الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (175) : تيسير النحو (6/9)

نافذة لغوية (175) : تيسير النحو (6/9)

لقد هبَّ أنصار الفصيحة يُفنِّدون الدعوة إلى تيسير النحو متخذين العنوان نفسه شعاراً لهم، منطلقين من الإطار العام ذاته، هادفين إلى غايات مغايرة. ومن المفيد تعرُّف طبيعة عملهم لتكتمل معالجة تيسير النحو. انطلق أنصار الفصيحة في معالجتهم قضية تيسير النحو من قاعدة ذهبيّة، هي أن التيسير يجب ألا يمسَّ جوهر اللغة العربية الفصيحة، أو أيّ ركن من أركانها. وقبلوا، من حيث المبدأ، الرأي القائل إن النحو صعب، لكنّهم نصُّوا على أن الصعوبة نسبية وليست مطلقة، شأنها في ذلك شأن الصعوبة في اللغات كلها. وفرَّقوا في هذه الصعوبة النسبية بين أمرين:الأوّل: الصعوبة النابعة من قواعد اللغة العربية ومصطلحاتها، وهي قواعد ومصطلحات وضعها النحاة تبعاً لاجتهاداتهم، ويمكن تعديلها وتبديلها تبعاً لاجتهادات نحوية أخرى حسب حاجة العصر وتقدُّمه العلمي. بيد أن صعوبة القواعد والمصطلحات شيء وصعوبة النحو شيء آخر. وقد ميَّز أنصار الفصيحة بين النحو وقواعده، فعدُّوا النحو ثابت الجوهر وطيد الدعائم عبر العصور؛ لأنه نظام الكلام في النطق والتركيب والإعراب ، وكلُّ تغيير في الجوهر يهدم اللغة ويفصم علاقتها بالقرآن الكريم. في حين عدُّوا قواعد اللغة نحواً وصرفاً وبياناً وعروضاً من وضع أئمة اللغة وفق مناهج اجتهاديّة تتغيَّر وتتبدَّل. ومن هنا نجد أنه كثيراً ما احتدم الخلاف بين أئمة النحو قديماً وحديثاً، وطالما اختلفت مذاهـب النحويين البصريين والكوفيين والبغداديين والأندلسيين، ولكننا مع ذلك لا نجد خلافاً واحداً يمسُّ جوهر نظام اللغة العربية كما نزل بها الوحي الأمين على سبعة أحرف، وكما جُمع القرآن الكريم على أيدي كُتَّاب الوحي محتكماً إلى لغة قريش. فالخلاف يشمل معظم المصطلحات النحوية وأسباب التسمية وتصنيف الموضوعات والتعليل ودقائق التفصيلات، ولا يمسُّ جوهر اللغة ونظامها.الثاني: فرَّقوا بين الصعوبـة النابعة من قواعد النحو ومصطلحاته وهي صعوبة لغويّة، وصعوبة تعلُّم القواعد واستعمالها في الحديث والكتابة وهي صعوبة تربويّة. وغلَّبوا الثانية على الأولى لأثرها الإيجابي في النهوض بالفصيحة في العصر الحديث.
ما طبيعة تيسير النحو لدى أنصار الفصيحة؟ الحقُّ أن فكرة تيسير النحو شرعت تبرز في الجهد الرسميّ ابتداءً من عام 1928 حين ألّفت وزارة المعارف المصرية لجنة وكلت إليها النظر في تيسير تعليم اللغة العربية. وانتقلت الفكرة إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1935 تقريباً، وبقي يتداولها نحواً من عشر سنوات إلى أن أقرَّ التوصيات التي رُفعت إليه من وزارة المعارف عام 1945. ولقيت الفكرة قبولاً من المؤسسات القومية، فعقدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ندوة حولها في عمَّان عام 1974.كما عقد اتحاد المجامع اللغوية العربية ندوة في الجزائر عام 1976، وأخرى في عمَّان عام 1978. واللافت للنظر أن العمل الرسمي القُطْريّ والقوميّ وضع اقتراحات مفيدة لتيسير تعليم النحو، لكنني لا أعلم أن هناك وزارة للتربية في الوطن العربي سعتْ إلى تجسيد هذه الاقتراحات في كتب مدرسية، ولا أعتقد أن الآراء النظرية السديدة التي واكبت الندوات أثرت كثيراً في اتجاه الدرس النحوي العربي. أما الجهود الفردية فقد سبقت الجهد الرسمي وواكبته واستمرّت بعده، وتميّزت منه بالتأثير في تعليم النحو. ولا ننسَ هنا ذلك الانتشار الواسع للكتب الثلاثـة التي ألّفها في بدايات القرن العشرين حفني ناصف ومحمد دياب ومصطفى طموم ومحمود عمر وسلطان محمد للمرحلة الابتدائية، وعنوانها (كتاب الدروس العربية)، ولا كتابهم الرابع الخاص بتلاميذ المرحلة الثانوية، وعنوانه (كتاب قواعد اللغة العربية). وقد صدر هذا الكتاب عام 1909، وفي العام نفسه أصدر جبر ضومط في بيروت على نفقة الكلية السورية الإنجيلية كتابه (الخواطر العراب في النحو والإعراب). ثم بدأت الكتب تترى منضوية تحت لواء ما عُرِف بعد ذلك بالنحو التعليمي. كما ظهرت دراسات نظرية فيها اجتهادات واقتراحات مفيدة، أبرزها كتاب (إحياء النحو) لإبراهيم مصطفى ، و (تجديد النحو) لشوقي ضيف.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى