الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أنهار في مياه العزلة .. رؤية نقدية تبحث عن الحقيقة في شعر زاهر الغافري

أنهار في مياه العزلة .. رؤية نقدية تبحث عن الحقيقة في شعر زاهر الغافري

تبحث في الصور الفنية والتشبيهية والاستعارية والرمزية

مسقط ـ العمانية:
“أزهار في مياه العزلة” .. كتاب نقدي صدر حديثا هذا العام عن المنتدى الأدبي بوزارة التراث والثقافة، يبحث في الصورة الفنية في شعر الشاعر زاهر الغافري، من خلال قراءة الباحث علي بن عبدالله بن سالم الحضرمي في أعمال الغافري الشعرية، حيث اختار ديوان “أزهار في بئر” الصادر عام 2000م، لإجراء مقاربة تحليلية ونقدية على العمل، يضم الكتاب أربعة فصول قدمت نبذة عن اتجاه القصيدة العربية وقصيدة النثر في عمان وأعلامها، وتحدث عن الصورة الفنية في النقد الشعري، والصورة التشبيهية، والاستعارية والرمزية، وخصص الفصل الرابع من الدراسة للتحليل الفني للديوان، والتحليل الأدبي لنصوصه. يقول الباحث علي الحضرمي إن قصيدة النثر تعد تطورا فكريا وشكليا وموضوعيا عند شعراء العصر الحديث، أسوة بالأدباء الغربيين، الذين برعوا في هذا اللون من ألوان الفن الشعري، ولا نجزم إن كان هذا تقليدا لما لدى الغرب من أشكال شعرية غير خاضعة لقوانين لغتنا العربية، لاختلاف حروف العربية وقواعدها البنائية عن اللغات الغربية المختلفة، وموسيقاها وأوزانها وعروضها، وما يختص بها ككيان لغوي. يضيف الحضرمي :” لقد اخترت ديوان أزهار في بئر للشاعر زاهر الغافري بعد تفكير عميق، واطلاع على الدواوين والدراسات وسؤال الشاعر عن أشمل دواوينه الشعرية وأعمقها تجربة، لتكون موضع الدراسة، ذات ثراء بالصور والتراكيب والأساليب البيانية والفنية اللغوية والأدبية. ويقول أيضا: في هذه التجربة النقدية أقدم تحليلا لمشروع زاهر الغافري الشعري، وهو مشروع رؤيوي صاف، لا يحمل إلا اسمه، انقادت له مياه النهر وأسلمته سلاستها لكنه ظل مأخوذا بسحر الينابيع القصية، ساعيا إلى ليل دهشتها، لا لشيء إلا ليحيا الشعر بكامل حواسه، ويعيشه كحياة يومية أو كليل سري يتأمله كقصيدة. ويضيف: يرتبط الشاعر بثيمة الليل، كتوأم يمده بالخوف، وبقدر المغامرة التي تدني حياته من نافذة مفتوحة على هاوية بحسب تعبيره. وفي أزهاره التي يرميها في بئر غير معرَّف، يائسا أو عابثا، بنضارة الفرح والأمل الموسميين والطارئين، أو محاولا الاحتفاظ بكنوزه في المكان السري الذي يليق بها، حيث العمق والظل والسر، يسرد الغافري سيرته كإيماءات تضيء مرة على وجوه الأصدقاء، ومرات في أماكن وأزمان وعلى صفحات الماء، وأدوات الطبيعة وأحوالها. من بين النصوص التي حللها الكاتب نص “أي ليل”، يقول عنه: في نص أي ليل، يريد الغافري أن يختار ليله، يبحث
عن حديث الأشياء من حوله، كائنات الليل والطبيعة، لا يحتمل الصمت الغامض الذي قد يعيده إلى البدايات، أو كما
يقول الشاعر في نصه:

كل هذا الليل بلا عاصفة واحدة
تجعلني أحلم
بلا نافذة لكي أكون أعمى
ليل بلا غصن يودع خطواتي
فأكاد أسمع صرختي الأولى
في غيابي.
وفي نص “بريق مستعاد من قلب الآلام”، يفر الشاعر هاربا من طرف الألم إلى قلبه أو العكس، وطريقه لا يخلو من
الطعنات الغادرة، فيوازن بين الألمين:

لقد تجمعت حياتي كلها هناك
في لحظة الهرب الأخيرة تلك
مثل ضربة مطرقة فوق قلب محطم.

ويتذكر الشاعر، ليروي ما يتذكر، كيف انهمر وراءه الرصاص، وقبائل قطاع طريقه، حيث يكتب هذا النص:

في تلك اللحظة فقط
في اللحظة تلك أدركت
سر الطعنة خلف ظهري
مدية بريقها مستعاد من قلب الآلام
فقفزت قفزتي الأخيرة،
مغمض العينين تماما
في اتجاه المجهول،
وتلقفني الهواء بذراعيه
حتى وصلت إلى هنا.

ويتلاعب زاهر الغافري في زمن النص وروايته، فينتقل بين زمانين ومكانين، لينسج في بعد إنساني بسيط وعميق، عالما من صنع يديه، خال من الغدر والخيانات والجحيم، الذي ينصبه له الآخرون، حيث يقول في نص مكثف:

بعد غياب طويل،
تعود إلى أرضك الأولى
وكل ما تملك جمرة في اليد
احقا ستختفي المعرفة
ذات يوم
ولن تتذكر الأفق
أرواحه الهاربة.

وكما في تحليل الكاتب علي بن عبدالله الحضرمي للنصوص، ينبه الشاعر حالته التي استكانت للتو إلى استقرار الإقامة والهدوء بتساؤل حاد حارق، يحن إلى الصعلكة والتشرد والسفر مع الذات وبها، بعد سنوات من التعود على الجلوس إليها، وعلى الحوارات الداخلية في صقيع الغربة، فهل في الاقامة متعة تعادل متع الاستكشاف والسفر، حيث المعرفة وطرد الأرواح الهاربة كالفراشات في الأفق، ويستكمل الشاعر:

ولا المنزل الذي ارتطم مرة بريش الفجر
اسمع الشجرة تقطع فاسك في الظلام
والليل ينام على ركبتيك.
وفعل الأمر هنا اسمع يكسر تتابع السرد والجمل الاسمية الوصفية، فيضيف حركة حيوية تنبه لمشهد النص على قصره. وفي مجموعة الشاعر زاهر يوزع أزهار طفولته رغما عنه، إلى أيدي قرائه، رغم إعلانه منذ العنوان أنها مخبأة أو مغمورة في بئر
مثل سجين يدحرج صخرة يقوده الكلام مع نفسه إلى آبار الطفولة.

صدر للشاعر زاهر الغافري عدة أعمال شعرية، من بينها: “كلما ظهر الملاك في القلعة”، و”أظلاف بيضاء” صدر عام 1984م، و”الصمت يأتي للاعتراف” صدر عام 1991م، و”عزلة تفيض عن الليل”، صدر عام 1993م، و”ظلال بلون المياه” صدر عام 2006م. من جانب آخر تنحاز لغة الشاعر إلى الجمال والجوهر، عبر تقنيات الإيماء والإشارة، وتعمل على تفتيت مكونات العالم، لتعيد صياغته برؤية الشاعر الخاصة، اتجاه مختلف القضايا الوجودية للكائن وعذاباته وآلامه. وفي أعماله كتبت دراسات جامعية، تمحورت حول الشاعر ومجالات معالجة شعره لأوضاع الحياة العامة التي عاشها ويعيشها أبناء الوطن العربي، والتجارب الحياتية الخاصة به، من بينها رسالة “الحنين والغربة في شعر زاهر الغافري”، واستراتيجية التصوير بين الواقعية والسريالية: زاهر الغافري أنموذجا”، والغربة والاغتراب عند الشاعر زاهر الغافري (دراسة أسلوبية). ودراسة أخرى بحثت توظيف الأسطورة في التجربة الشعرية لزاهر الغافري. يقع كتاب “أزهار في مياه العزلة” في 293 صفحة من الحجم المتوسط.

إلى الأعلى