الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الشاعر سامي مهنا: لا أعوّل على كل قارئ

الشاعر سامي مهنا: لا أعوّل على كل قارئ

يرى أن الأدب والثقافة خندقنا الأهم
* الحداثة مصطلح إبداعي وليس زمنيا، والكثيرون يخلطون بين الحداثة والمعاصرة
* علينا أن نفهم الآخر الذي نعيش معه لكي نعرف كيف نحاوره ونقارعه

دمشق ـ من وحيد تاجا:
أكد الشاعر والإعلامي سامي مهنا أن هنالك أدوات تخدم الشاعر والإعلامي معًا، ومنها اللغة والتعبير، والمعرفة المتخصّصة والثقافة العامّة، والإعلام وبالأخص الإعلام الأدبي يتطلّب المواكبة والإطلاع والتوسع في الثقافة والمعرفة وهذا يفيد الشاعر. وحول ” ميزة ” وجوده في داخل فلسطين المحتلة ” عرب الـ 48 ” ، قال الشاعر مهنا في حديث مع ” اشرعة “: وجودنا في أرض فلسطين التاريخية صامدين متمسكين بهويتنا الفلسطينية والعربية وحفاظنا على لغتنا وانتمائنا، هي بحد ذاتها ميزة، ستتذكرها الأجيال . يذكر ان سامي مهنا شاعر وكاتب فلسطيني ..وهو رئيس اتحّاد الكتّاب العرب الفلسطينيين في الداخل.. أصدر ثلاث مجموعات شعرية والرابعة ستصدر قريباً .. من مؤلفاته “أصعدُ وسلمّي من نار” و”أنتِ معي” و”أشعلُ الدنيا قصيدة”، وتُرجِمتْ لهُ قصائد عديدة إلى الانجليزيّة والفرنسيّة والعبريّة. يعد ويقدم البرنامج الأدبي والثقافي “كلمات” في إذاعة الشمس العربية التي تبث من مدينة الناصرة.. وفيه يستضيف كتّابًا وأدباءً متميّزين من المحيط إلى الخليج، ويحرر الزاوية الأدبية والثقافية في موقع عرب الـ 48 ..

* هل يمكن إعطاؤنا لمحة عن البدايات .. وبمن تأثرت من الشعراء ..؟

** أحببت الشعر منذ طفولتي، وكتبت في سن مبكرٍة، إلا أنني فهمت في بداية العشرينيات من عمري مدى تركيب وتعقيد هذا المضمار، فقررت أن أجلس في ظلّ الصمت مُكرِّسًا نفسي للقراءة والتأمل والتجربة، وعدت بعد بضع سنوات للكتابة والنشر، وأصدرت مجموعتي الأولى “أصعد وسلّمي من نار” عام 1998. وكنت حتى ذلك الوقت قد قرأت للكثير من الشعراء المعاصرين والقدامى، من العرب وغيرهم، عدا النقد والأبحاث الأكاديمية، والقراءة المكثّفة والمتنوعة للأدب والفلسفة وعلم النفس والاجتماع والفكر والديانات وغيرها. وبالنسبة للشعر لا أعرف إن كنت قد تأثرت بشاعر معين، أم أنني تأثرّتُ بتداخل وتباين وتنوع تجارب عديدة ومدارس متنوعة.

* ثنائية الإعلامي الناجح .. والشاعر المبدع .. كيف كان تأثير كل منها على الآخر عند سامي مهنا ..؟
** أولاً شكرًا لك لهذا التقييم. لا شكّ أن هنالك أدوات تخدم الشاعر والإعلامي معًا، ومنها اللغة والتعبير، والمعرفة المتخصّصة والثقافة العامّة، والإعلام وبالأخص الإعلام الأدبي يتطلّب المواكبة والإطلاع والتوسع في الثقافة والمعرفة وهذا يفيد الشاعر، والشاعر يحتاج إلى نفس الأدوات التي تفيده كإعلامي، وأعتقد أن هذا الأمر واضح، ولكن الإعلامي يكتسب مهارات تفيده جدًا كشاعرٍ وكاتب، ومنها تطوير لغة التعبير، والحوار، ومهارة التواصل المباشر مع المحاورين وغير المباشر مع الجمهور، وإنما رغم تكامل المجالين، الإعلامي في المجال الأدبي يجب أن يكون أولاً كاتبًا أو شاعرًا أو أكاديميًا في مجال الأدب، لأن هذا النوع من الإعلام يحتاج إلى التخصص.

* تجبر القارئ على الوقوف مليا عند أسماء قصائدك قبل التوقف مطولا أمام كلماتها ومعانيها .. كيف تختار اسم القصيدة ؟
** الحقيقة أن القصيدة هي التي تختار اسمها، من الصعب أن يختار شاعر اسمًا لقصيدة قبل كتابتها، رغم أنه يحدث أحيانًا مثل هذا الأمر. ..عنوان القصيدة الناجح هو جزء هام من نجاح القصيدة، فاسم القصيدة كاسم المجموعة الشعرية أو القصة أو الرواية أو أي عمل إبداعي آخر، يشكّل إلى حدٍّ كبير هويتها، ويساهم في تقبلها. وأعتقد أنه يجب على العنوان أن ينبثق بشكل ذكي وجذري من روح القصيدة، ويرتبط عضويًا مع روحها وبنيتها إذا تمكن.

* أيضا هناك عناية خاصة باللغة ومفرداتها في قصائدك.. وكأن اللغة غاية بحد ذاتها؟
** اللغة هي المادة الخام، التي يكوّن منها الشاعر قصيدته، وهذا ينطبق على جميع أنواع الكتابة، إلا أن اللغة عند الشعراء ترتفع إلى أقصى جمالياتها، ومن هذا المنطلق فإنَّ للمادة الخام تأثيرا على الشكل النهائي، وتؤثر بشكل كبير في المضمون، لأن اللغة تجسّد التفكير والمشاعر، وكلما كانت اللغة أبلغ وأعمق ارتقت الفكرة روحًا وشكلاً، لذلك على الشاعر بشكل خاص أن يتعمق في اللغة بأصولها وتطورها ومفرداتها ونحوها وصرفها وبلاغتها وفقهها، كشرطٍ أساسيٍّ في عملية تطوير أدواته الشعرية.

* الصور الشعرية في قصائدك جميلة جدا .. ويلاحظ التكثيف الواضح للطبيعة في هذه الصور في ظل غياب المكان عنها..؟
** غياب المكان والزمان يتجلى في الشعر أكثر من تجليه في أي جنس أدبيٍّ آخر، والتكثيف كما التلميح هو من شروط القصيدة الناجحة، التي لا تحتمل الإطناب. والتكثيف الواضح للطبيعة في ظل غياب المكان عنها كما أشرتَ في سؤالك الذكيِّ يُدخل القصيدة في طور تعميق المحسوس بدل محاكاته وشرحه وتفسيره، وهذا مما يطمح إليه الإبداع الحقيقي.

* يرى احد النقاد ان الشاعر سامي مهنا استوعب مسألة الحداثة بشكل عميق وهو ما انعكس على شعره وخاصة في ديوانه الثالث (أشعلُ الدنيا قصيدة) .. ماقولك .. ولماذا لم يحسم موضوع الحداثة في الشعر بين مثقفينا حتى الآن ؟
** أولاً اسمح لي أن أوضّح أن الحداثة مصطلح إبداعي وليس زمنيا، والكثيرون يخلطون بين الحداثة والمعاصرة، وهذا خطأ، فالمتنبي وأبو تمام شاعران حداثيان أكثر من شعراء كثيرين في زماننا، وقد حدثت إشكاليةُ فهمٍ بكل ما يتعلق بالحداثة منذ الخمسينات من القرن الماضي، إذ تصادمت نظريات الحداثة مع التيارات الشعرية المتوارثة والقائمة في العالم العربي، واتُهِمَ الحداثيون بالهدم والتشويه، واتُهِمَ المتمسكون بأساليب وروح الشعر القديم بالتقليد، ويجب أن نتذكر أن الحداثة ليست موضوعًا بنيويًا، بل هو نهج تفكير وحالة شعور، وأسلوب تعبير، وبحث عن مضامين ومعانٍ وصور واستعارات ومجازات بكرٍ مبتكرة، الحداثة هي نقيض التقليد، لكن هنالك من فسرها وتعامل معها على أنها قضية أسلوبية، فرأى بقصيدة النثر والتفعيلة أنها قصائد حداثة، وظن أن القصيدة العمودية هي عكسها، وهذا خطأ فادح، ومن ناحية أخرى منذ تأسيس مجلة شعر التي حررها يوسف الخال وأدونيس وزملاؤهم، ومحاربتهم للتقليد والتقليدية ومحاولة نسف الكثير من المفاهيم السائدة عن الشعر، هنالك خلط بين المعنى الحقيقي للحداثة وبين الاتهام السائد لهذا التيار الذي رافق الشعر منذ فجر التاريخ باستيراد الأشكال والمعاني، والتخلي عن تراث الشعر العربي وأصالته، ومن هنا نبع الالتباس، رغم أن هنالك العشرات من الشعراء والنقاد والباحثين الذين كتبوا الكثير عن الأمر، إلا أن عدم تعمق الكثيرين حتى من الشعراء والنقاد بقضايا الحداثة المتفجرة عن الأصالة داخل مجال موروثها اللغوي وخارجه، يبقي الموضوع غير محسوم.

* لفتني توظيفك للأسطورة في العديد من قصائدك “أتيت إليّ” “نشيد الصّمت” ثم “طائر العطر.. ؟ والسؤال لماذا ..ومتى نستخدم الأسطورة بحيث لا تأتي عبئا على الأسطورة نفسها..؟
** رغم أن هذه القصائد كتبت منذ سنوات طويلة، وأعتقد أنني تطورت كثيرًا عن تلك الفترة، أو على الأقل أتمنى ذلك، وأيضًا في مجال استخدام الأسطورة والتناص، إلا أن هاجس استخدام الأسطورة والنصوص الأخرى ومنها الدينية شكّل عندي هاجسًا منذ البداية، فالاستخدام المبتذل لأي نصٍّ قائمٍ، يصبح عالةً عليه كما ذكرتَ في سؤالك.
استخدام الأسطورة قائم في الشعر منذ آلاف السنين، ومسخ الكائنات أو التحولات (الميتامورفوزس) للشاعر الروماني أوفيد الذي عاش في المائة التي توسطها ميلاد المسيح مثال هام لاستخدام الأسطورة، وشعر ما بعد الحداثة في الغرب يعود لاستخدام الأسطورة، كونها تشكّل حالة عميقة في تكون الوعي الإنساني، وتفاعله مع نفسه والكون. بالإضافة إلى جمالياتها التي لا تشيخ أبدًا، ولذلك تستهوي الأسطورة الشعراء منذ فجر التاريخ، وستبقى. ومرّة أخرى استخدام الأسطورة وأي نص قائم، ليس بالأمر السهل، وعلى الشاعر والكاتب أن يمتلك حسًا إبداعيًا عاليًا، كي يستطيع أن يستخدم هذه النصوص، لتشكّل اشراقةً تدعم وتقوي نصه، ولا تأتي عبئًا وعالة على النص الأصلي.
* بين ثنايا كلمات قصائدك نعيش في ” خيال رحب” قلما نلحظه عند الشعراء ..؟
** أشكرك مرةً أخرى، وأتمنى فعلاً أن يكون الأمر كما تقول، فالخيال الرحب، يشكّل اتساع مساحة القصيدة وفضائها، والمعاني والصور التي لا تُستقطب من أقاصي الخيال تبقى كالطيور التي لا تستطيع الطيران، ملتصقةً بالأرض، وكلما اتسع الخيال كلما اتسع المجال الحيوي الذي تحلق فيه الصور والمعاني.

* ايضا في شعرك طغيان واضح للفكر والفلسفة .. ؟
** إذا سبحت القصيدة في بحر خالص من الخيال البحت، تتحول إلى هلامية، وإذا مشت في دروب الفكر والفلسفة الخالصة تصبح ثقيلة جافة وتفقد شروط رونقها، ورغم أن لي قصائد ولا سيما الجديدة منها تميل إلى إحدى الضفتين أي الخيال أو الفكر، إلا أنني أحاول دائمًا خلق التوازن بينهما، ولا أنكر أن للفكر والفلسفة تأثيرا كبيرا على نفسيتي وبالتالي على ما أكتب، وأنا أحب الفلسفة كثيرًا، وأقرأ منها الكثير ومنذ سنوات طويلة، إلا أنني أبتعد عنها كثيرًا عندما تعتمل في داخلي الحالة الشعرية، لكنني أقع أحيانًا بقصد أو دون قصدٍ في مجالها الجوي وجاذبيتها، ولكنني أومن أن الشعر كالمهرة الرشيقة التي يجب أن لا تُحّمَل بأثقال الفكر، لكي تنطلق حرةً، ولذلك أحاول الحفاظ على التوازن بقدر ما أستطيع، ما عدا القصائد التي أقصد طرح فكرة (فلسفية) من خلالها، مع الحفاظ على شروط الفنية والجمال، أو القصائد السريالية الغارقة في عالم الحلم والخيال.

* يرى احد الشعراء أن النص ملك للقارئ شريطة أن يكون القارئ بمستوى النص، فما هو المعيار للقارئ الجيد الذي يرتقي إلى مستوى النص عندك.. ؟
** أومن بنظرية أن النص الجيد يحتاج إلى القارئ الجيد، وأنا شخصيًا أقولها دون حرج أنني لا أعوّل على كل قارئ، واعتقد أن النصوص التي سايرت الناس والقراء العاديين حظيت بشعبية لكنها لم تحظ بالقيمة العليا وأشك بخلودها، وهنالك النظرية الشائعة التي روّج لها الأدب المؤدلج، وعلى رأسه الأدب السوفيتي في مرحلة معينة، وهي أن الشعر يجب أن يكون لكل الناس، وأنا لست مع انغلاق القصيدة على ذاتها ولا أحب شعر الطلاسم، لكنني ضد شيوعية الشعر، ومسايرته لكل الطبقات، وأعتقد أن الشعر خُلق لطبقة تسمى النخبة المتذوقة، وهذه النخبة يمكن أن ينتمي إليها إنسان غير متعلم، وشابة في بداية عمرها، وأكاديمي في الأدب، أي أنها غير منحصرة في فئة يمكن تصنيفها بشكل تام، وإنما الذين يهتمون بالشعر والأدب والفنون الجميلة هم الذين يتمتعون بحسٍّ ذوقي وثقافة مقبولة، وليس كل الناس، ومن هنا شعبية الشاعر ليست دائمًا المقياس لقيمته، ولا سيما في مجتمعاتنا العربية، فهنالك غالبًا معايير خارج النص، تؤثر على انتشار وشعبية الشاعر أو عدم انتشاره. أنا شخصيًا أعوّل على القارئ الاستثنائي الذي يتمتع بذوق رفيع وثقافة وأدوات تؤهله لاستيعاب القصيدة الجيّدة، ولا ألتفت إلى الشرائح الأخرى، وقد يظن البعض أن بهذه الفكرة ترفّع واستعلاء، ليس هذا القصد بالمفهوم المباشر، ولكنني أتفق مع المقولة بأن الشعر سماءٌ يجب أن ترتفع الأرض إليها، وليست أرضًا يجب أن تنخفض لها السماء. وأؤكد مرة أخرى أن جماهيرية القصيدة والشاعر إلى حدِ شعبية الطرب والسينما، لها غالبًا أسباب خارج القصيدة كما أسلفت. في النهاية نادي القراء الكبار هو نادٍ يحتاج إلى مقومات لذلك هو نادٍ ضيق نسبيًا، يتسع كلما زادت الشعوب والمجتمعات رقيًا وحضارةً.

* تكتب الشعر العمودي كما تكتب الشعر الحديث .. اين تجد نفسك .. وما الذي يحدد شكل القصيدة عندك؟
** يستهويني الشعر العمودي والشعر القديم كما يستهويني الحديث، الشرط قائم في قيمة القصيدة لا بشكلها أو زمانها، وهذا يؤثر في كتابتي، فأحيانًا أجد نفسي أكتب القصيدة العمودية “والكلاسيكية” إلى جانب كتابتي الأكثر كمًّا، وهي القصيدة الحديثة شكلاً ومضمونًا، وقلت سابقًا إن الحداثة ليست قضية بنيوية، رغم أن لبنية القصيدة تأثير على مضمونها. والذي يحدد شكل القصيدة عندي كما عند الكثيرين هي الحالة النفسية، والقراءة والهاجس المؤقت. ولكي يتمكن الشاعر من هذا التنويع عليه التمكن من الكثير من المقومات والأدوات ومنها فهم طبيعة اللغة والمدارس الشعرية، والتمكن من أدوات البلاغة والعروض، وبغضِّ النظر عن الأدوات الشكلية والبنيوية فإنّ طبيعة ونفسية وروح وشكل الشعر تختلف من عصر لعصر، وعلى الشاعر أن يكون واعيًا لهذه الاختلافات كي يتمكن من التجديد والإبداع في أي شكل وأسلوب تشده حالته النفسية للكتابة فيه.

* بالتالي ..أين أنت من قصيدة النثر .. وبرأيك ماذا بعدها ؟
** لست ضد قصيدة النثر، وأحب هذه التجربة وأستفيد منها كثيرًا وأعشق الكثيرين من شعراء قصيدة النثر، رغم أنني لم أكتبها، وأنتقد بالوقت ذاته ظاهرة الذين يكتبون قصيدة النثر من عجزٍ لا من اختيار، الأمر الذي أوهم الكثيرين، ولا سيّما من الشعراء المبتدئين، أن كتابة الشعر شيء سهل، وممكن للجميع، وهذه من الإشكاليات التي ضربت المستوى العام للشعر وأفقدته الكثير من مصداقيته ومكانته. وماذا بعد قصيدة النثر؟ أنا حقًا لا أعرف.

* يقول الشاعر محمد حلمي ريشة..” أَنَّ القصيدةَ هي التي تكتبُ شاعرَها، وهذَا يقودُ إِلى أَنَّ القصيدةَ تلدُ شاعرَها أَيضًا، ..ما رأيك ..وهل ترى معي بان هذا الكلام فيه بعض او الكثير من التهويم الفنتازي ؟
** أعتقد أن في هذا القول الكثير من الحقيقة، لأنّ الشعر هو من الحالات القليلة التي يشترك فيها اللاوعي والوعي، أو أن اللاوعي يرسم طريق الوعي، فالومضة الأولى أو الإشراقة الأولى وهي التي تأتي من لاوعي ما، وغالبًا تفاجئ صاحبها، وهي المغناطيس الذي يجذب باقي المفردات والصور، هذه الومضة المفاجئة، التي تُطلُّ من مخزن اللاوعي، تكتب صاحبها، وبعدها تدخل الصنعة ويتدخل الوعي لكن حالات اللاوعي أو التمفصل ما بين الوعي واللاوعي يرافقان عادة كتابة القصيدة، ومن هنا أتت مقولة إن الشاعر يكتشف نفسه، لأنه يعي لاوعيه، وأن القصيدة تلد شاعرها، فاللاوعي يلد الكثير من مشاعرنا وسلوكياتنا، ولذلك قال فرويد أنه استفاد من الأدب لكي يطور علم النفس التحليلي أكثر مما استفاد من علم النفس نفسه.

*على الصعيد الإبداعي، هل تعتبر وجودك في أراضي الـ48 ميزة .. ام انه حرمك من ميزة ما ؟
** لا أعتقد أنها ميزة، إنه واقعٌ مركّبٌ إلى درجة كبيرة، فهل يستطيع أحد أن يفهم كيف يعيش الإنسان يوميًا، تحت وطأة التناقضات؟ فكّر معي في الأمر، أنا عربي وفلسطيني، أنتمي إلى تاريخي وثقافتي وتراثي ولغتي بأقصى مشاعري وأعمق أفكاري وكامل وجودي، وأعيش في واقعٍ يتناقض مع هذا الوجود، ويحاول نفي هذا الفكر وإلغاء هذه المشاعر، تخيل أنك تضطر بالتعامل اليومي العادي مع نقيضك، الذي يملك مقاليد السيادة على أرضك وظروفك ومستقبلك، وتخيّل القوى النفسية وقوة الانتماء والثقة والحب التي يحتاجها الفلسطيني داخل الدولة العبرية كي يستطيع التوفيق بين انتمائه وبين تفاصيل حياته اليومية.
ومن ناحية أخرى نحن غير متواجدين في قلب الحياة العربية، لسنا في القاهرة ولا في بيروت، أو دمشق، أو غيرهم، وبالتالي، غالبًا لا نستطيع التفاعل المباشر مع الأوساط الأدبية بشكل مباشر، وهنالك للأسف فئات لا تزال تقاطعنا بحجة (التطبيع)، رغم أن الفئات العربية الواعية ترفض هذه الفكرة جملة وتفصيلاً، وأود أن أنوه كما نوهت سابقًا في لقاءات صحافية مع صحف في الوطن العربي، أن القوى الوطنية في الداخل، هي من أشد المحاربين للتطبيع، وأن من يتمسك بغير حق بهذه الفكرة بتعامله مع فلسطينيي الـ 48، يخدم الفكر الصهيوني الذي يحاول منذ النكبة سلخنا عن شعبنا وأمتنا. لكن وجودنا في أرض فلسطين التاريخية صامدين متمسكين بهويتنا الفلسطينية والعربية وحفاظنا على لغتنا وانتمائنا، هي بحد ذاتها ميزة، ستتذكرها الأجيال. والميزة الثقافية والإبداعية المشتقة من هذه الحالة، أثبتت نفسها منذ بدايات الرعيل الأول من شعراء المقاومة الفلسطينيين.

* يرى احد النقاد ان الإنجاز الأهم للشعر الفلسطيني الحداثي، تمثل في خروجه من السياسي / الأيديولوجي إلى فضاء الإنساني .. ماقولك..وهل ينسحب هذا التحليل على شعراء الداخل ؟
** المقاومة في رأيي الشخصي، هي ليست مقاومة الاحتلال (بالحاء) فحسب، بل مقاومة الاختلال في موازين العدل والجمال والحرية والتقدم والتنور والمساواة، مما يوسع مفهوم المقاومة ويخرجه من السياسي المباشر الذي سيطر من منطلق حاجة ماسة في مرحلة تاريخية معينة، إلى فضاء أرحب. وأعتقد أن تحليق محمود درويش في الأفق الإنساني الأرحب وخاصة في مرحلته الأخيرة هو مقاومة بمعناها الشمولي، وهذا يخدم القضية الفلسطينية كما يخدم معظم قضايا الإنسان، الذي لا يستطيع المقاومة بالمعنى الإيديولوجي إن لم يتفوق على نقيضه تحضرًا وانسانيةً… وبلقاء إذاعي أجريته مع سميح القاسم، في إذاعة الشمس، قال معقبًا على شعر المقاومة، أنه بات يرفض التعريف الإيديولوجي الضيق لمفهوم المقاومة.
أتفق مع الناقد الذي وصف خروجي من السياسي إلى الفضاء الإنساني إنجازًا، وأتمنى أن أتمكن من التحليق في الأفق الإنساني وملامسة القضايا الإنسانية بقدر ما يسعفني التطور الذي أتمناه لنفسي وللآخرين بالقدر ذاته، لأنني أومن بالحالة العامة، التي يخلقها أكثر من شاعر ومبدع.

* هل هناك أي صعوبات في موضوع نشر الأعمال الإبداعية باللغة العربية في الداخل الفلسطيني..؟
** الداخل الفلسطيني عانى دائمًا من عدم توفر دور النشر، والآن يوجد دار نشر جديدة، دار راية للنشر، لكنها رغم أنها تبدي بوادر جدية وأتوقع لها النجاح، إلا أنها لا تزال جديدة، في الماضي كانت دار الأسوار، دار الهدى وأعتقد أنها لا تزال قائمة، ودور نشر أخرى، لكن شعراءنا وكتابنا يضطرون للنشر في دور نشر في العالم العربي، ليضمنوا انتشار أعمالهم.
وأعتقد أن النشر عامة على مستوى العالم العربي أجمع، متأزم قياسًا بدور النشر لدى معظم الشعوب الأخرى، التي تضمن حقوق الكاتب، وتوفر له دخلاً من كتابه المنشور، ونحن نعرف أن أبرز الأسماء العربية لا تستطيع أن تعيش من إصداراتها، وهذه مأساة ثقافية بحد ذاتها، الأمر ينطبق بصورة أكثر مأساوية على النشر في فلسطين الداخل.

* سؤال أخير، بصفتك رئيس اتحّاد الكتّاب العرب الفلسطينيين في الداخل. ماهي أهم نشاطات الاتحاد .. وكيف هي العلاقة مع الكتاب الإسرائيليين .. ما مدى مشاركتهم ببعض النشاطات.. ؟
** بالنسبة للعلاقة مع الكتاب الإسرائيليين، حتى الآن لا توجد أي علاقة، ولكنني أعتقد بشكل شخصي، أنه لا تزال هنالك أهمية للحوار الثقافي مع القوى اليسارية من الكتاب الإسرائيليين، رغم قلتهم، أو لنقل نضوبهم المستمر للأسف الشديد، فاليسار الحقيقي المساند للقضية الفلسطينية أخلاقيًا، بين اليهود في ” إسرائيل” يكاد يتلاشى، إلا أن مثل هذه الحوارات يمكنها أن تصب في مصلحة شعبنا بنهاية الأمر، رغم أنه هنالك مِن المزاودين من يفسرها خطأً. وأيضًا يمكننا أن نستفيد ثقافيًا من الأدب العبري كما نستفيد من أي أدب آخر، وهنالك من نلتقي معهم في نقاط كثيرة على الصعيد السياسي والأيديولوجي، رغم أنهم أقلة. ومن ناحية أخرى علينا أن نفهم الآخر، الذي نعيش معه، لا لأجل التأقلم الاضطراري، بل لأجل أن نفهمه لكي نعرف كيف نحاوره ونقارعه، لكي نصل إلى حقوقنا المشروعة، وحقوق شعبنا عامةً.
اتحاد الكتاب بصيغته الحالية لا يزال جديدًا، إلا أنه قام منذ سنة أي منذ تأسيسه بنشاطات عديدة ومتنوعة، وهنالك خطوات جادة لتوطيد العلاقات المبتورة جزئيًا مع العالم العربي، وقد بدأ الاتحاد بمشاركة مع الاتحاد العام للأدباء والكتاب الفلسطينيين في رام الله، ووزارة الثقافة الفلسطينية ومؤسسات أخرى، برسم خطة توحيد الخريطة الثقافية الفلسطينية، في كل أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، وهنالك أفكار كبيرة تُدرس من قبل جهات هامة، وأعتقد أن من أهم أهداف اتحاد الكتاب في المرحلة الراهنة، هو إعادة ربط الأدب والحالة الثقافية في الداخل الفلسطيني بجذورها وآفاقها الفلسطينية والعربية، عن طريق خطوات عملية تتجاوز الشعارات العامة. وبالطبع هنالك برامج كثيرة، ونحن نعمل ما بوسعنا رغم صعوبة الأمر، وخاصة فقرنا لميزانية أو موارد مادية، كوننا نرفض أن نأخذ أي ميزانية أو دعم من أي مؤسسة إسرائيلية. والدعم من وزارة الثقافة الفلسطينية محدود جدًا.
وأخيرًا، أنا أومن بالحالة التي تجمع بين المتناقضين: الفردانية والجماعية، ولذلك على الكاتب الشاعر أن يخصّب فردانيته بالحالة الجماعية، والجماعية بالفردانية، هذا التلاقح يشكّل الحالة الأفضل برأيي، للفرد والجماعة معًا، ومن هنا تأتي أهمية التنظيمات الأدبية، ذلك عدا تضافر القوى، وليس أكثر منا كعرب فلسطينيين في الداخل أو في أي مكان يتواجد فيه الفلسطينيون، بحاجة إلى تنظيم أدبي، كوننا نعيش في حالة استثنائية، تُبقي الأدب والثقافة خندقنا الأهم كما اعتدنا أن نقول وبحق وواقعية وأمل.

إلى الأعلى