السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة الفنان الكردي بهاء الدين

قراءة في تجربة الفنان الكردي بهاء الدين

اللوحة من سراديب الذاكرة إلى أعماق التجريد

الجمال الفني بما هو نتاج للعمّلية ﺍﻹ‌ﺑﺪﺍﻋﻴّﺔ هو ﻋﻠﻰ ﻋﻼ‌ﻗﺔ ﻭﺛﻴﻘﺔ ﺑﺎﻹ‌ﻧﻔﻌﺎﻝ. وهذا ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥّ ﺍﻟﻔﻦ ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻣﻪ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ ﻳﻘﻮﻡ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻋﻠﻰ “ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻮﺗّﺮ ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻹ‌ﺳﺘﻘﺮﺍﺭ” .. ﻓﺎﻟﻔﻨّﺎﻥ ﺍﻟﺘﺸﻜﻴﻠﻲ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺑﺤﺚ ﻣﺴﺘﻤر ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺴﻤﻴﺘﻪ ﺑـــ” ﺍﻟﻤﻐﺎﻣﺮﺓ ﺍﻟﺘﺸﻜﻴﻠﻴّﺔ “ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﺪﺃ ﺑﺎﻟﻮﺟﻞ ﺃﻣﺎﻡ ﺑﻴﺎﺽ ” ﺍﻟﻠﻮﺣﺔ” ﻭﺗﻨﺘﻬﻲ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠّﻤﺴﺎﺕ ﺍﻟﻼ‌ّﺃﺧﻴﺮﺓ . وهذا البحث لا يسعى إلى عكس حقيقة ما وتصويرها بوفاء ودقة بقدر ما يحرف الواقع ويتلاعب بقواعد العقل والمنطق كمجال لإنتاج بعض من الوهم كما بعض من الحقيقة، هذه المراوحة هي التي تربك المشاهد لآي اثر فني هي هدف في كثير من الأحيان. حيث يلجأ الفنان الكردي المغترب بهاء الدين إلى التعبير عن مخزون واقع ثري جدا عايشه منذ صغره ورافقه حتى في غربته، متمثلا في ذكريات الطفولة وكل ما رافقها من لحظات فرح وحزن وبراءة، الكثير والكثير من الذكريات العالقة التي رواها الفنان بتفاصيل دقيقة قائلا “لاشك أن طفولتي في كردستان العراق قد أثرت في وجداني كما أن الأحداث التي تعرضت لها أسرتي وعائلتي وخاصة والدي مازالت منبعا للأفكار والموضوعات التي أتناولها في كل أعمالي سابقا وحتى اليوم، فلا يمكن أن أنسى أبدا عندما كان سني خمس سنوات مرحي مع أبناء عائلتي في حديقة المنزل الكبير بالسليمانية حيث الجد والجدة والأعمام والصخب اليومي للحياة وحركتها الدافقة، مازال وجداني يختزن لحظات غروب الشمس ومراقبتها وهى تتهادى وانتظار ذاك المشهد من يوم إلى يوم، ولا يمكن أن أنسى النوم في الهواء الطلق على سطح المنزل حيث الاتساع والبراح والفضاء الكبير، يضاف الى ذلك بزوغ شمس يوم جديد بين هذا وذاك تكونت ذاكرتي البصرية وانفعالاتي ومن أحداثها استوحى أعمالي. ولإمتداد جذوري إلى الحضارة العريقة في هذه البقعة من العالم والتي هي أول من أهدت للبشرية الكتابة والكتاب دور فعال في صياغة أعمالي فلا شك أن التراكم الحضارى السومري والأشورى والاكادى والبابلى والعصور التي تلته تمثل احد اهم موروثاتي. إنها في تكويني امتداد للأجيال التي تعاقبت على تلك البقعة الرائعة”.
فتجلى هذا الكم الهائل من الصور التي تتزاحم داخل فكر الفنان من خلال أعماله المتوهجة بقوّة اللّون والخط والتركيب بأحجام وقياسات مختلفة ومتنوعة الأشكال، لا تحاكي ذلك الواقع وإنما تتلاعب بمكوناته بما هو واقع ذاتي بالأساس تمّكن من خلاله الفنان من الهروب إلى فضاءات تخيلية. تكون هذه الأخيرة إما أعمالا منفردة أو ثنائية أو ثلاثية أو رباعية…. في توحّد بهيج وتواصل مستميت. بتقنيات متعددة حيث ينتقل من تقنية إلى أخرى طبقا للحالة والموضوع والتناول فيرسم بالأحبار وأقلام الرسم بالحبر تارة وتارة آخري استخدم ألوان الزيت وحدها أو الأكريلك لوحده على مسطحات القماش أو الخشب أو الرسم عليها بعد تغطيتها بالعجائن والملامس والكتابات والرموز الصادرة من مخزونه الثقافي البصرى والفكري. إذا فالخصائص ﺍﻟﺘﻘﻨﻴّﺔ لأعمال بهاء الدين ﺗﺒﺮﺯ ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﺍﻟﺘﻔﺎﻋﻞ ﺍﻟﻘﺎﺋﻢ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﻭالأ‌ﺩﻭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﻤﻠﺔ ﻣﺜﺎﻝ (ﺃﻟﻮﺍﻥ ﺯﻳﺘﻴّﺔ، اكريليك، ﺣﺒﺮ،ﺧﺎﻣﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ …) ﻭﺍﻟﻤﺤﻤﻞ (ﻗﻤﺎﺵ ، ﺧﺸﺐ ، ورق …) ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﺩّﻱ ﺑﺪﻭﺭﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﻋﻼ‌ﻗﺎﺕ ﺗﺸﻜﻴﻠﻴّﺔ ﻣﺘﻨﻮّﻋﺔ ﻭﻣﻤﻴّﺰﺓ . ﺫﻟﻚ ﺃﻥّ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﻭﺗﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺎﺕ ﻳُﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﻛﺸﻒ ﺧﺼﻮﺻﻴّﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻋﻄﺖ ﻟﻠﻌﻤﻞ ﻗﻮّﺗﻪ ﻭﻧﻀﺎﺭﺗﻪ.
أما على مستوى ﺍﻟﺒﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻜﻮﻳﻦ: فيلجأ الفنان إلى هندسة ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻟﻠﻮﺣﺔ (ﺍﻟﻬﻴﻜﻠﺔ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴّﺔ) فتحس وأنت بصدد أعماله بتحكم بالغ في الفضاء والمساحة وبان الخطوط والأشكال والألوان لم توضع هكذا اعتباطيا بل لكل منها موضعه الذي لا يمكن أن يتغير ولا أن يتموقع في مكان أخر غير الذي وضع فيه، ومنها نتمكّن ﻣﻦ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻔﻨّﻲ /ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ . ﻓﺎﻟﺨﻄﻮﻁ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻴّﺔ(ﺧﻄﻮﻁ ﺍﻟﻘﻮّﺓ) ﻫﻲّ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺗﻮﺯﻳﻊ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﺍﻟﺘﺸﻜﻴﻠﻴّﺔ ﻭﺗﻮﺍﺯﻧﻬﺎ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻭﺿﻮﺡ ﻋﻤﻠﻴّﺔ ﺍﻟﺘﺄﻟﻴﻒ ﻭﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﺘﻜﻮﻳﻦ، ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ﺗﺠﺮﻳﺪيا ﻫﻨﺪﺳيا ﺃﻭ ﻋﻔﻮيا … فلكلّ ﺗﻜﻮﻳﻦ لدى بهاء الدين ﺧﺼﻮﺻﻴّﺘﻪ ﻭﺩﻻ‌ﻟﺘﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﻜﺘﺸﻔﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﺍﺗّﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻟﺨﻄﻮﻁ ، ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻳّﺔ( ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻹ‌ﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﺒﺼﺮﻱ ) ، ﺍﻟﻤﻞﺀ ﻭﺍﻟﻔﺮﺍﻍ ، ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ، ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ،ﺗﻤﻮﺿﻊ ﺍﻷ‌ﺷﻜﺎﻝ…ففي كثير من الأعمال نلاحظ تركيز الفنان مثلا على منطقة الوسط في اللوحة حيث يتمركز الفعل وقوة اللطخة واتجاهاتها، وأحيانا أخرى نراه يركز تكويناته على الأطراف ليخفّ التكوين شيئا فشيئا نحو الجهة المقابلة أو العكس وفي كثير من الأحيان هو يجيد شغل كامل فضاء المحمل بقوة وتحكم بالغين. أي انه لا يؤمن بمبدأ واحد في بناء تكويناته وتتجلى قوة اللون والخط لديه في لامركزيتها.
أما ﺍﻟﺮﺳﻢ ﺍﻟﺨﻄّﻲ في أعمال بهاء الدين فلا‌ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ عنه ﻟﺬﺍﺗﻪ ﺑﻞ ﻛﺮﺳﻢ يكمل للأﺷﻜﺎﻝ ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﺣﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺘﺠﺴّﺪﻫﺎ ﺍﻷ‌ﻟﻮﺍﻥ . ﺫﻟﻚ ﺃﻧّﻪ ﻟﻘﻲ ﺗﻄﻮّﺭﺍ ﻭﻓﻖ ﻣﺴﺎﺭ العملية الإبداعية لديه. ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻟﻜﻞّ ﺭﺳﻢ ﺩﻻ‌ﻟﺘﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﺮﺯ ﻣﻦ ﺧﻼ‌ﻝ ﻧﻮﻋﻪ ﻭﻃﺮﻗﻪ مثل ﺍﻟﻮﺿﻮﺡ في كثير من الأعمال يبرز الخط واضحا رغم إنصاهره مع اللطخات اللونية فيؤثث فضاء الأعمال في شكل منحنيات ملونة اغلبها بيضاء أو سوداء إضافة إلى حضوره كثيرا في شكل كتابة متسرعة مبهمة صفراء على خلفيات بيضاء وأساسا سوداء.
كما ﺍﻟﻀﺒﺎﺑﻴّﺔ حيث يبرز الخط أيضا ضبابيا خاصة في أعماله التي تعتمد اللون الأسود كأساس للتكوين فيبرز لنا الخط ثخينا شفافا أحيانا وأحيانا أخرى اقل نحافة فيتلاعب الفنان من خلالها بحيوية ﺍﻟﺨﻄﻮﻁ ، ﻟﻴﻮﻧﺘﻬﺎ ، ﺻﻼ‌ﺑﺘﻬﺎ… وشفافيتها حيث تقدم هذه الضبابيات السوداء كغيمة تغطي فضاء اللوحة جماليات تنبأ بما يعتمل داخل نفس الفنان.
فيما يخصﺍﻷ‌ﻟﻮﺍﻥ ﻭﺍﻹ‌ضاءة فإنّ ﺳﻴّﻄﺮﺓ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻟﻮﻧﻴّﺔ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻭﻛﻴﻔﻴّﺔ ﺗﻮﺯﻳﻌﻬﺎ ﺗﻄﺮﺡ ﻋﺪﺓ ﺗﺴﺎﺅﻻ‌ﺕ فاختيارات ﺍﻟﺮﺳّﺎﻡ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻊ ﺍﻟﺘﺴﺎﺅﻝ لإ‌ﺳﺘﻜﺸﺎﻑ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴّﺎﺕ ﻭﺍﻟﺪﻻ‌ﻻ‌ﺕ ﺍﻟﺨﻔﻴّﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻤﻈﻬﺮ ﻋﺒﺮ : ﺍﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ، ﺍﻟﺘﺂﻟﻒ ، ﺍﻟﻔﺎﺗﺢ ، ﺍﻟﺪﺍﻛﻦ، ﺍﻟﻌﺎﺗﻢ، ﺍﻟﺸﻔّﺎﻑ ، ﺍﻟﺤﺎﺭ ، ﺍﻟﺒﺎﺭﺩ …ﻛﻴﻔﻴّﺔ ﺗﻮﺯﻳﻊ ﺍﻟﻀﻮﺀ ، ﻣﺼﺎﺩﺭ ﺍﻹ‌ﺿﺎﺀﺓ .. ﺍﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ﺍﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﺗﻮﺯﻳﻌﺎﺕ ﺿﻮﺋﻴّﺔ ﻣﻌﻴّﻨﺔ .. فاعتماده في الأغلب على مجموعة لونية تميز مجموعة أعمال بعينها مرده مرجعيات خاصة فنرى مجموعة يطغى عليها اللون الأسود وأخرى اللون البنفسجي أو الأزرق … حيث يبرر ذلك بقوله” ففترة 1999 الى2000 سيطرت عليها الألوان الزرقاء كناية عن الماء حيث سر الحياة والوجود، وفى الفترة 2000الى2006 أنتجت أعمالا مستوحاة من الأرض ورائحتها التي هي رائحة الوطن أيضا كتوازن يعادل ويناهض في نفس الوقت الأحداث التي تحيط بالوطن في إهدار للإنسانية والقيم الرفيعة والمثل العليا التي غمرت هذه البقعة منذ ألاف السنين . إنها أعمال تحاول إيجاد حياة جديدة تدعو للتفاؤل والإقبال على على الحياة والتحاب والسلام بين البشر. الألوان أحيانا تكون نقية طازجة تعطى حالة من البهجة أو صارخة تحذر وتنبئ!!!. وأحيانا داكنة كتراب الأرض تبحث وتخرج من رحمها أسرارها! إن كل عمل له صبغته ولونه ودلالته التي تختلف عن الآخر ولكن في مجملها هي من الإنسانية واليها”.
يسعى الفنان بهاء الدين في مختلف مراحل تجربته الفنية إلى العمل وفق معطيات مكتسبة تختزنها ذاكرته يستحضر من خلالها ذكريات وأحداث ومشاهد وأشخاص … بعينها كما يمزجها بمشاعر ورغبات وخاصة انفعالات أثناء تذكرها والتواجد ضمنها ي صلب الأثر الفني ، حيث يرى برقسون أن جوهر الواقع هو تفاصيل دقيقة وجزئية وهذا ما يميز الفنان عن الإنسان العادي فالفنان ينتج وفق تفاصيل وجزئيات دقيقة يغفل عنها الإنسان بعقلانيته البراغماتية التي تركز على الكلي والمشترك والمتشابه لهذا يبدو لي بهاء الدين رغم إغراقه في التجريد في لوحاته مميزا عن ما تشهده الساحة الفنية اليوم من أعمال تجريدية. فقد تمكن حسب رأيي من توظيف ذاكرته في اختيار ألوانه وأشكاله وحركة فعله في اللوحة التي تميزت بتنوع الحركة والقوة داخلها. فحركة فرشاته على المحامل فيها الكثير من التحدي والصلابة والحنين والتأمل. فالعقل البشري عادة يخزن مخزون الذاكرة البصرية ومن ثمة يطلق العنان له للظهور للعلن إن وجد المجال الذي ينفصل من خلاله عن ذلك الواقع الحاضر وكأنه يعيش خارج ذاته الراهنة وخارج العالم ويعود به الفعل الفني إلى أقصى درجات التأجج الفكري بالعودة إلى تلك اللحظات الخصبة التي تسكن الماضي. وكأني بالفنان في حالة من التصالح مع واقعه القديم الذي عايشه وأدرك جماله وهاهو يعبر عنه من خلال فعله الفني حيث يقترب من ذاته تلك ويدرك الخاص والجزئي منها وبذلك هو يزيل ذلك الحجاب السميك الذي يفصله عن ماضيه ووطنه ويجد سبيلا لتحمل الغربة.
بهاء الدين يبحث عن الروحي ويتعالى عن المادي حيث يلتقي مع هيجل في هذه النظرية حيث يقول هذا الأخير”الفن ليس تصوير الشيء الجميل وإنما هو التصوير الجميل للشيء” بما معناه أن الجمالية لا تستمد من الواقع بل من الذات التي تصور الواقع أي من فكره. بماهو قوة عاقلة تنتج وفق عقل وإرادة وما ينتج عن هذه القوة العاقلة من تنويع وتحريف ذكي وجمالي لمعطيات الواقع وفق خيال حرّ لا يحترم حدود العقل والمنطق. فهو بصدد تصوير ما لا يوجد أمامنا كما يراه هو ل كما يوجد فعليا في الواقع والتحدي الذي نجح فيه الفنان حسب رأيي هو الوصول إلى استفزاز ملكة التلقي لدينا من خلال هذا الفكر.
فالإبداعية في أعمال بهاء الدين تبرز من خلال الحضور الكثيف للذات حيث يحمل من خلالها قيمه وأحلامه ومقومات ثقافته وانتمائه الطبقي والعرقي وعاداته وأفكاره. فالذاتية لدى بهاء الدين تعني أن الأثر الفني لا يجب أن يكون وفيا للواقع بل له رؤية ذاتية رامزة تخفي وراءها تفاصيل حياة بأسرها.
إن الفن من خلال هذه التجربة يوفر الفرصة للفنان للإشباع والتأمل، وللمتلقي الفضاء الرحب للتأويل والتلقي ومحاولة كشف ما وراء المرئي والمتستر في خبايا الذاكرة.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى