بعد ذلك بثلاثة قرون، على أن المصادر التي استندت عليها كل هذه الكتابات ظلت شفوية في المقام الأول.

عاشت مدينة “شنقيط” الأولى (آبير) خمسة قرون بلغت فيها أوج ازدهارها إثر سقوط دولة المرابطين الشمالية سنة 541هـ ونزوح القبائل الصنهاجية التي كانت تتألف منها هذه الدولة إلى الجنوب ، ثم تأسست “شنقيط” الثانية على بعد 3 كيلومترات إلى الجنوب الغربي من “آبير”، وهي التي لا تزال قائمة حتى اليوم، حوالي 660 هجرية (1262م). وتتميز المدينة بمسجدها العتيق الذي لا يزال قائما حتى اليوم بمئذنته المشهورة ذات العشرة أمتار التي تعتبر رمزاً لدولة موريتانيا ، و بني هذا المسجد من الحجارة المحلية والطين الأصفر فيما أسس سقفه من سعف النخل وجذوعه المدعمة بالطين وقد زينت المئذنة ذات الشكل المستطيل بأربع بيضات نعام تم تثبيتها على أطرافها العلوية الأربعة. ومع الترميم الحديث الذي تم إجراؤه على المسجد، إلا أن بنيته الأساسية وشكله المعماري لم يتغيرا حتى الآن ، كما أن شيوخ المدينة يحرصون على المحافظة على كل العادات القديمة المتعلقة بالمسجد ومنها رفضهم لتأثيثه، حيث لاتزال الصلاة تقام فيه حتى اليوم على الصعيد الطيب دون أي فراش مهما كان. اكتسبت “شنقيط” أهميتها وشهرتها من الدور الثقافي والاقتصادي الذي قامت به ردحا من الزمن، إذ يتناقل سكان المنطقة أن المدينة كانت تضم في أوج ازدهارها 30 مسجداً ، كما احتوت على عدد كبير من المكتبات الزاخرة بالمخطوطات النفيسة والنادرة لايزال بعضها محفوظا عند الأسر العريقة في “شنقيط” في حين نال التلف من البعض الآخر بفعل عوامل الطبيعة كالرياح والشمس والرطوبة ، ويعود تاريخ بعض هذه المخطوطات إلى القرن التاسع الميلادي وكتبت نصوصها على جلد الغزال وأحيطت بغلاف من جلد الماعز، ويتناول أغلبها علوم القرآن الكريم وأحكام الشريعة إلى جانب الآداب والنحو والشعر والطب والفلك والعلوم المتنوعة .وانتشر في هذه المدينة بشكل خاص تدريس القرآن الكريم حتى أصبح حفظه شبه إجباري لكل صبي قبل أن يبلغ العاشرة من العمر ، فتأسست “المحظرة” الموريتانية وهي جامعة تقليدية مقرها خيمة من وبر يقدم فيها الشيخ دروسه في مختلف المجالات المرتبطة بالشريعة الإسلامية إلى عدد كبير من الطلبة. أما الاقتصاد التقليدي فكان يعتمد على ثلاثة محاور هي واحات النخيل وما تنتجه من تمور وما يزرع في حضنها من حبوب، وتربية الماشية والنشاط التجاري ، وقد ازدهر هذا الأخير بشكل غير مسبوق بفضل وجود المدينة على طريق القوافل المتنقلة بين جنوب المغرب والسودان والسنغال، وتجلب هذه القوافل الثياب والأواني والأدوات الصناعية وقطع الملح من الشمال إلى الجنوب ثم تعود محملة ببضاعة المناطق الإفريقية وعلى رأسها الذهب والعاج والحبوب. وفضلاً عن هذا فقد كانت “شنقيط” مركز تجمع ونقطة انطلاق للحجيج القادمين من كل حدب وصوب ضمن قافلة موحدة قد تستغرق أشهرا طويلة قبل الوصول إلى الديار المقدسة، ويعمل الحجاج خلال هذه الرحلة الشاقة على نشر العلوم الإسلامية في البلاد التي يمرون بها وقد يستقرون بها في طريق العودة ، كما يتنافسون في جلب نفائس الكتب إلى وطنهم الأصلي، فذاع صيتهم ونالوا بذلك شهرة كبيرة جعلت اسم “شنقيط” يطلق في المشرق على القطر الموريتاني ككل وبات الموريتانيون يلقبون بالشناقطة. غير أن هذا الدور تراجع بحدة مع دخول المستعمر الفرنسي في 1909 م وانتقال مراكز النفوذ وطرق التجارة إلى جهات أخرى وظهور البواخر كوسيلة مفضلة لنقل البضائع والحجيج قبل أن تأتى السيارة فتجهز على الباقي. كما تعرضت مدينة “شنقيط” في ستينات القرن الماضي لموجة جفاف شديدة ومزمنة أتلفت خلالها واحات النخيل وأهلكت قطعان الماشية وأدت إلى هجرة السكان وزحف الرمال على المساكن ، وفي وجه هذا الواقع المرير قررت قلة من ميسوري الحال بناء مساكن عصرية على بعد كيلومتر واحد من المدينة القديمة مستفيدين من حزام أخضر تم غرسه مؤخرا للحد من الرمال الهائجة. وتكمن بارقة الأمل الوحيدة بانتعاش الظروف الاقتصادية للسكان البالغ عددهم اليوم نحو 3 آلاف شخص في الآفاق التي تفتحها السياحة، حيث تشكل شنقيط أول وجهة مفضلة للسياح الأوروبيين العاشقين للتراث القديم والآثار التاريخية ، فكثيرا ما شوهدوا وهم يجوبون الأزقة الضيقة للمدينة القديمة، فيتفقدون صناعتها التقليدية ويدخلون مكتباتها وبناياتها الصامدة باستثناء المسجد الذي يشاهدونه فقط من الخارج.

إلى الأعلى