الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / البطولة بين الحب والغواية: قراءة في رواية (رائحة القميص) لخليفة العريفي

البطولة بين الحب والغواية: قراءة في رواية (رائحة القميص) لخليفة العريفي

تُعد رواية (رائحة القميص) إضافة جديدة تقدمها مؤسسة بيت الغشام العمانية للنشر والترجمة في العام 2015 بإصدارها عملا روائيا جريئا في الموضوع والتناول ويعد إضافة حقيقية إلى المكتبة الخليجية والعربية، وهي للكاتب البحريني والمسرحي الأستاذ خليفة العريفي، قال عنه قاسم حداد ” خليفة العريفي فتىً يسابق الخيل” وفي هذا العمل الروائي هو ” طائر الأمل الذي لا يحط على الأرض.. ينثر في العتمة بريقٌ من نور الكلمات” يحكي لنا عن قصرٍ وساكنيه، عن الآلم ومعانيه، عن قوة الحب التي تمنحها القلوب لعاشقيها، يقول العريفي على لسان الشخصية الساردة في افتتاحية الرواية ” هذا أنا..! تعالوا معي سندخل قصرا مشيدا على ربوة تطل على المدينة. ينشر ظلا غامضا في الفضاء المحيط، له فتنة الغواية من تحت، لكن سره مرهون بالداخل لا من الخارج” (ص7) بهذه الكلمات القليلة الموجزة يتحدد للقارئ هذا المصباح الذي يقدمه لنا الكاتب بأننا أمام مكان غير محدد ولكن ببناءٍ معروف هو القصر وما سيدور في الرواية هو من ” داخل هذا القصر.. سنرى الشخوص التي تعيش في هذا المبنى الكبير ونعيش معهم” ويتورط العريفي أكثر بالكشف عن تخطيطه المسبق لما سيدور على لسان شخصياته في الرواية بأنه ” سأحاول أن أجعلهم يتحدثون عن أنفسهم، سيعترفون لا محالة” ويؤكد العريفي أكثر بأنه هو المحرك المنتظر للأحداث التي لا تحركها شخوصها ولا تستنطقُها الأمكنة، فهو الآخر شريك كسارد عليم ” ومن لا يعترف سأقول أنا نيابة عنه. إذن دعونا نبدأ” (ص7) من هذه الافتتاحية في نصف صفحة نجد هناك معاول بناء مشرعة لهذا الجنس الأدبي الذي يحاول الكاتب بتجربته الثرية التجريب في بيان أي نوع هو هذا المولود الجديد الذي يزيح اللثام عنه الكاتب خليفة العريفي ومن سيشاركه لغة السرد؟ وكيف هي شخصيات الرواية؟ والتي ملمحها العام بأن لا يتوقع القارئ أن تنطبق انطباقا تاماً مع وقائع الحياة اليومية وإنما تتوازى معها وهذه الومضة الأولى التي تحبس الانفاس للقارئ الصبور، ليصل إلى مبتغاه العريفي في رمي شبكة الكلمات، وعلى القارئ أن يُوصل حروف المربعات، ليكتشف السر المخفي والرمز الدلالي الذي يستر مدلوله المباشر في العلاقة المتوترة بين التاجر/ الغني ممثلا بالأخ الأكبر لأخواته البنات: فاطمة، خديجة، ثريا، نورة، واللاتي يعشن معه في القصر الكبير الموصد بأبواب حديدية، وبين البحار الفقير عيسى الذي مهمته تزويد القصر بالسمك الطازج، وتجمعه الصدف بلقاءٍ خاطف مع فاطمة التي تنبهر به بعد أن قال لها ” أنت جميلة”، فتسأله في تحدٍ ” ألا تخاف أن يسمعك أخي؟، فيجيب” أنا لا أخاف من شيء” (ص11)، إذا هو صراع إرادات بين البطل الفقير وماضيه الأسري مجسداً هذا التحدي برغبته في الدخول لقلب الفتاة التي تقطن القصر، وبين البطل الأخ الذي يعيش متغنيا بسلالته وينسى واقعا متغيرا بتغير أحوال الناس بعدم قدرة القيود والأبواب والنوافذ على منع تسلل الدخلاء والأفكار والحب الذي هو الحاسة السابعة التي لا فكاك منها وخصوصا لجيل الشباب الذي يتدفق طاقة وحيوية ولا يعنيه الماضي ولا يهمه أن يتصالح معه أو ينبذه، وخصوصا إذا كان يمثل عقبة لما يراه صحيحا، ولا يغذي حاجاته النفسية والجسدية الملحة لحياته التي يعيشها بطريقته، وأسلوبه المختلفين عن الجيل الذي سبقه، فها هو الأخ الأكبر يقول” المال، ثم المال، المال سلطة، إدفع تتحكم، ولهذا يظل الفقراء فقراء، والأغنياء يزدادون غنى”. (ص28)
العنوان (رائحة القميص) يستنطق في النص بأكثر من عبارة صريحة وبنفس وجودها في العنوان، فمرة على شكل حلم يراود البطلة فاطمة، كما جاء في المقطع التالي: ” كان عيسى البحار معلقا على صاري سفينة تعبر ضبابا كثيفا، كانت تمطر ضبابا رماديا له طعم السكون، قليل من الرطوبة، قليل من البرد، لم تكن الرؤية ملهمة.. كنت أبحث عن عيسى البحار، وكان يختفي ويظهر، كنت أسفل الصاري أنتظر، سقط عيسى ولم يصب بأذى، وقف أمامي، كان قميصه ينضح رائحة مميزة، رائحة لا يمكن نسيانها” (ص23)، وفي تناول آخر حول (رائحة القميص) يكون النقاش في اليقظة تحاول فاطمة البحث عن التفسير “كيف أفسر لها-مربيتها خديجة-أن رائحة قميصه في الحلم تداعب خلاياي في اليقظة، حتى أنا لم أفهم ذلك، ستقول سأحضر لك الشيخ فرحان ليقرأ عليك، هذا من عمل الجن. ترى ماذا يقول فرويد عن ذلك؟” (ص24)
فشخصية الأخت أو الزوجة / الحبيبة للسماك عيسى والتي اختارها العريفي لم تكن جوفاء بل واعية، وتمتلك العديد من المواهب كحب القراءة والاطلاع والغناء والعزف على العديد من الآلات، مما دفع الأخ الأكبر ليقر بموهبتها، ويستفيد من صوتها في تسهيل عقد الصفقات وتوقيع العقود الكبيرة، فها هو يعرف بها” أستاذ عامر! اهدأ، هذه أختي الصغيرة، تغني وتعزف العود والكمان وتكتب الشعر” (ص9). ومن خلال الرمز يؤكد الكاتب العريفي على مفهوم الحيرة والتمزق اللذين يعاني منهما الإنسان بحثاً عن شيء ما لا يدرك ابعاده وهو الباحث عن الحل. يقول جون سي ماكسويل في كتابة (كيف يفكر الناجحون) أنا لست في حاجة إلى أن أعرف 99% من كل شيء يجري في الحياة. فانا أحاول أن أركز على الواحد في المائة التي تعود عليّ بأقصى فائدة” وهذا أراده العريفي في روايته (رائحة القميص) وما عكسه المحبان في تصرفاتهما وسلوكهما الذي كانا ينشدانه من وراء فرارهما ومن ثم زواجهما بحيث يمثلان حالة استعداد الانسان للتخلي عن بعض الأشياء التي لا يعدها ضرورية إن فقدها كي يحقق رغبته وطموحه الأكبر في الحصول على الشريك المناسب في التوقيت المناسب. إن رحلة التقلبات في هذه الرواية منغمسة في جوهر هذه الفلسفة، وهي إدراك شيء مهم أفضل من ضياع كل شيء، وذلك بالتخلي عن الكثير من الأشياء والعوائق غير الجوهرية، فالحب وطموح الارتباط الإنساني بالزواج هي المبتغى الرئيس للحبيبين، وتذليل الصعاب والعقبات أمام مثل هذه المشاريع الحياتية بالزواج العادل هو مهمة المجتمع جميعا، وليس الفرد المتمثل بصفة الانانية وصاحب المصلحة وغير المتصالح مع ذاته وما زال يعيش في ماضيه.
إن الأسلوب الرمزي في التحليل هو السائد في هذه الرواية، فالعريفي أخذ من طريقة طرح المفاهيم الإنسانية المطلقة والتحاور مع الأفكار وقياسها من وجهة نظر كل شخصية. إذ تم شحن مدلولات السرد بنتائج القيم التي تؤمن بها الشخصيات، وباللغة وقوتها التي تجيدها الشخصيات وحسب المواقف والأحداث التي تقع لها، كل ذلك يساهم في جعل المتلقي ينغمس في قالب هذه التحاليل والتباينات التي تعشش كأفكار ومن ثم صراعات داخلية وخارجية لدى الشخصيات، فنرى الكاتب يأخذ الفكرة الرئيسة المباشرة في اطارها الخارجي ولكنها محملة ومشبعة بعدد من الرموز والمسميات وحتى الأسماء ذات الدلالات ليسوق لنا براهين عما يحدث صراحة داخل القصر الكبير أو في الحي الفقير.
وقد اجاد العريفي بوصفه المشاعر المتدفقة التي تغلف السرد برموز بعضها في متناول الصورة الرمزية القريبة وبعضها مبني على تغليف حبه الدواء بالسكر لتعمق بذلك ما يدور في بعض القصور والبيوتات العربية الثرية من خلال السجن الذي تعيش فيه بعض البنات والأخوات وخصوصا عندما يجبرهم الأهل بموضوع الزواج غير المتكافئ، فيكون الخيار الوحيد لدى الشاب أو الشابة هو الهروب أو الموت البطيء أو المواجهة المكلفة في الغالب.
إن التدفق الرمزي يظهرا جليا في إنتاج العريفي المتواصل وتراكم الخبرة السردية لديه فرواية (جمرة الروح) مليئة أيضا بتلك الإشارات وتحديدا عندما تلتصق بلغة شاعرية يجيدها الروائي ويتفنن بها مع شخصياته التي تحمل ذلك النقاء الحياتي والإشراق مما يضفي على حياة الشخصية التي يشعر المتلقي بانها تعنيه أو تتماس معه أو مع قريب عاش أو مر بتلك الأحداث المجتمعية. فالعريفي بسلاسة ينسج في رواياته وعبر لسان شخصياته شعورا تواقا بالانتصار لذواتها رغم ما سيكلفها ذلك الاختيار من ثمن تتبدى فيه المنغصات النفسية في باطن الشخصيات التي تعيش تلك الهواجس بعيد عن الأمان والتلاحم مع الواقع المكتوب لها وبعيد عن الهدوء النفسي والاستقرار الاسري.

إن اللغة عند العريفي هي متولدة من أعماق الحدث، ومناسبة لعمر الشخصية، ومكانتها الاجتماعية وموقعها، وتضيف على الفكرة بعدا عميقاً يقترب من المتلقي بدون غلو ولا مبالغات ولا حكم مباشرة، فتجد الاسترسال اللغوي عميقا في معناه ومبناه ولا تعارض بينه وبين مقدمة الرواية ونهايتها وكأن العمل تم كتابته بنفس واحد متواصل لا يقطعه التشظي وتغيير الاحداث وتبدل الأمكنة. واللغة في رواية (رائحة القميص) بما تحمله من مفردات هي أيضا متوازن شعوري ومعبر دقيق كالميزان في إيقاعاتها فعندما يكون هناك مجال للبوح تسترسل المشاعر وعندما يحتدم الصراع تتقلص المفردات وتضيق العبارات وتشكل تيارا ضاغطا على نفس البطل بشكل مستمر ومتتابع نجده في الحور التالي على لسان الأخ الكبير:” لأن أي سلطان إن لم يكن مغرورا، وأناه العليا في القمة، لن يكون قويا، وأنا أحب أن أكون الأقوى”.(ص30) فاختيار المفردات لطاغية صغير في قصر يتنفس روح التنمر وإن كل من تحته يأتمر بأمره فتتكرر كلمة “أنا الأقوى” التي تحمل صفة المبالغة وايقاعها الرنان المجلجل، على عكس كلمات عيسى البحار الذي يكون الطموح مبتغاه مع اقراره بالفوارق الطبقية ومع ذلك لغته فيها تأدب حر والمفردات التي يبيحها فيها إيقاع متناسق يمنحنا كمتلقين ذلك التعاطف مع شخصيته وقضية حبه فها هو يقول: ” طبعا استطيع! لأجلك أفعل المستحيل، فأنت بالذات لا تغادرين أحلامي مذ رأيتك أول مرة، تشغلين حيزا كبيرا من تفكيري رغم المسافة، رغم الحاجز الطبقي، رغم أنني مجرد بحار أقود يخت أخيك”. (ص42).
ونخلص إلى أن العريفي أبقى على قيمة الحب في تواز مع الغواية .. رغبة الأخ الأكبر في تدمير كل ما من شأنه أن يبقيه ضد فاطمة/ الأخت/ الزوجة التي التصقت انفها بقميص عيسى منذ رأته في المرة الأولى إلى أن تزوجته وهربت معه وأثناء سفره ومطاردة الأخ الأكبر له ليعيده في خدمته ويعيدها الى سجنه في القصر ولكن الحب الدافع في الصحو واليقظة يلهب حماس فاطمة بأن تصبر وعيسى أن يكتم عن الأخ الأكبر وجودها لذا نجد الزوجين الاثنين يعيشان صراع الاحتفاظ بالحب والوقوف ضد كل المنغصات، يشي آخر مقطع من الرواية بذلك حين تغفو فاطمة على هدهدة الناي. “إنها الرائحة. أين أنت؟ أنا منذور للبحر. وأنا منذورة لعينيك، لعطر أنفاسك، لرائحة قميصك.. أنا هنا، أترنم باسمك، أغنيك يا سيدة الفتنة والغواية” (ص263). في تسعة فصول تستمر الرواية بالبوح عن قطبي الحياة المتصارعين في نفوس أبطالها، فلا تضع الرواية نهاية محددة إنما تفتح بموج البحر السؤال تلو السؤال، فهل البحار الفقير سينتصر بالحب، أم الأخ الأكبر ساكن القصر سيكسر القلب؟ العريفي لا يجيب بل يزيد من توهج النهاية المفتوحة. في المقطع الأخير يقول عن فاطمة” حدقت في المدى، وكان البحر بعيدا” فأما ينتصر الحب وهو المنتهى، ولكن الغواية هي الأخرى ما زالت مستمرة في اتقادها في قلوب المبغضين.

د. سعيد محمد السيابي

إلى الأعلى