الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوروبا في مواجهة اللاجئين… سقوط نفاق وهشاشة مشروع

أوروبا في مواجهة اللاجئين… سقوط نفاق وهشاشة مشروع

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني
بعيدًا عن جبهة الصراع الحقيقية والوحيدة المفترضة مع العدو التاريخي والوحيد للأمة العربية، المشروع الصهيوني وكيانه الغاصب في فلسطين، ومن ورائه العدو الأصل، أي الغرب صانعه وداعمه ومتكفل وجوده واستمرارية عدوانيته وامتدادات هذا الصانع في بلادنا، تستمر تراجيديا هدر الأرواح العربية غرقًا في البحار واختناقًا في شاحنات نقل اللحوم المجمَّدة، وتتوالى بالصوت والصورة مشاهد المهانة والإذلال المتلفز لأفواج لاجئي العرب المتدافعة على تخوم أوروبا الكارهة لهم، والمتسببة أصلًا والمشاركة دومًا في استيلاد كوارثهم… إذلالهم، إن صدًّا أو قمعًا، أو حشرًا في معسكرات التسجيل وأخذ البصمات الأشبه بالمعتقلات على حدود الاتحاد الأوروبي، والآخذة في التحصُّن خلف القوانين المتشددة وجدران الأسيجة الشائكة، أو في المبالغة الاستعراضية الإعلامية في ترويج مظاهر الإحسان والشفقة المتلفزة، الموظفة بدهاء لنشر غلالة إنسانوية زائفة يختبئ خلفها نفاق تليد، ومزايدة على الجيران، وإلقاء للكرة المرفوضة في ملعبهم، استغلالًا لما لا يمكنهم تفاديه في تبييض صورة شابها ما شاب، كما هو في الحالة الألمانية التي أُتيح لها جب ما علق بها بسبب من التجبُّر والقسوة في مقاربة الحالة اليونانية. وعمومًا، تسترًا على عنصرية تاريخية مقيمة، أو تملُّصًا من لطخة استعمارية أبدية، كما هو في الحالتين البريطانية والفرنسية. وكلتاهما، العنصرية واللوثة الاستعمارية، لم ولن تفارقا قارةً ظلت وحدها بامتياز عشًّا لتفقيس كافة الفلسفات الفاشية الكريهة التي عرفها تاريخ المعمورة، ومنها الصهيونية.
حتى الآن، دفعت المستشارة الألمانية من رصيدها الشعبي، حيث تقول بعض الاستطلاعات بتراجعه، إثر انعطافة سياستها باتجاه التساهل مع اللاجئين، لكنها بيَّضت الوجه الألماني مما ألحقته به سياستها اليونانية، فكان أن أحرجت، ومثله فعلت النمسا، البريطانيين والفرنسيين على الخصوص، وباقي جبهة الرفض والصامتين في الاتحاد الأوروبي عمومًا. لذا، وبخبث بلاد الضباب المعهود، سارع محافظو بريطانيا على الإثر، واستجابةً منهم للضغط الشعبي، إلى الإعلان عن نيتهم استقبال عشرين ألفًا من اللاجئين، لكن خلال عامين من الآن، وعلى طريقتهم الخاصة، باعتبارهم خارج اتفاقية “تشنغن” ولا تلزمهم، ذلك باختيار لاجئيهم بأنفسهم ووفق المواصفات التي تناسبهم وتخدم اقتصادهم وتفيده وليست عبئًا عليه، ومن مخيمات اللجوء في الجوار السوري مباشرةً. والفرنسيون تمخَّض جبل إنسانيتهم فولد فأرًا شبيهًا بالفأر البريطاني، لكن مع مزايدة عليه برفع الرقم إلى24 ألفًا ومن المنتقين أيضًا… وكلاهما، استغلا نخوتهما المكرهين عليها في محاولة تمرير سياسة رفع وتيرة تدخُّلهما في الشأن السوري شعبيًّا، وتبرير توسيع عدوانهما العسكري المباشر ببدء القصف الجوي للأهداف السورية.
أما دول جبهة الرفض، المجر، وسلوفاكيا، والتشيك، وبولندا، وربما معها بقلوبها لا بألسنتها كل تلك اللائذة بالصمت أو الخافتة الصوت من باقي دول الحديقة الخلفية الشرقية للاتحاد الأوروبي، والتي بات يتزعمها، أو صوتها العالي، الآن فيكتور اوربان، رئيس الوزراء المجري، فلا ترفض الاعتراف بوجود اللاجئين أصلًا وتعتبرهم مجرَّد مهاجرين اقتصاديين جذبتهم الرفاهية الألمانية فحسب، وإنما، ولأن غالبيتهم من المسلمين، فهم يشكِّلون خطرًا وجوديًّا على الحضارة المسيحية الأوروبية، وعليه، فإن هذه الدول معنية بالحؤول دون تدفقهم عبر حدودها، التي هي حدود الاتحاد وتخومه، وبات من واجبها الذود عن هوية القارة المهددة… مثلًا، يجاهر اوربان بهذا ويكرره، ويزيد عليه بأن في المجر ما يكفي من محلات بيع الكباب، ويكفيها ما لديها من الغجر، أما بولندا فتجزم بما سبقتها إليه سلوفاكيا، من أنها لن تستقبل سوى لاجئين مسيحيين!
قلنا في مقال سبق، إن تدفق اللاجئين قد أربك أوروبا وكشف عن عورة زائف نفاقها الإنسانوي، ونرى الآن كم هو كاشف لهشاشة مشروعها الوحدوي وطارح لمستقبله قيد التساؤل، ونلحظ كيف أن تداعياته تنعكس لمزًا وتنابزًا بين مكوِّناته ومظاهر لانقسامات رسمية وشعبية لها ما بعدها. وإذ ليس بخافٍ أن هذا الطارئ قد استفز كوامن العنصرية، وزاد من وتيرة تنامي الفاشية، فقد صعَّد من فحيح خطاب الكراهية، وأتاح لليمين المتطرِّف الرقص على دف الإسلاموفوبيا المتفشية لحصد المزيد من الشعبية، بحيث لم يعد مستبعدًا ما ترجحه بعض الاستطلاعات فوز لماري لوبين برئاسة فرنسا في الانتخابات الرئاسية بعد عامين… بالمناسبة، اتهمت لوبين ألمانيا باستقبال اللاجئين لاستغلالهم كأيدٍ عاملة رخيصة تعده نوعًا من العبودية، كما كثر في دول الرفض رد الأريحية الألمانية لحاجة الاقتصاد الألماني سنويًّا لنصف مليون عامل (الألمان يقولون 200 ألف)، وإن برلين قد وجدت فيهم حلًّا لمشكلة ديموغرافية ناجمة عن شيخوخة مجتمعها وحاجته لدماء جديدة. لعل في هذا بعض من صحة، لا سيما وإن مشكلة الشيخوخة تعانيها القارة بكاملها، النمساويون، مثلًا، قالوها بالقلم العريض، بأنهم سيحاولون سد نقص في كادرهم الطبي بما يتيسر لهم من كفاءات سورية، والأمر نفسه سبقهم إليه السويديون في حقل الصيدلة. لكنما المفارقة هي أن يستفز النأي الأميركي بالنفس الأوروبيين فيذكِّرهم بمن هم سبب ما يواجهونه الآن من مأزق!
…ليس في وارد الأوروبيين مراجعةً لسياساتهم العدائية تجاه بلادنا، ولا حل لديهم لمعالجة جائحة اللجوء سوى فرض أسبرين نظام الكوتا على مكونات اتحادهم، شاءت حدائقهم الخلفية أم أبت… أما التدفق العربي المُذل على كارهيه، ومن مشارق الأمة ومغاربها، فلن يتوقف نزفه ما لم ترتِّب هذه الأمة أولوياتها لتتوحَّد صفوفها، وتضبط بوصلتها لتشرع في نهوضها، وكله عبر سبيل واحد ما ثم سواه، هو إعادة الاعتبار لأبجديات صراعها الوجودي مع عدوها التاريخي الوحيد أصلًا وفرعًا.

إلى الأعلى