الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عن النقد وما حوله

عن النقد وما حوله

ربما، والعالم يتغير من حولنا، لن يبقى فن النقد على حاله. ولمَ يظل حبيس الندوات والورق، بينما تتحرر الفنون جميعاً من قيودها القديمة، لتفتح آفاقاً أكثر غموضاً وأوسع سبلاً؟ وهل سيحتاج النقد وممارسوه إلى البنيوية والتفكيكية والواقعية الراقية أو الاشتراكية في عالم ما بعد الحداثة؟ من خلال ما أسمع وأقرأ وأرى، أجيب بكل ثقة “لا”!
ينتهز الكثير من النقاد أيسر السبل ليتحول النص عندهم إلى مجموعة من المصطلحات والاختراعات اللغوية في التعبير عن جماليات الفكرة وعمقها. ويحيط بهذا الأسلوب قرب أو بعد الناقد من المبدع، ومستوى المودة الشخصية، أو المصلحة، إذا كان المنقود مسؤولاً ومؤثراً في مكان ما.
تغيب عن النصوص المنقودة النظر الدقيق في الأسلوب، واختيار المفردة، والفكرة المسبوكة، وحتى القصد، ودلالات النص. المهم أن يسطر الكتّاب ويصفّوا الكلمات، لينتهي العمل في المطبعة، وينتشر في المكتبات، ولا يهم بعدها مستوى الإقبال عليه، فبعد وقت يطول أو يقصر حسب علاقات وتأثير الكاتب ستعقد ندوة ما، وتكتب مقالة في صحيفة ما، تحلق بالنص إلى متاهات ومقاصد لا يحتملها النص الذي قد يكون عادياً، ركيكاً، غير مهم.
اليوم يكتفي النقاد بمنح “like” لمنشور على الفيس بوك يكفيهم شر الملامة والعتب، ولا يكلفهم القراءة والتدبيج. ويمكنهم أن يطمنئوا إلى أن لا أحد سيبحث وراء آرائهم النقدية، ربما لأن القراء قليلون، وربما لأن حرية التفكير مكفولة، ولاسيما في مجال الأدب. ومع اتساع مجال الفنون الأدبية يتضاءل دور النقد في التقويم والتصحيح، وقد يختفي يوماً ما وينتهي إالى أن يكون آراء مجردة غير مؤثرة تتلاشى أمام انتشار النص.
وأود أن أنوه إلى أنه في ظل التطورات السياسية التي تعصف بالمنطقة العربية، مضافاً إليها سقف الحرية المفتوح على غير العادة، أخذ النقاد بالانجراف إلى إبداء الرأي في السياسة، والانجذاب إلى طرفي المعركة، والتحزب لجهة دون أخرى، مبتعدين عن صفة الحيادية، وحتى عن صفة الأدب.
يجب أن نتذكر دائما أن النقد نشأ مع أو بعد الأدب بقليل، وأن أي حديث عن الأدب هو نقد، وأن ارتقاء الفنون والآداب مرتبط ارتباطاً وثيقاً مع صفاء ونقاء النقد العلمي، الذي أفتقده هذه الأيام.

حيدر الجابر

إلى الأعلى