الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / من وحي السفر .. جبال زريبيفو ( 4 )

من وحي السفر .. جبال زريبيفو ( 4 )

إن هذه الرحلة التي أقوم بها إلى (بلغاريا) هي واحدة من إحدى سلاسل الأسفار التي قمت بها إلى سائر أرجاء المعمورة، وهي الرحلة التي أعتبرها من أكثر رحلاتي تميزا كونها اخترقت المدن البلغارية بما فيها العاصمة (صوفيا) والتي طارت شهرتها في الآفاق، هذا الإختراق نحو تلك المدن كان عن طريق (الجبال) واصفا إياها بعين الدهشة وهي التي تمتد سلسلتها من بلغاريا إلى تركيا، كما إنه عند قيامي بهذه الرحلة لم أكن مجرد زائر عابر فقط تبهره الأشياء ويخطف بريقها بصره وإنما أتيتها رحالا ومغامرا وعدت منها ونفسي مبتهجة نحو الحديث عن جغرافية المكان ومسالكه وطبائع أهله.

تريجراد – زريبفو – تريجراد :

بعد ما استقبلت ذلك الاستقبال اللائق أثناء وصولي تريجراد والذي أثنيت عليه من قبل سيدة النزل، وهو الذي يقع في طرف البلدة والتي كانت غرفتي به أقل تواضعا حتى مغادرتي النزل في صباح اليوم التالي إلى جبال (زريبيفو)، والعودة مرة آخرى إلى حاضنة إقامتي في (تريجراد)، بعد ما اتخذتها محطة رئيسية نحو الوصول إلى باقي البلدات.
في هذا الصباح كانت السحب تكلل هامات الجبال المنحدرة والمسكوبة بالجمال والعظمة حيث النسيم ينبعث رقراقا عبر هذه الخمائل المبثوثة إلى أقصى مدى إلى أن باغتتني تلك الغيوم والتي تتحرك بمشيئة الله والتي ستروي بعدها عطش المراعي، مارا في ذلك على كثير من الكلأ بعد ما التفت الغيم حول الشمس مغمضة أجفانها والتي باتت تحتل كبد السماء ولم يبق منها سوى ذرات بسيطة تلقى على الوجوه نورا ضئيلا، وكل من حولي خال من الحياة إلى أن اغرورقت مقلة السماء بسحائبها، وما هي لحظات حتى دقت الساعة وإذا بتيار هواء بارد يلفني مصحوبا بنسيم فاتر ورذاذ تداعب أطراف وجهي.
كان المشي يسير كالمعتاد سير الشوق في هذا المسار متدثرا بعباءة هذا الصباح الوضاح مبصرا نحو هذه المساحات الخضراء من العشق الذي لا ينتهي إلى أن غمرني الجو ببرودته بعدما بدأ ينبض عرق البرق وسرعان ما نطق لسان الرعد هو الآخر، كان الرفاق بعيدين عني فيما كنت في هذه الساعة وحيدا في غدوي إلى أن ازدادت الرعود وأصبحت في وضع صعب لا يحسد عليه، حيث بت أعض على نواجذي وأندب حالي إلى أن كثر طنين الأسئلة في رأسي، ولم يساعدني الحظ بلقاء أي كان عائدا من هذا المسار، لذلك لم ألتفت في ذلك حيث تابعت المسير الهوينا.

عندها تطور الأمر حتى هبت وعصفت بي ريح عصوف بصوتها المزمجر ولم أعد أسمع صوت رفاقي إلى أن جاء معها مطر أرسلته هذه الرياح بقوة فاشتد الكرب والهول بي في هذه الجبال فيما خوفي يكمن من إستمرار هطول المطر مما ينذر بدمار لا يبقي ولا يذر حيث بات سيري بطيئا بعد ما تبللت ملابسي مرتديا غطاء بلاستيكيا يقيني من المطر.
أما خلال المشي فكنت أتوقف بين الحين والآخر متضرعا بالدعاء إلى المولى عزوجل كي تزول العاصفة حيث بقيت على هذا الحال النهار كله مرتجيا توقف هذا المطر الشديد إلى أن مرت الحالة بحمدالله على ما يرام بعد انتهاء شدة نفخ الهواء وهي التي أزعجتني أثناء سيري.
بعدها بدأ الجو في الإعتدال إلى أن صفا وتلاشى السحاب، كنت أمشي بإتجاه مسافات شاسعة ليس أمامك أو من خلفك ولا من جانبيك من شيء سوى الإمتداد الغير المتناهي من الغابات والمراعي الخضراء، فلا لوحة ألتمسها في الطريق، حيث أضعت الأمل في ذلك بعد ما بدأ اليأس يتسرب إلى جسدي، وكم من مرة غرزت رجلاي بعد ما انزلقت في الوحول إلى أن قضى عليّ المشي لفترة على عكاز من مخلفات الأشجار .
في هذه الجبال كنت أصرخ كي يصل صوتي للرفاق، حتى بدأ أشد خفوتا وتثاقلا مني هواء الشهيق والزفير، كما وجدت صعوبة في إخراج صوتي بعد ذلك بعد ما صاحبتني تأتأة على لساني فيما كان صداح صراخي الذي انطلق من حنجرتي مدعاة نحو عدم بقاء أي طير صادح بين هذه الأشجار بعد ما رأيت ثمة أفراخ من طيور كانت تتطلع من أعشاشها وبسرعتها المعهودة ما لبثت أن توارت من مكانها .
عندها استعدت عافيتي بعد ما أنستني وعثاء الحالة التي مررت بها، حيث كنت ما زلت أسير بين بساتين من الغابات شاقا طريقي مشيا باتجاه الرياحين حتى وصلت إلى بحيرتين يتدفق إليها الماء في البكرة والعشية، وقد أقاموا عليها جسرا صغيرا من الحديد وتظهر للناظر من كل جهة كأنها غارقة في حوض مائي حيث يكسوها ذلك منظرا غاية في البهاء، أما كل بحيرة فطولها نصف كيلو وهي زاخرة بالمياة وقد زادتها أمطار اليوم إمتلاء فيما يمكن رؤية على سطح هذه البحيرات عددا من (البط) بحجمها الكبير، حيث تشوقت نحو هذا المنظر إلى لذة الرغبة نحو مطاردتها لولا إني في ارتحال.
هذا السير بين أحضان الطبيعة الجبلية يسير في غير اتجاهه حيث صادف مرور ذلك العجوز الفرنسي بلحيته الشعثاء وهو في طريقه بإتجاه (موجله) مبديا انزعاجه عندما رآني سالكا الطريق المتجه إلى وجهته بدلا من (زريبيفو) وهو المسار الذي لم ألتفت إليه نظرا لغزارة الأمطار في تلك البقعة التي مررت عليها، حيث لازمني الخوف من الإنحراف نحو غياهب الجبال أو نحو حيوان جائع ، لذلك كانت أفضلية فكرة المواصلة باتجاه بلدة (موجله) حاضرة، وهي التي لم ترق له قائلا : إن مساري ليس صحيحا.
عندها : أجبته، بعد ما قطبت حاجبي نحو جهلي ماذا يقصد، وقد تفهم ذلك . في هذه اللحظة كنت أسير باتجاه تلك المراعي الخضراء وأكواخ الرعويين حيث، ما فتئت أرى مرابط الأفراس ومراعي البهائم مارا كذلك على قطعان من الماشية بأصواتها يرافقها كلبان لحراستها وسط تعالي نباحها وهي ترى ذلك الغريب الذي يمر من بينها حيث سرعان ما نهرها الراعي بعصاه كي تبتعد عنه.
تلك الأصوات ما هي سوى الأجراس التي علقت على أعناق تلك الماشية بعد ما ملأت الفضاء صخبا وهي ترتع في هذه المراعي التي كست الأرض عشبا إلى أن دنت مني خطوط هيكل شاحنة عتيقة تحمل بشرا (رجل وإمرأة) وهي تطأطئ في سيرها يمنة ويسرة وكأنها لم تفارق هذه الجبال منذ أن وطئتها والتي كانت تسير على طريق غير معبد مع وقع ثرثرة الراكبين، حيث سرعان ما تلاشت تلك الثرثرة عندما اختفى ذلك اللغط حيث غطى المكان زفير محرك الشاحنة بعد ما زاد صوت صرير وجعجعة حديدها والذي يخدش طبلة الأذن بعد ما دكت أرضية الطريق أثناء انغماس إطاراتها في الحفر التي غمرتها مياه الأمطار.
عندها أكملت السير برفقة العجوز بين الحديث والمسامرة حيث كان الهبوط أشبه بالهبوط التدريجي مارا علىّ سحاب مظلم بعد ما لازمتني تلك الأجواء الماطرة عند الظهيرة، هذه السحابة سرعان ما غطت المكان بأسره فعكرت الصفاء وأخذت تمطر علينا مطرا شديدا ونحن عند مشارف بلدة (موجله)، حيث كنت متعبا ومليئا بمشاهد إنكسارية تسكن جسدي من التعب بعد ما قطعت زهاء ( 28 ) كم مشيا ما بين الوحول الطينية والجبال إلى أن ارتقيت على إرتفاع 1800 متر .
بعدها انحدرت في الوهدة حيث أطللت على بيوت البلدة من زاوية منحرفة وهي التي قد صفت على نحو مماثل عندما يصطف جنود المشاة، هذه البلدة غطت على سقف بيوتها حقلا من القرميد الأحمر وسط غابة من الخضرة ببساتينها الخضراء، حيث لا أستطيع أن أخفي عليكم كم يكون ضعفي نحوها، وهي المشبعة بحوادث وقصص بعد ما غمرتني بالحنان في يوم ما.
في البلدة كنت أول الواصلين حيث لفحتني رائحة تربتها المطرية وهي التي عطرت الأنوف بعد نزول المطر حيث قابلت ذلك بشيء من الارتياح والسرور والانشراح لما صادفته قبل ذلك في مساري فيما كان ثمة رجال صعاليك في البلدة ذوو شعور غجرية طويلة يشيرون إلي أن أحتمي معهم بعد ما احتموا تحت ظل مبنى حانوت صغير اختلطت فيه ثرثرة زبائنه وهم ثملون، وآخرون ينفثون أدخنتهم من لفائف التبغ بعد ما جلسوا على كراسي وثيرة وهم يثرثرون مستمتعين في هدوء واستغراق غير عابئين بشيء وسط انهمار المطر.
بعدما فرغوا من ملء بطونهم، ابتسم لي من ابتسم فيما لم يعر بعضهم أي اهتمام بالجلبة التي أثارها بعضهم وهم يمطروني بسهام أسئلتهم حيث كنت مغموما ومكتئبا أندب حظي العاثر الذي قادني إليهم إلى أن صاح بي بغضب كهل كان يقاسم رفيقيه كوب الشراب وهو يسحب الدخان من غليونه موجها كل سخطه نحوي.
قال : ما خطبكم.
قلت : أثناء سيرنا كانت السماء تمطر حيث ضللنا الطريق فيما لم نر أي أثر للوحة لا من قريب ولا من بعيد يعيدنا بإتجاه بلدة (تريجراد)، لذلك فكرة العروج باتجاه (موجله)، كانت المسيطرة والسائدة في أذهاننا بأننا في الطريق الصحيح .
قال : إذا عليكم البقاء الليلة في (موجله) بعد ما ذهب وقتكم سدى ، ومن ثم مواصلة رحلتكم في صباح الغد .
بعدها: ظل ذلك الرجل فاغرا فاه ينتظر أن أتكلم .
قلت : لا يمكن ذلك حيث إننا على إرتباط برحلات آخرى .
إن فرصة الحصول على نقل مجاني في هذه البلدة ضئيلة وسيئة جدا في ظل عدم توقف الأمطار حيث تقدم أحدهم نحوي بعد ما صافحني بيديه وهو رجل ملتح ضخم الهيئة قوي البنية، يرتدي بزة عسكرية بلونها الكاكي، حيث تطوع نحو إيصالي بمن معي بعد ما أخذ مبلغا متفقا عليه، مقررا بعدها العودة إلى (تريجراد) عن طريق سيارة ذات دفع رباعي، وذلك قبل أن تحل عتمة الليل حيث كان قرص الشمس يؤذن للمغيب في حاشية الأفق المشرب بحمرة بعد نهار طويل، عاقدا العزم للتعامل مع الوضع القائم في ذلك.

الطريق إلى تريجراد

في هذه اللحظة المفعمة بالإنكسار، عدنا إلى هاتيك الجبال، لكن ليس عبر مسارات المشي الجبلية وإنما في شوارع ضيقة تكاد لا تتسع لمركبة واحدة وسط مسار تكتنفه الوعورة والحفر حتى تقطعت أنفاسي شاعرا بالعرق ينساب مني لخطورة الطريق ، كان السير صعودا باتجاه الطبيعة الجبلية المعزولة.. شجر وأشواك تعترض عجلات المركبة وهي تهبط تدريجيا نحو قرية قديمة بأزقتها الضيقة حيث يمكن رؤية بعض القرويات يحملن على ظهورهن كوم القش بعد ما بات المشهد نمطيا وجميلا، حيث سرعان ما تنهدت فجأة عندما بتنا نهبط باتجاه مستوى السهل فيما كان المنظر الطبيعي خرافيا بعد ما قطعنا الدرب الملتف بين هذه الجبال ولاحت لنا بعض أضواء البلدة من بعيد.
أما بعد إنتظار الفرج الذي يسره الله لنا وصلنا إلى (تريجراد) حيث استقبلتنا صاحبة النزل هي وعائلتها حيث أظهروا الفرح والاستبشار والبشاشة فيما أكرمونا بأنواع الإكرام مع التوقير والاحترام.
ظللنا في هذا اليوم إلى الهزيع الأول من الليل، بعدها ألقيت جسدي المتعب في السرير وخلدت للنوم حتى أسفر الصباح في أطيب عيش وأنعم بال فلاحت بشائر صباح جديد بعدما أنهكت من شدة الرحلة وهبوب تلك العاصفة الهوجاء.

المواقف العصيبة
إن فكرة المماطلة في رحلة اليوم والعودة مشيا مرة آخرى باتجاه (تريجراد) لا يمكن استساغته بعد ما اصطدمت مع من التقيت بهم في (موجله) نحو عدم إمكانية ذلك، حيث بدا جليا أن خياري سيكون غير حكيم لو عارضتهم في ذلك بعد ما توارت الشمس وأقبلت الطبيعة أن تلبس ثوب الظلام حيث المدينة التي أتيت منها تبعد عن مرماي زهاء ( 8 ) ساعات وسيتضاعف عند المسار الليلي ناهيك عما سوف يعترضني في طريقي من تلك الوحوش الليلية .
في هذه الوضعية عليّ الإعتراف بالهزيمة المرة نحو الخطأ الفادح الذي وقعت فيه عندما نذرت نذرا ليس باليسير في البحث عن مسار الطريق بعد ما ظللته واضعا معه خيوط الأمل نحو أي أثر سوف يتيح لي رؤية إشارة اللوحة الدالة على ذلك، حيث لم أر أي سبيل نحو معلم يشير باتجاه (زريبيفو) ومن ثم المواصلة باتجاه (تريجراد) .

خالد بن سعيد العنقودي
kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى